هل الدولة اللبنانية تستوفي شروط الدولة السيّدة ؟ هل الدولة اللبنانية تستوفي شروط الديمقراطية ؟ هل الدولة اللبنانية تستوفي شروط الحكم النزيه ؟ الجواب حكمًا لا، والأسباب كثيرة ومتشعبة قوامها إنتشار الفساد وغياب العدالة في السلطة وزعزعة الإستقرار وإنهيار شرعية المؤسسات الرسمية… إنّ التعريف الذي يُطلقه علم السياسة على هذا الصنف من الدول هو ” دولة الباطل ” أو ” دولة الأشرار “، ويُعدِّد العلم السياسي الأسباب الموجبة لهذه التسمية ويحصرها على الشكل التالي: أ – غياب العدل والقضاء، ب- دولة السرقة والغنائمية، ج – دولة المحسوبيات، د – دولة العمالة.
الدولة اللبنانية دولة غنمائية يُسيطر عليها حكّام لا يعرفون معنى الكرامة وعزّة النفسْ ولا الطهارة السياسية، حكّام لا يميّزون بين الحق والباطل لأنهم عايشوا الباطل وتكيّفوا معه… حكّام غرفوا المال العام من دون حسيب ولا رقيب، حُكّام يُصرّون على الإستمرار في الحكم ويزوّرون قوانين الإنتخابات ويُسوّقونها داخليًا وعربيًا ودوليًا بأنها أفضلْ القوانين التي تُنتج مجلسًا نيابيًا، ولكن الواقع يؤشّرْ لمجلس فاقد للشرعية التمثيلية ومجلس غير قادر على التشريع ومجلس غير منسجم في الأفكار والمواقف، مجلس أقل ما يُقال عنه “مجلس دُمى “.
دولة الباطل تفتقد السيطرة على الأمن الوطني في البلاد وتعجز عن تحقيق السلام والإستقرار الداخلي، دولة تسيطر عليها دويلة بجهازها الميليشياوي، دولة الباطـل هوّتْ بسرعة نحو درك الدول الفاشلة ومن الطبيعي إنهيار مؤسساتها المدنية والعسكرية. دولة الباطل لا تستطيع المحافظة على تماسك وحدة الشعب اللبناني وعلى أراضيها، دولة الباطل تفقد القدرة على بناء إقتصاد مستقر ومتطوّرْ… وهذا يدل على أنّ هذه الدولة غير قادرة على توفير الحاجات المعيشية للشعب اللبناني والحفاظ على البنية التحتية.
دولة الباطل عاجزة عن تأمين الإحتياجات الأساسية لمواطنيها يُعّـد خرقًا مباشرًا لإلتزاماتها الدولية بموجب الشرعة الدولية لحوق الإنسان، وتحديدًا الإعلان العالي لحقوق الإنسان المادة 25، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والثقافية المادة 11. الحقوق غير قابلة للتجزئة ولا للتصرف، فقلق المواطن اللبناني لا يمكن أن يُسكت عنه والقضايا والحقوق لا يمكن تجزئتها أو المساومة عليها أو التعاطي معها بمواربة أو إلتفاف، لأنّ الحقوق في الدول المتحضرّة تتقدّمْ على كل قانون أو دستور أو إجراء وما لا يضمن ولا يكفل الحقوق يجب إزالته وليس محاكاته أو مسايرته.
دولة الباطل وحكّام الفساد يستخدم فيها المسؤول السلطة العامة أو الوظيفة لتحقيق مكاسب شخصية أو فئوية على حساب المصلحة العامة، وهذا الأمر قانونيًا هو فساد يُعرّف بـ “المرض المؤسسي ” الذي ينخــر جسد الدولة معتمدًا على الرشوة والمحسوبية وتركيب الملفات وإختلاس الأموال العامة.
فساد الحكّام آفة أشدْ فتكًا بالدولة اللبنانية وأفعالهم تمثِّـل العائق الأول أمام أي تطور سياسي – أمني – إقتصادي – مالي – إجتماعي، والسبب الجوهري إنحرافهم عن أداء واجباتهم الدستورية وإستغلالهم لمناصبهم بغية تحقيق مصالح شخصية وتطبيق سياسة العمالة التي أتوا لأجلها، وأفعالهم هذه هي المدماك الأول في هدم مرتكزات الدولة ومؤسساتها الشرعية المدنية والعسكرية والقضائية والدبلوماسية.
منهجية دولة الباطل وحكّام الفساد تقوم على العقائد لا على القيم، وعلى العادات والتقاليد لا الأخلاق، وعلى الخلاص الفردي لا الجماعي، والتديُّنْ شعائر لا طقوس أكثر من كونه وقارًا روحيًا. منهجية دولة الباطل وحكّام الفساد يسودها القلق والخوف وتتعطّـل الطاقات والقدرة على الإبداع، وتنعدم الثقة بالنفس والآخرين، وليس أدّلْ على ذلك من توظيف كل عبارات التسييس القائمة من دون أن يكون ذلك مبررًا.
دولة الباطل وحكّام الفساد تأصّـلْ في الجمهورية اللبنانية وإنتقل من الرشى الصغيرة والمكائد المتوسطة إلى عصر الرشى الكبيرة في نظامنا السياسي الحالي، والإعتقاد السائد أن فساد الحكّام ودولة الباطل لا يزولان ما دام هناك من يُمارس السلطة بذهنية العهر السياسي والزبائنية، وما دام هناك عدم إمكانية للفصل بين سياسي تاجر وعميل مأجور لأنهما يمتلكان ما يكفي من أسباب موجبة للتعاون والأمثلة قائمة ولا داعي للتذكير بها وبفصولها وبضررها.
سؤال نطرحه كمركز أبحاث PEAC كيف نقضي على دولة الباطل وحكام الفساد، القضاء يكون بتفعيل آليات القانون الدولي، الدستور اللبناني مواثيق حقوق الإنسان وكلها منظومة من الإجراءات التراكمية التي ستُنتهج من أجل القضاء على هاتين الآفتين.
* كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC