تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

حين يتحوّل المقدّس إلى ذريعة للعنف

سيرينا جمال دملج *

ليست كل الحوادث الأمنية المتزامنة دليلًا على وجود تنظيم واحد يقف خلفها، وليست كل أشكال العنف متطابقة في دوافعها أو أهدافها. لكنّ بعضها يطرح سؤالًا مشتركًا لا يمكن تجاهله: كيف يصل الإنسان إلى مرحلة يرى فيها الاعتداء على الآخرين فعلًا يمكن تبريره، بل ربما واجبًا ينبغي تنفيذه، تحت راية عقيدة أو أيديولوجيا أو تصوّر مغلق للعالم؟

عاد هذا السؤال إلى الواجهة مع اتساع التحذيرات الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط، في ظل مخاطر الصواريخ والطائرات المسيّرة المرتبطة بإيران والحوثيين، ثم مع الهجوم الدموي الذي استهدف مشيعين عند كنيسة حمود في محافظة الكرك جنوبي الأردن، وصولًا إلى حادثة الاعتداء بالفأس على قائد طائرة تابعة لشركة “فلاي دبي” على يد مساعده العُماني.

تختلف هذه الوقائع في سياقاتها ومستوياتها، من الصراع الإقليمي إلى استهداف المدنيين، وصولًا إلى الاعتداء داخل قمرة قيادة طائرة. لكنّها تضع أمام الدول والمجتمعات ضرورة التفكير في العلاقة بين العنف والتطرف، وفي الحدود التي يمكن أن يبلغها توظيف المعتقدات لتبرير أفعال تنتهك أبسط حقوق الإنسان.

من تهديد الحدود إلى تهديد المجتمعات

تحذيرات السفر الأميركية ليست مجرد نصائح إجرائية للمواطنين الراغبين في التنقل. فعندما تتحدث السلطات عن مخاطر استهداف المصالح الأميركية بصواريخ ومسيّرات من إيران والحوثيين، فإنها تعكس تقديرًا أمنيًا لبيئة إقليمية شديدة التوتر، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية وتداعيات الصراعات الممتدة عبر الحدود.

وقد جدّدت واشنطن تحذيرها المتعلق بالسعودية، داعية مواطنيها إلى إعادة النظر في السفر إليها بسبب المخاطر الأمنية، ومنها التهديدات المنسوبة إلى إيران والحوثيين.

غير أنّ مواجهة هذا النوع من المخاطر لا تختصر قضية التطرف كلها. فالجماعات المسلحة التي تمتلك قدرات عسكرية وتعمل ضمن صراعات إقليمية تختلف، من حيث التنظيم والوسائل والأهداف، عن أفراد أو مجموعات تستهدف مدنيين في أماكن العبادة أو المناسبات الاجتماعية.

كنيسة حمود: حين يُستهدف الإنسان في لحظة الحزن

في الأردن، حمل الهجوم على مشيعين عند كنيسة حمود في محافظة الكرك بُعدًا إنسانيًا بالغ القسوة. فقد كان الضحايا يشاركون في جنازة، قبل أن يتحوّل المكان إلى مسرح لإطلاق النار وسقوط القتلى والجرحى. وارتفعت حصيلة القتلى، وفق التقارير المنشورة في 24 أكتوبر/تشرين الأول، إلى تسعة، فيما أُصيب نحو أربعين شخصًا.

تغطية وكالة الأنباء الأردنية “بترا” لاجتماع الملك عبد الله الثاني أظهرت أنّ الرد الرسمي لم يقتصر على التشديد الأمني. فقد وجّه الملك إلى إجراء تقييم شامل للاستجابة الأمنية، ومراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف، والعمل على تجفيف منابعه بالتنسيق مع المرجعيات الدينية، مع التشديد على محاسبة كل من يثبت أنه أيّد الجريمة أو برّرها.

وهنا تكمن أهمية الموقف: فالدولة لا تحمي مواطنيها بملاحقة منفذي الهجوم فحسب، بل أيضًا بتطوير قدرتها على اكتشاف المخاطر مبكرًا، ومواجهة التحريض، ومنع استغلال الجريمة لإثارة الانقسام بين الأردنيين، لا سيما أنّ استهداف مشيعين في كنيسة لا يجرح عائلات الضحايا وحدها؛ بل يمسّ فكرة المواطنة ذاتها. فالمجتمع الذي يشعر فيه الإنسان بأنّ مكان عبادته أو جنازة قريبه قد يصبحان هدفًا للعنف، يجد نفسه أمام اختبار يتجاوز الإجراءات الأمنية إلى حماية التعدد وحق الناس في العيش معًا.

قمرة القيادة: الصلاة التي سبقت الاعتداء

لكنّ الوجه الآخر للسؤال ظهر في حادثة مختلفة تمامًا، داخل قمرة قيادة طائرة “فلاي دبي” المتجهة إلى تل أبيب، حين تعرّض قائدها الهندي سميت ماتشّار لهجوم بالفأس من مساعده العُماني.

في مقابلة حصرية أجرتها الزميلة كارولينا نصّار معه داخل المستشفى الذي كان يتلقى العلاج فيه، وروتها “سكاي نيوز عربية”، وصف القائد اللحظات التي سبقت الاعتداء. فقد قال إن مساعده نهض لأداء الصلاة، وإنه تجنّب الالتفات إليه احترامًا له أثناء أدائها، قبل أن يتعرّض لضربات متكررة بالفأس.

ولعل هذا التفصيل، إذا أخذناه في حدود الشهادة التي نقلتها المقابلة، يكشف جانبًا بالغ الخطورة: كيف يمكن أن تتحوّل الثقة الإنسانية واحترام ممارسة دينية إلى فرصة يستغلها المعتدي لتنفيذ فعل عنيف؟

التطرف لا يبدأ دائمًا بالسلاح

من الخطأ الاعتقاد بأنّ التطرف يبدأ لحظة حمل السلاح. ففي بعض الحالات، تسبقه مراحل من التحريض، وتصنيف الناس إلى جماعات تستحق الحياة وأخرى يجوز استباحتها، ورفض الاعتراف بحق المختلف في الوجود والاعتقاد. وقد تتغذى هذه المراحل على خطاب ديني محرّف، أو قومية متشددة، أو أيديولوجيا سياسية مغلقة، أو خليط من هذه العوامل.

لكنّ المسار ليس واحدًا لدى الجميع، ولا تؤدي الأفكار المتشددة بالضرورة إلى العنف في كل حالة. لذلك، فإنّ فهم التطرف يحتاج إلى بحث جاد في السياقات الاجتماعية والسياسية، وشبكات التجنيد، وخطاب التحريض، والعوامل التي تدفع أفرادًا إلى الانتقال من تبنّي أفكار متعصبة إلى ارتكاب الجرائم.

وهذا يفرض على المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية مسؤولية تتجاوز إصدار بيانات الإدانة بعد كل هجوم. فالمطلوب هو تفكيك التبريرات التي تجعل استهداف الأبرياء مقبولًا في نظر بعض الأفراد، وتوضيح أنّ الاختلاف الديني أو السياسي لا ينتقص من حق الإنسان في الحياة والأمان.

حماية المقدّس تبدأ بحماية الإنسان

تجمع بين هذه الوقائع أسئلة عن العنف والتبرير والمسؤولية، لكنها لا تثبت وحدها وجود عقيدة تنظيمية واحدة أو شبكة واحدة تقف خلفها. ومن هنا تبدأ القراءة المسؤولة: التمييز بين الجماعات المسلحة والأفراد، وبين المعتقد الديني وتوظيفه السياسي، وبين الاتهام الذي تسانده الأدلة والاستنتاج الذي لا يزال ينتظر التحقيق.

إنّ أخطر ما يمكن أن يفعله المتطرف هو أن يمنح نفسه سلطة تقرير مَن يستحق الحياة ومَن يجوز الاعتداء عليه، ثم يستعير من المقدّس لغةً يبرّر بها قراره. وعند تلك النقطة، لا يعود الدين أو المعتقد موضوعًا للنقاش وحده، بل يصبح الإنسان نفسه ضحية محاولة لإلغاء حقه في الاختلاف والأمان.

لذلك، لا تكون مواجهة التطرف بتجريم الأديان أو وصم جماعات كاملة، ولا بالاكتفاء بإجراءات أمنية تأتي بعد وقوع الكارثة. إنها تبدأ بحماية الإنسان، وتستمر بتطبيق القانون، ومواجهة التحريض، وتجفيف منابع العنف، وصون المجال العام من كل خطاب يحوّل الاختلاف إلى عداوة والعداوة إلى ترخيص للقتل.

فالمقدّس، أيًّا كانت صورته في وجدان المؤمنين، لا يمكن أن يكون رخصةً للاعتداء على الأبرياء. وإذا استُخدم لتبرير العنف، فإنّ الواجب ليس التسليم بهذا التبرير، بل مساءلته وكشف زيفه.

فحين يصبح احترام الصلاة فرصةً للغدر، وتتحوّل الجنازة إلى هدف للرصاص، ويغدو أمن الدول رهينة تهديد الجماعات المسلحة، لا يكون السؤال عمّا إذا كان العنف قد ارتدى عباءة دينية أو سياسية فحسب؛ بل عمّن سمح له بأن ينتزع من الإنسان حقّه في الحياة، وأيّ دولة وأيّ مجتمع يستطيعان إيقافه قبل أن يتحوّل إلى مأساة جديدة.

*إعلامية وكاتبة لبنانية – روسية

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock