هل عطّل “طوفان الأقصى” اقتحام “الرضوان” لـ “الجليل الأعلى”؟
منذ ساعتين
3 دقائق
41,841 مشاهدة
لم يكن أحد يحتسب حربا تتمدد وتتناسل لسنوات عدة بعد مسلسل حروب لم يتجاوز بعضها الشهر عدا عن تدمير وتجريف مظاهر الحياة في لبنان وغزة. وبعد “عملية فقأ العيون” تناسى “محور الممانعة” الخروقات الاستخبارية لقواعده من إيران الى لبنان.
الجمهورية – جورج شاهين
لن يتوقف المراقبون والمؤرخّون عند الذكرى السنوية الثالثة لـ”طوفان الأقصى” و”حرب الإلهاء والإسناد” في غزة ولبنان، وبداية مسلسل الحروب في ما بينها وما رافقها من نكبات، لأنّ هذه الأحداث حفرت عميقاً في تاريخ المنطقة وأوطانها ووجدان شعوبها وزرعت الأوهام. وسيُقال كثيراً فيها وعنها في السنوات المقبلة. فهي من المحطات التي عكست متغيّرات كبرى، تسببت بولادة “شرق أوسط جديد”. ولذلك، فإنّ التوقف عند هذه المحطة، لن يكون كافياً لقراءة نتائجها. ولكن هذه عينة منها.
لن يكون سهلاً إجراء المقاربة الشاملة والدقيقة لما تسبّبت به الأحداث المتتالية والمتناسلة التي انطلقت شرارتها في 7 تشرين الاول 2023 بإطلاق حركة “حماس” عملية “طوفان الأقصى”، بما حملته في توقيتها وشكلها ومضمونها، وما رافقها وما يمكن أن تنتهي اليه. ذلك أنّ الحركة ومعها نظيراتها من المنظمات الفلسطينية، قد خبرت سلسلة من الحروب القصيرة بمعدل حربين او ثلاثة في كل عقد، على مدى العقود الثلاثة الماضية التي تلت ولادة “السلطة الفلسطينية” في رام الله وعودة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات إليها، ومعه رجال الدرب منذ الخطوة الاولى وعدد من رموزها، بعد فترة من الشتات تنقّلوا خلالها بين مجموعة من الدول العربية بين الأردن والعراق وسوريا ولبنان، عدا عن المجموعات التي توزعت على دول عربية وأفريقية والخليج العربي، وما رافق تلك المحطات من حروب توزعت على معظم أراضي هذه الدول تحت شعار “العودة” في موازاة انغماسها في الشؤون الداخلية لبعض
هذه الدول، ولا سيما منها الأردن ولبنان وسوريا. وبمعزل عن هذه الأحداث والحروب، لم تعرف الساحة الفلسطينية في برامج “الانتفاضات الفلسطينية” التي بدأت بالحَجَر والبندقية قبل الصاروخ والمظليين والأسلحة المضادة للدبابات والدروع، حرباً دامت أكثر من 30 إلى 40 يوماً على الأكثر. قبل أن يخرق رجال “حماس” فجر السبت 7 تشرين الأول 2023، الطوق المحيط بقطاع غزة والمستوطنات حتى عمق 22 كيلومتراً في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها من قرى يهودية وعربية ومختلطة من الجنسين. مع ما رافق كل ذلك لساعات قليلة من سيطرة على بلديات ومراكز شرطة ومؤسسات مختلفة.
وقبل أن تلملم إسرائيل جثث قتلاها وإحصاء المخطوفين من عسكريين ومدنيين يهود، ومن جنسيات مختلطة يهودية وأخرى غربية، ومعهم عمال أجانب ومقيمون من دول آسيوية واوروبية، حتى أطلق “حزب الله” صباح اليوم التالي في الثامن من الشهر عينه ما سمّاه “حرب الإلهاء والإسناد”، في محاولة للتخفيف من ردّة الفعل الإسرائيلية على العملية، وما تركته من صدمة في العالم، وخصوصاً في الدول التي وسمت المنظمات الفلسطينية واللبنانية بالإرهاب، فتوالت المواقف المندّدة بالعمليات، من دون أي تفهّم للمبرّرات التي أُطلقت رفضاً لما خلّفه الاحتلال من إرهاب وقتل وتدمير وخطف وإذلال وتجويع ومصادرة أراضٍ وهدم المنازل وتغيير معالم الضفة الغربية بعد تقطيع أوصالها بالجدران الإسمنتية والقطاع، بعد سنوات عدة على إخلاء شماله من كل المستوطنات الإسرائيلية عام 2008، قبل أن تسيطر “حماس” عليه، وتفصله سياسياً وحكومياً وإدارياً وأمنياً عن أراضي “السلطة الفلسطينية” بما يشبه الرعاية الإسرائيلية، التي فرحت بالانقسام الفلسطيني الحاد وأبعدت السلطة الفلسطينية المعترف بها كعضو مراقب في الأمم المتحدة عن هذه الأجزاء الفلسطينية منها.
