تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

حين يولد الرجاء من الركام

مفيد خطّار

إنّ سرّ الإنسان لا يُحلّ كمسألة رياضية، بل يُعاش كلقاء. ولذلك، حين انفجر مرفأ بيروت، لم ينفجر مكانٌ فقط. انفجر شيءٌ في داخل الإنسان أيضًا.

في لحظة واحدة، ارتجّت المدينة، تناثرت النوافذ، سقطت البيوت، وامتلأت الشوارع بالزجاج والدم والخوف. وجد الإنسان نفسه أمام مشهد لم يكن يعرف كيف يصدّقه، ولا كيف يفهم أن يتحوّل مكانٌ للحياة إلى مساحة للموت.

لكن المأساة لم تكن في الركام وحده.

كان السؤال الأكبر: ماذا يبقى في الإنسان عندما يسقط كل شيء حوله؟

ربما يبقى ما لا تستطيع الانفجارات أن تهدمه: القدرة على الوقوف، وعلى أن يمسك الإنسان بيد إنسان آخر، وعلى أن يبحث، وسط الخراب، عن معنى جديد للحياة.

في ذلك اليوم، لم يهتزّ لبنان وحده. اهتزّت فينا فكرة الأمان، وانكشفت هشاشة الإنسان أمام الموت. ومع ذلك، خرج من بين الركام أناس يحملون بعضهم بعضًا، ويبحثون عن الأحياء، ويواسون المكلومين، ويزرعون في قلب الخراب شيئًا يشبه الرجاء.

وكأن الإنسان، عندما يفقد كثيرًا مما يملك، يبدأ باكتشاف ما لا يستطيع أن يفقده. واليوم، يعود الوجع من الجنوب.

كأن لبنان لم ينتهِ بعد من حمل جراحه، وكأن الجنوب يحمل في جسده فصلًا آخر من الألم اللبناني. هناك بيوت تُترك، وأمهات تنتظر، وأطفال يتعلمون مبكرًا معنى الخوف، وأناس يتساءلون متى يعود المكان الذي يحبونه مكانًا صالحًا للحياة.

لكن الجنوب ليس مرفأً آخر للموت.

إنه تذكير آخر بأن الوطن الذي نريده لا يمكن أن يكون مجرد أرض نتقاتل عليها، بل بيتًا يحمي أبناءه، ويمنحهم حقهم في الحياة والكرامة والأمان. ومن هنا يبدأ الرجاء.

فالرجاء ليس أن نتجاهل الجرح، ولا أن ننسى الذين رحلوا، ولا أن نتظاهر بأن الركام لم يكن موجودًا. الرجاء أن ننظر إلى الركام، ثم نقرر ألّا يكون هو مستقبلنا.

قد تسقط البيوت، لكن يمكن أن تُبنى من جديد. وقد تثقل الذاكرة بالألم، لكن يستطيع الإنسان أن يحوّل ألمه إلى حكمة. وقد يطول الطريق، لكن الوطن يستطيع أن يعود، إذا عاد الإنسان أولًا إلى إنسانيته.

لبنان لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء ما تهدّم من الحجر. يحتاج إلى أن يستعيد معنى الوطن: دولة تحمي الإنسان، وقانون يساوي بين الناس، وذاكرة لا تتحول إلى انتقام، ومستقبل لا يرث فيه الأبناء خوف آبائهم.

فالوطن لا يُستعاد بالشعارات، بل حين يصبح الإنسان فيه أغلى من كل الحسابات. ولعل أجمل ما يمكن أن نرجوه بعد كل هذا الألم، ألّا يعود لبنان كما كان، بل أن يصبح لبنان الذي لم نعرفه بعد؛ لبنان الذي يكون فيه الوطن أكبر من الطائفة، والدولة أقوى من كل قوة خارجة عنها، والإنسان هو الغاية لا الوقود.

فالرجاء لا يعني أن ننسى الركام، بل أن نبني فوقه.

وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق للقيامة: أن يخرج الإنسان من الموت، لا ليعود إلى الأمس، بل ليبدأ حياة جديدة. وعندها، لا تكون بيروت مجرد مدينة منكوبة نجت من انفجار، ولا الجنوب مجرد أرض حملت وجعًا آخر، بل يكون لبنان كله شاهدًا على أن الإنسان يستطيع، بعد كل سقوط، أن يبدأ من جديد.

وقد آن لهذا الجنوب، ولهذا الوطن، أن يستعيد حقه في أن يكون أرضًا للحياة، لا ساحة للموت. ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث لهذا الوطن، بعد كل ما مرّ به، أن يستعيد الوطن… الوطن.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock