41,175 مشاهدة
بقلم: ناجي علي أمهز
تبرز المعضلة الكبرى في المشرق العربي عند النظر إلى الخارطة الديمغرافية ابان التوازن الشيعي؛ قبل عام 2011، كانت الإحصاءات تتحدث عن استقرار ديمغرافي مسيحي نسبي تجاوز 6 ملايين مسيحي موزعين بين لبنان، وسوريا، والعراق، وإيران، حيث شكّل مسيحيو سوريا ثقلاً وازناً ناهز 11% من مجمل الشعب السوري. ومع ظهور دولة العراق الاسلامية 2007 واجتياح مدينة الموصل في العراق وبلدات سهل نينوى 2014، سجل نزيف ديمغرافي مرعب أدى إلى هجرة واقتلاع أكثر من مليون ومئتاي الف مسيحي عراقي، ليتراجع وجودهم التاريخي هناك إلى ما دون 150 ألف نسمة وكان مع حرب امريكا على العراق 2003 غادر اكثر من 150 الف مسيحي. وتكرر السيناريو ذاته في سوريا، مع صعود داعش واخواتها 2014 وسقوط نظام الاسد 2025، كان قد غادر اكثر من مليون ونصف مسيحي سوري، كما انه هاجر مع بداية الاحداث 2011 اكثر من 400 الف مسيحي، لتنكمش أعداد المتبقين في الحواضر السورية إلى نحو 300 ألف أيضاً.
أمام هذا الواقع، وبانخفاض إجمالي عدد المسيحيين في هذه الرقعة من قرابة 6 ملايين إلى أقل من 2.5 مليون نسمة خلال 10 سنوات (يتركز معظمهم في لبنان)، تُرسم علامة استفهام كبرى حول ما إذا كانت هذه الحروب تهدف بشكل ممنهج إلى إفراغ المشرق العربي من مسيحييه. والواقع يؤكد أن أي رقعة جغرافيّة دخلها الإسلام الراديكالي المتشدد غادرها المسيحيون فوراً نجاةً بأرواحهم وتنازلاً عن تاريخهم وأرزاقهم. والخوف الحقيقي اليوم يكمن في انتقال هذه العدوى التكفيرية والاضطرابات السياسية إلى لبنان، المعقل الأخير، مما يهدد بتكرار سيناريو الاقتلاع خلال سنوات قليلة.
اضافة الى قراءة عميقة للغاية لم تضح معالمها بعد، حيث يجد الغرب نفسه أزمة بنيوية عميقة مع ملف الهجرة وعمليات الاندماج الثقافي؛ حيث رصدت مئات الدراسات السوسيولوجية والنفسية الصادرة عن كبرى المعاهد الأوروبية — وفي مقدمتها مركز WZB المانيا ومرصد(OID) فرنسا — عقب موجة اللجوء عام 2015، وجود ‘فجوة قيمية حادة ناتجة عن الارتطام الثقافي للمهاجرين القادمين من بيئات عاشت الاسلام المتشدد وعانت من الأنظمة القمعية، مما ولّد ممانعة لدى بعض الفئات في تقبل مفاهيم العلمانية والحريات الفردية. هذه التحديات الفنية والاجتماعية تلقفتها أحزاب اليمين المتطرف، وحولتها عبر ‘التعميم النمطي’ إلى وقود سياسي وانتخابي مرعب حصدت به السلطة وعدلت به قوانين الهجرة نحو مزيد من التشدد والاقصاء.
ولكن، أبعد من السجال الانتخابي، ثمة قراءة استراتيجية عميقة بدأت تتضح معالمها في الأروقة المغلقة، تشير إلى أن العواصم الغربية باتت تسعى بشكل حثيث لهندسة مسار عكسي يهدف إلى ‘إعادة ملايين المهاجرين العرب والمسلمين إلى دولهم الأصلية’. وبوادر هذا التحول بدأت تظهر بوضوح في فرنسا عبر صياغة تشريعات ‘الأولوية الوطنية’ وتقويض مكتسبات المواطنة للأجانب، تمهيداً لترحيل جماعي وممنهج خلال سنوات قليلة.
وهل يعني ان يعود المسلمين المهاجرين الى دولهم هو ان يحل محلهم بالغرب المسيحيين والشيعة اللبنانيين. هكذا تشير التعقيدات العميقة والقادم خلال اشهر قليلة يوضح الغاية مما يحصل في لبنان.
وهنا تتقاطع القراءات السياسية؛ إذ يرى البعض أن محاصرة المكون الشيعي في المنطقة يهدف إلى تجريدها من قواها الحامية للأقليات، علماً بأن الشيعة يمتلكون قدرة ديمغرافية أعلى على الصمود العسكري والجغرافي نظراً لكتلتهم البشرية المتصلة التي تُقدر بنحو 110 ملايين نسمة بين إيران والعراق ولبنان (دون احتساب المكونات الحليفة او الشيعة في بقية الدول العربية). لكن في المقابل، ماذا يمكن لمليوني مسيحي معزولين ديمغرافياً أن يفعلوه في ظل تقلبات دولية وإقليمية لم تحمِ الكتل المسيحية التاريخية في نينوى وحلب ومعلولا؟
النظام العالمي يرفض مقولة التواطؤ، ويدعي حرصه على الوجود المسيحي، بل تشير مراكز أبحاثه إلى أنه كان يراهن في مرحلة ما على الصعود “الشيعي” ليشكل صمام أمان للتعددية وحماية الأقليات في الشرق الأوسط. لكن ما قدمه الشيعة في المجالين السياسي والإعلامي مؤخراً جعل خطابهم العام، في نظر الغرب، لا يختلف عن بقية الحركات الاسلامية والعربية التقليدية. وإذا كان الخطاب الشيعي سيتحول إلى نسخة مكررة للتيارات الاسلامية والعربية، فإن المنطق البراغماتي للنظام العالمي يملي عليه حينها التفاوض والتعامل المباشر مع الكتلة الإسلامية الكبرى في العالم بدلاً من اقلية ايها كانت.
ويؤكد النظام العالمي انه كان يريد للمكون الشيعي أن يركز على وحدته بعيداً عن الانخراط الصدامي في الأزمات الإقليمية كالقضية الفلسطينية، لكنه تحول إلى رأس حربة في التنافس الجيوسياسي، وزايد في خطابه السياسي والإعلامي على المنظومة الاسلامية والعربية بأكملها التي اعلنت التطبيع مع اسرائيل ودفعت الاموال لامريكا، بينما الشيعة اطلقوا شعارهم بازالة اسرائيل واخراج امريكا من المنطقة، مما أنتج اصطداماً مباشراً مع التوازنات الدولية.
وتؤكد هذه الدراسات ان الغرب قاتل في سبيل الشيعة بينما الشيعة قاتلوا في سبيل الامة الاسلامية والعربية. فالقراءة الموضوعية للتاريخ الحديث تكشف أن النظام الدولي منح الشيعة فرصاً تاريخية غير مسبوقة للتمكين السياسي والاندماج الاقتصادي؛ ففي أفغانستان، أسقطت الولايات المتحدة حركة طالبان التي كانت تمثل تهديداً وجودياً مستمراً لإيران، وفي العراق، أدى التدخل الأمريكي عام 2003 إلى تغيير بنيوي جذري أفضى إلى صعود الأغلبية الشيعية إلى سدة الحكم، وسمحت بالتمدد الشيعي من ايران الى لبنان وهو يحصل لأول مرة في التاريخ الحديث.
ويقدم الغرب الحقائق بالأرقام؛ ففي غضون خمسة وعشرين عاماً الماضية، وتحديداً بين العراق وإيران، دارت في هذا الفلك حركة اقتصادية سجلت أرقاماً هائلة، حيث بلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي التراكمي للدولتين أكثر من 4500 مليار دولار، وضُخت في خزائنهما العامة سيولة دولارية صريحة ناتجة عن عائدات التصدير النفطي ناهزت 2500 مليار دولار، لا سيما خلال طفرة الأسعار (2007-2013). إن عبور وإدارة هذه المئات من المليارات عبر المنظومة الدولية اضافة الى الاتفاق النووي الامريكي الايراني يثبت أن القوى الكبرى لم تكن تخطط لتدمير الشيعة، بل كانت تتعامل معهم كواقع جيوسياسي يجب ان يحكم المنطقة ويحمي الاقليات.
لكن الشيعة صدقوا الشعارات العربية والاسلامية واليسارية وتقاربوا مع الشيوعية التي تدعي مواجهة امريكا كالصين، وتناسوا ان البراغماتية الصارمة هي التي تحكم العلاقات الدولية؛ فالتحالفات الإقليمية لا تُبنى على العواطف بل على التوازن المصلحي. وتكشف شواهد الحرب السورية أن الحلفاء الدوليين كالصين وروسيا تصرفوا وفقاً لسقوف مصالحهم؛ فلم تتردد بكين في تجميد قرابة 30 مليار دولار من أموال النفط الإيراني التزاماً بالعقوبات الأمريكية الثانوية. كما لم تتدخل موسكو لمنع سقوط النظام في سوريا، او وقف استنزاف المقدرات الإيرانية التي بلغت استثماراتها وخطوطها الائتمانية لدعم دمشق وطاقتها وليرتها المتهاوية ما يقارب 65 مليار دولار. هذا التماهي من قبل حلفاء ايران مع الرغبة الأمريكية، يؤكد بطريقة أخرى أن الأمريكيين كانوا في كثير من المحطات يغضون الطرف عن التمدد الايراني الإقليمي طالما لم يهدد الهيكل الأساسي للنظام الدولي.
إذن، لماذا ينقلب العالم علينا اليوم؟ والجواب البسيط والمؤلم: يقال بان الاسرائيليين الذين اوصلوا الاسلام المتشدد الى سدة الحكم في سوريا نجحوا بتوريط الشيعة في خطابات عالية الاسقف وسياسة لا تتطابق مع الواقع مما اوصلهم الى حرب كبرى، وكان الهدف الاسرائيلي هو التخلص من كل اعداءه بضربة واحدة، فالاسرائيلي مع التخلص من الشيعي يكون قضى على عدوه العسكري التقليدي ومع انتهاء الوجود المسيحي في المنطقة يكون انتهى ايضا من فئة تنافسه في الاعلام والسياسة والخدمات المالية والتعليمية والطبية، وايضا الاسلام المتشدد يكون بدوره تخلص من الشيعة والاقليات مما يسمح له بان يحكم المنطقة دون عوائق دينية.
وبذلك مع خروج الاقليات من سوريا ولبنان والفوضى في العراق والتقلبات السياسية في ايران، وخوف الدول العربية، تصبح السيطرة على المنطقة بين الاسرائيليين والاسلاميين المتشددين، وبما ان الغرب والصين لن يتقاربوا مع الاسلام المتشدد، تكون اسرائيل هي التي تحصل على الدعم الكامل من الغرب والعرب لتصبح شرطي المنطقة الذي يحمي مصالحهم الاقتصادية.