وإن كان المقال لا يتسع لكل ما رافق مسلسل الحروب التي تناسلت بين لبنان وغزة، وامتدت إلى مناطق مختلفة في اليمن، قبل أن تتصاعد حدّة المعارك في سوريا نتيجة الحرب الداخلية فيها بعد 12 عاماً على بدئها في 16 آذار 2011، كانت سلسلة الحروب التي اقتيد إليها لبنان، وتحوّل ساحة مباحة لكل الأسلحة الإسرائيلية البرية والبحرية والجوية، فيما كان الحزب يبرّر بداية الحرب بمنع إسرائيل من المبادرة في اتجاهه على أساس أنّه “الهدف التالي” بعد “حماس”. فكان مسلسل الحروب التي انطلقت من عملية سمّاها الحزب “فقأ العيون” التي ركّز فيها على تدمير مراكز المراقبة الإسرائيلية المنتشرة على طول الحدود من رأس الناقورة إلى أطراف مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والغجر حتى مثلث الحدود اللبنانية ـ السورية ـ الإسرائيلية.
وإن كان الحزب اعتقد انّه أبعد العيون الإسرائيلية المباشرة عن رصد ما يجري على الأراضي اللبنانية، لم يعط الأهمية لحجم الخرق الاستخباري الإسرائيلي لإيران وقواعده من مواقع حساسة ودقيقة من طهران حتى لبنان. وأظهر خلالها أنّه يمكنه رصد حراك أي مسؤول إيراني ومن أمينه العام وقادته الكبار إلى آخر مسؤول في قطاع او محور بالإضافة إلى رصد حراك القادة الفلسطينيين في لبنان وإيران وفق جردة لم يكن معظم الإيرانيين واللبنانيين يدركون أماكن وجودهم.
وإن كانت النتائج التي أسفرت عنها الحروب من ضحايا، قد أظهرت فوارق كبيرة بين قتلى الإسرائيليين الذين لم تعترف تل أبيب بعد برقم نهائي لهم، عدا عن إشارتها إلى عشرات الآلاف الذين يخضعون للمعالجات النفسية والعصبية، قالت الإحصاءات اللبنانية الرسمية، إنّها أسفرت عن مقتل ما يزيد على 9 آلاف لبناني ومقيم، وإصابة اكثر من 33 الفاً، عدا عن أضرار مادية لحقت بعشرات القرى المدمّرة وخسائر مالية فاقت الـ 25 مليار دولار إضافة إلى الخسائر غير المباشرة.
أما على المستوى السياسي، لم يحن الوقت بعد لحسم بعض النتائج الاستراتيجية الكبرى، وإلى الانقسام القائم بين مَن “نعى” شعار “الدولة الفلسطينية” نهائياً، هناك من يأمل في أنّ لا حل من دون “الدولتين”. وإن حُسم الأمر، انّ عملية “الطوفان” أبعدت برامج التطبيع السعودي والخليجي مع إسرائيل، فإنها أنهت في المقابل مشروع اجتياح “قوات الرضوان” لـ”الجليل الأعلى”، بعدما دعاهم أمينه العام الراحل حسن نصرالله للاستعداد لها، عدا عن الضربة القاضية لمشروع “وحدة الساحات” الذي لم يلتزم به سوى الحزب، فيما يترنح “محور الممانعة” الذي لم يتبق منه سوى في لبنان واليمن، بعد “الضربة القاضية” في سوريا وما هو منتظر في العراق.