تخطي إلى المحتوى الرئيسي
32,022 مشاهدة
جورج شاهين
منذ أن صدر قرار المجلس الدستوري الخميس الماضي في الخامس عشر من تشرين الاول الجاري بشأن الطعن في القانون الرقم 70 /2026 المتعلق بالعفو العام بإجماع أعضائه، أحيا المواقف المتعددة الوجوه التي رافقت المناقشات الحادة التي سبقت إقراره في مجلس النواب بتاريخ 13 آب 2026 بعد تأجيل البت به إلى أن تم التوصل الى اكثرية نيابية توافقت بطريقة ما على منح عفو عام عن عدد كبير من الجرائم وخفض بعض العقوبات بطريقة استثنائية.
ولما أصدر رئيس الجمهورية القانون في الرابع من أيلول 2026 ضمن المهلة الدستورية المنصوص عليها في المادة 56 من الدستور. بات ممكنا أن تقدم عشرة نواب من كتلة “لبنان القوي” بطعن في دستورية القانون بتاريخ التاسع من أيلول الجاري أمام المجلس الدستوري. عملاً بأحكام المادة 19 من الدستور.
حتى هذه اللحظة، ثبت ان جميع الاطراف الذين تعاطوا مع القانون الجديد أظهروا احتراما لكل الأصول الدستورية والمهل التي تحاكي حالة من هذا النوع، وبدأت بعض القوى المتضررة التعاطي معه على “خلفيات سياسية” عبرت فيها عن “اعتراض مشروع” من ضمن الاصول الدستورية. من دون أن تشكل خروجا على آلية التعاطي مع كل جديد متصل بالملف، وفق ما يقول به الدستور ونظام المجلس الدستوري. وعليه كان التحرك الذي قام به رواد سجن رومية من “السجناء الإسلاميين” لمجرد إصدار المجلس الدستوري قراره المبدئي بـ “وقف مفعول القانون الى حين البت بالطعن المقدم ضده”، غداة تسجيل الطعن امامه.
كان كل ذلك، مقبولا ومفهوما لدى العديد من المراجع الدستورية والقانونية التي تواكب ملفات مماثلة، قبل ان يعتبر بعض المعترضين على القرار كما صدر بالصيغة النهائية، معتبرين أن في إبطال بعض مواده وما أجراه من تفسير لأخرى ليأتي تطبيقها متوافقا مع الدستور مجرد “رأي دستوري” يمكن تجاوزه والعودة الى تطبيق القانون كما أقر في المجلس النيابي بعد “الادعاء” بان المجلس “تجاوز صلاحياته الدستورية” ولا يمكن القبول بالتعديلات التي أجراها في موازاة اعتبار البعض الآخر أنه يمكن اللجوء الى “صيغة وسطية” تلغي “المفاعيل الجوهرية” لقرار الدستوري بكل ما قال به في شكله وتوقيته ومضمونه وما يمكن أن يقود إليه تنفيذه عبر السلطات القضائية والعدلية والامنية والقانونية.
وإزاء هذه الصورة التي ترجمها تحرك “لقاء النواب السنة” عبر اكثر من مرجع قضائي ودستوري عن تردده باعطاء اي راي في المواقف التي رافقت الحراك الأخير مكتفية بالقول – تجاه اي رأي سياسي – ان قرارات المجلس الدستوري ليست مجرد راي – كما يرغب به البعض – ولا يمكن تجاوزها أو التحايل عليها او التلاعب بتفسيرها عند تطبيقها. ذلك أنها قرارات “مبرمة وملزمة لكل السلطات الدستورية”، ولا تخضع لأي نقاش بعد نشرها في الجريدة الرسمية وتعميمها على السلطات كافة بما فيها القضائية والتشريعية والتنفيذية.
