تخطي إلى المحتوى الرئيسي
39,228 مشاهدة
ضياء بطرس صليوا *
حتى الموت لم يعد آمنا، في قرية حمود بمحافظة الكرك التي تقع جنوب مملكة الاردن وبدم بارد، اقتحم مسلحون جنازة داخل كنيسة ( القديس جاورجيوس ) للروم الأرثوذكس، ليتحول وداع إنساني لفقيدة من عشيرة الهلسة إلى مجزرة مروعة، فسقط 7 شهداء وعشرات الجرحى وفق ما اوردته التقارير الأولية.
إن أطلاق النار على مصلين عزل يودعون فقيدهم، هذا ليس مجرد عمل إرهابي، ولا تكفيه كلمات الاستنكار التي تتكرر بعد كل فاجعة، إنها طعنة غادرة في قلب الوجود المسيحي الأصيل في هذه المنطقة، ويضعنا أمام سؤال موجع ما قيمة الحديث عن التعايش، إذا لم يستطع الإنسان أن يشيع فقيده بأمان؟ وما معنى المواطنة إذا ظل المسيحيون أبناء هذا المشرق، يشعرون أن وجودهم قابل للاستباحة وأنهم أول من يدفعون ثمن التطرف؟.
الأردن الذي ظنناه الواحة الأخيرة للأمان، ينزف اليوم بنفس الاسلوب التكفيري الذي هجر واقتلع أهلنا في مناطق مختلفة من الدول العربية ومنها العراق سنة 2014.
أكتب كوني مسيحي من العراق لكنني لا أرى في هذا الألم وجعا مسيحيا فقط، لأن دم الضحايا لا يسأل عن دينهم فقط، والخوف الذي يتركه الإرهاب في قلوب العائلات لا يفرق بين مسلم ومسيحي أو من أتباع أي من الديانات الأخرى، وأن الاعتراف بمعاناة المسيحيين ليس دعوة إلى الفرقة، إنها دعوة إلى رؤية واقع يتكرر، وإلى مواجهة السؤال الذي يتهرب منه الكثيرون، لماذا يترك هذا المكون الأصيل في المشرق كل مرة أمام القتل والخوف والتهجير والقلق على مستقبل أبنائه؟
نطالب بكشف ما جرى باسرع وقت، وعدالة تحاسب القائمين عن هذا العمل الأجرامي، وإجراءات تحمي الناس وكنائسهم ومساجدهم مستقبلا، وخطابا عاما من الأئمة ورجال الدين بأن يرفضون التحريض والتطرف، فالتعايش لا يقاس بالكلمات والشعارات، بل بقدرة كل إنسان على أن يعيش ويؤمن ويودع أحبته آمنا، على قدم المساواة مع سائر المواطنين في بلده.
إلى أهلنا في كل دول الأغتراب والشتات، ما حدث ليس حادثا عابرا، بل نداء يوقظ الجميع، إن السكوت عن استباحة المقدسات وأرواح الأبرياء هو سماح بتكرار الفاجعة، ودماء شهداء الكرك تصرخ في وجه الضمير الإنساني والكوني، وتقول متى يتوقف أقتلاع الوجود المسيحي التاريخي في المشرق.
حين يخشى المسيحيون على حياتهم ووجودهم، فالمشكلة لا تخصهم وحدهم، إنها جرح كبير في ضمير المشرق كله، واختبار حقيقي للدوله بكافة مكوناته.
* كاتب وناشط سياسي مستقل