تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

«جراد البحر» يغزو الأسواق التونسية… وفوائد مُرّة على مائدة الفقراء

تونس – تحليل اخباري من اعداد الصحفي ضياء الدين مرزقي

لم يعد جراد البحر (الروبيان) في تونس وجبة الفِرَص والأعراس، بل أصبح، في خريف 2026، سلعة الشارع والأسواق الشعبية. فمنذ منتصف أكتوبر الجاري، وتحديدًا مع بدء موسم الصيد البحري الثاني في خليج قابس، اجتاحت الكميات الكبيرة من الروبيان أسواق تونس والمدن الساحلية، حتى بلغ السعر في بعض الأسواق 7 دينارات للكيلوغرام الواحد، مقابل 20 دينارًا في شهر أوت الماضي و14 دينارًا في السابع من أكتوبر.

لماذا انهارت الأسعار؟

الإجابة المباشرة هي بسيطة: فائض العرض. لكن الإجابة الأعمق تكشف تحولًا بيئيًا مقلقًا. فبحسب هالة الجزيري، عضوة جمعية «تونسية» للعلوم التشاركية، فإن الروبيان المعروض حاليًا في الأسواق ليس من الأنواع المحلية، بل هو نوع غازٍ جاء من المحيط، تم اصطياده من البحّارة التونسيين بعد انتشاره في المياه الوطنية. وترى الجزيري أن انخفاض سعره يعود إلى تكاثر هذه النوعية بفعل ارتفاع درجة حرارة مياه البحر، التي خلقت بيئة مواتية لتزاوجها وتكاثرها، فارتفع المعروض وانخفضت الأسعار إلى حدود 10 دينارات وما دونها.

سعر رخيص… وخبر سيئ

هنا تكمن المفارقة المركزية في هذه القصة. فما يبدو نعمةً للمستهلك التونسي — الذي يعاني من موجات التضخم والغلاء وتراجع القدرة الشرائية — هو في الحقيقة مؤشر على خلل بيئي أعمق. فالأنواع الغازية لا تكتفي بتغيير موازين الأسواق، بل تعيد تشكيل النظام البيئي البحري بأكمله: منافسة شرسة على الغذاء مع الأنواع المحلية، واختلاط في المناطق التي لطالما عُرفت بثرائها البيولوجي، وخليج قابس خير مثال على ذلك.

ومن المفارقات أيضًا أن تونس خبرت قبل أسابيع فقط خلافًا مع الاتحاد الأوروبي حول تصدير الروبيان الأحمر، تنتهي محطته في روما بين 26 و30 أكتوبر الجاري — أي في ذروة الوفرة المحلية. فكيف يمكن لبلد يتفاوض على تصدير منتجه البحري أن يشهد انهيارًا في أسعاره الداخلية في اللحظة ذاتها؟ السؤال يطرح نفسه: هل تفتقر السلطات إلى آليات تخزين وتثمين تمنع أن تذهب الثروة البحرية بهذا الرخاوة إلى الأسواق المحلية؟

الوجه الآخر: انتصار صغير للمائدة الشعبية

مع ذلك، لا يمكن إنكار البعد الاجتماعي الإيجابي للظاهرة. فالروبيان، الذي طالما كان من «الكماليات» المرتبطة بالمناسبات، أصبح أقرب إلى متناول الأسر ذات الدخل المحدود. منتج كان يُقتنى عرضًا يمكنه اليوم أن يدخل في الوجبات اليومية، وسط ارتفاع جنوني لأسعار المواد الغذائية عمومًا.

وتبقى التساؤلات مفتوحة: هل هي ظاهرة موسمية مؤقتة مرتبطة بموسمي الصيد (من 15 ماي إلى نهاية جوان، ثم من 16 أكتوبر إلى 30 نوفمبر)، أم أنها الوجه الأول لتحوّل مناخي دائم في البحر المتوسط؟

في الأسواق التونسية اليوم، طابور من الروبيان الرخيص، وفرحة مشترية، وهمسة صيّاد قلق. فالغزوة التي أسعدت المستهلك قد تكون إنذارًا لبحرٍ يتغير، ولأسواقٍ تجهل كيف تتعامل مع ما لم يكن في الحسبان. والسؤال الذي يُرخّص بهذا المقال لا يخص سعر الكيلوغرام، بل مستقبل البحر التونسي ذاته.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock