تخطي إلى المحتوى الرئيسي
39,413 مشاهدة
د. مهى محمّد مراد
لم تعد أزمة الكهرباء في لبنان مسألة خدماتية يمكن التعامل معها بإجراءات مؤقتة أو حلول موسمية، بل أصبحت مرآةً لخلل أعمق في إدارة المرافق العامة وفي قدرة الدولة على التخطيط والتنفيذ والمساءلة. فسنوات الانقطاع والتكاليف المرتفعة أثقلت كاهل المواطنين والمؤسسات، وأضعفت قطاعات الإنتاج، وجعلت تأمين الطاقة تحديًا يوميًا يمسّ الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. لذلك، فإنّ أي مبادرة تفتح نافذة لمعالجة هذا الملف تستحق الاهتمام، شرط ألّا تبقى في إطار الإعلان والتعهد.
من هذا المنطلق، تكتسب المبادرة القطرية أهمية تتجاوز حدود الدعم المالي أو الفني؛ فهي فرصة يمكن للبنان أن يستفيد منها لإعادة وضع ملف الكهرباء على مسار عملي أكثر وضوحًا واستدامة، كما أنّ العلاقات الأخوية التي تجمع لبنان ودولة قطر تشكّل أرضية إيجابية للتعاون، وتستدعي التعامل مع المبادرة بجدية ومسؤولية، بعيدًا من المبالغة في التوقعات أو الاكتفاء بالترحيب السياسي والإعلامي.
غير أنّ التقدير الحقيقي لأي دعم لا يكتمل بالكلمات وحدها، فالمواطن اللبناني سمع، على امتداد سنوات الأزمة، الكثير من الوعود والخطط التي لم تصل جميعها إلى النتائج المرجوّة. وما ينتظره اليوم ليس إعلانًا جديدًا يضاف إلى سجلّ التصريحات، بل مسارًا واضحًا ينتقل من الفكرة إلى القرار، ومن القرار إلى التنفيذ، ومن التنفيذ إلى خدمة يلمس أثرها في حياته اليومية، فالفرق كبير بين مبادرة يُحتفى بها عند الإعلان عنها، ومشروع يُنجز وفق مهل محددة ومعايير شفافة.
وهنا تبرز مسؤولية الدولة اللبنانية ومؤسساتها المعنية، فنجاح المبادرة لا يتوقف على توافر الدعم وحده، بل يحتاج إلى استكمال الإجراءات المطلوبة، وتحديد المسؤوليات، وإزالة العقبات الإدارية والقانونية، ووضع جدول زمني قابل للمتابعة والتقييم. كما يتطلب نشر المعلومات الأساسية بوضوح، وإخضاع التنفيذ للمساءلة، كي يعرف المواطن ما الذي تقرر، وما الخطوات التي أُنجزت، وما الذي لا يزال ينتظر المعالجة.
وبالتالي، فإنّ الشفافية ليست تفصيلًا إداريًا، بل شرط لبناء الثقة وحماية المصلحة العامة. وفي الوقت عينه، لا يجوز أن يُختزل إصلاح قطاع الكهرباء في مشروع واحد، مهما كانت أهميته، فاستدامة أي تحسن تحتاج إلى رؤية أشمل تشمل كفاءة الإنتاج، وتأهيل الشبكات، والحد من الهدر، وتحسين الجباية، وترشيد الإنفاق، وتطوير الإدارة، ضمن خطة قابلة للتطبيق لا تكتفي بتحديد الأهداف، بل تبيّن وسائل تحقيقها ومصادر تمويلها وآليات مراقبتها. فالدعم الخارجي يستطيع أن يفتح بابًا مهمًا، لكنه لا يستطيع أن يحل محل القرار الوطني أو أن يعفي المؤسسات اللبنانية من واجباتها.
ومن الضروري، في هذا السياق، الحفاظ على مقاربة متوازنة للمبادرة القطرية: تقدير ما تمثله من فرصة للتعاون، من دون استباق النتائج أو الحكم على مشروع لم يستكمل مساره التنفيذي، المطلوب هو مواكبتها بجدية، وتحويل التفاهمات إلى خطوات قابلة للقياس، ومتابعة كل مرحلة بوضوح ومسؤولية. فالشراكات الناجحة لا تُبنى على حسن النوايا وحده، بل على التزامات محددة وعمل منظم ونتائج يمكن التحقق منها.
ولا يعني التشديد على التنفيذ التقليل من أهمية المبادرة أو تحميل الجهة الداعمة مسؤولية ما يقع ضمن صلاحيات الدولة اللبنانية، على العكس، فإنّ احترام المبادرة يقتضي توفير الشروط التي تتيح لها النجاح، وتجنّب تحويلها إلى مادة للاستهلاك السياسي أو سجال بين الأطراف. فالمعيار ينبغي أن يكون المصلحة العامة، ومدى قدرة المشروع على تحسين واقع الكهرباء بصورة عادلة ومستقرة، لا مقدار الضجيج الذي يرافق الإعلان عنه… كما أن وضوح مراحلالتنفيذ وتوقيتاتها يساعد على إدارة توقعات المواطنين، ويمنع الالتباس بين ما أُعلن، وما أُقرّ، وما دخل فعلًا حيّز العمل.
إنّ الكهرباء المنتظمة ليست مطلبًا ثانويًا، بل ضرورة لحياة الناس واستمرار المؤسسات وتحريك الاقتصاد واستعادة الثقة بالدولة، ومن هنا، فإنّ المبادرة القطرية تمثل فرصة ينبغي ألّا تضيع بين التأخير وتبادل المسؤوليات، ولبنان اليوم بحاجة إلى أن يبرهن أنّه قادر على حسن إدارة الفرص المتاحة، لا أن يكتفي باستقبالها والاحتفاء بها.
فالمرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة أفعال لا أقوال، وتنفيذ لا انتظار، وإذا كان الدعم يفتح الطريق، فإنّ الإرادة والجدية والمتابعة هي التي تقود إلى نهايته… وهذه هي القيمة الحقيقية لأي مبادرة: أن تتحول من عنوان واعد إلى إنجاز ملموس، قولًا وفعلًا وعملًا.