وعليه، وعلى الرغم من هذه “القناعة الدستورية” التي لا يمكن البحث فيها قبل العودة الى المجلس النيابي لإصدار قانون جديد يرضي الأطراف المعترضة على قرار الدستوري والساعين الى إبطال مضمونه، نصحت المراجع الدستورية قادة التحرك الاخير من “لقاء النواب السنة” الذين بدأوا التحرك في اتجاه مدعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج ومن بعده رئيس الحكومة نواف سلام وعند اي تحرك مقبل في اتجاه رئيس مجلس النواب نبيه بري بضرورة التروي في إطلاق المواقف التي لا يمكن أن تؤدي الهدف المنشود من تحركهم. ولا سيما ان كانت النية الحفاظ على الحد الادنى من الاستقرار التشريعي والقضائي والقانوني. فاعتبارهم قرار الدستوري مجرد “رأي” “خطيئة” دستورية وقانونية “كبرى” لا يرضى بها احد، وكذلك بالنسبة الى قولهم أن المجلس الدستوري قد “تخطّى صلاحياته التشريعية، وأخذ على عاتقه أموراً تتعارض مع نيّة المشرّع في تخفيض العقوبات عن شريحة كبيرة من المظلومين” وأن “الصيغة التي وضعها المجلس الدستوري قد تكون بعض أحكامها غير قابلة للتطبيق”، نظرية فاقدة للقواعد الدستورية والقانونية وغير مقبولة سوى على “خلفياتها السياسية” ولا يمكن الركون إليها في “العقل الدستوري والقانوني”.
وأضافت المراجع لتقول، أنه لو اكتفى لقاء النواب، بالإعلان عن وضع ملاحظاتهم على القرار في عهدة مدعي عام التمييز لكان أمرا قانونيا ودستوريا شرط عدم الاسترسال في تفسير أو توصيف القرار. فالنائب العام التمييزي يدرك جيدا كيفية التعاطي مع قرارات المجلس الدستوري. ويعرف جيدا أنها ملزمة لكل النيابات العامة التي يشرف عليها ومعها محاكم الاستئناف او التمييز ولا يمكن الخروج عما تقول به وهي لا تستطيع مخالفة قرار المجلس الدستوري، على علاته ان وجدت، وإلا تكون قد ارتكبت مخالفة للدستور والقانون.
وعليه فإن الحديث عن “صيغة وسطية” – استطردت المراجع الدستورية – الى القول، أن لا وجود لمثل هذه “الصيغة التوافقية” في نظام المجلس الدستوري ولا في النظام الداخلي لمجلس النواب ولا في الدستور ولا في القانون وان العودة الى القانون كما أقر في مجلس النواب له طريق واحدة بالعودة الى السلطة التشريعية لوضع قانون جديد يعيد الى النص المرفوض ما فرضته التعديلات التي وضعها المجلس الدستوري ولا طريق أخرى في هذا الاتجاه.
وتختم هذه المصادر لتقول ان حديث “لقاء النواب السنة” قد يكون أفضل موقف بشجع المراجع المعنية بالاسراع في الخطوات التي تؤدي الى تشكيل المجلس الدستوري الجديد. ذلك ان ما انجزه المجلس النيابي اليوم بتجديد هيئآته ولجانه النيابية بانتخاب أميني السر وثلاثة مفوضين واعضاء اللجان النيابية خطوة مكملة لتكوين الهيئة العامة التي عليها انتخاب خمسة أعضاء للمجلس قبل أن يعين مجلس الوزراء الأعضاء الخمسة الآخرين بعد مرور عام وأكثر من شهرين على نهاية ولاية المجلس الحالي.
وان صح القول ان مجلس النواب يتجه لاعتبار أن المجلس الدستوري قد “تدخل في شؤونه” بعدما احتكر سلطة تفسير الدستور التي كانت من حق المجلس الدستوري في اجتماعات الطائف. مع التنبه سلفا بأن تشكيل مجلس دستوري جديد، لا يشكل اي تأثير ولا يقدم ولا يؤخر في كل ما يتعلق بطريقة التعاطي غير المسبوقة مع قرار المجلس الدستوري الخاص بـ “قانون العفو العام” إلا في حال تجددت السيناريوهات الخاصة بوضع قانون جديد يرضي المعترضين على ما بات مطروحا اليوم ونقطة على السطر.