تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

منوعات

«رجل الغيستابو» في لندن

بقلم: محمد ناصر

لم يكن إريك روبرتس يشبه الجواسيس كما اعتدنا رؤيتهم في أفلام السينما. كان موظفًا في أحد المصارف بمدينة كورنوال، متزوجًا وأبًا لثلاثة أطفال، يعود كل مساء إلى منزله في ضاحية إبسوم الهادئة. لكنّه امتلك موهبة نادرة: القدرة على كسب ثقة الناس منذ اللقاء الأول.

هذه الموهبة لفتت انتباه ماكسويل نايت، أحد أبرز رجال جهاز الاستخبارات الداخلية البريطانية (MI5) والمكلّف بمراقبة الجماعات المتطرفة، فقام بتجنيده في ثلاثينيات القرن الماضي، وأرسله أولًا للتسلل إلى صفوف الاتحاد البريطاني للفاشيين.

خيط سيمنز

مع اشتداد الحرب، كان هاجس بريطانيا هو «الطابور الخامس»: متعاطفون مع النازية يعيشون بين الناس وينتظرون لحظة الخدمة. وتركزت الشكوك على فرع شركة سيمنز الألمانية في بريطانيا، فكُلّف روبرتس بالاقتراب منه. غير أن الخيط قاده إلى مكان آخر: امرأة تُدعى ماريتا بيريجو.

ماريتا بيريجو

لندنية المولد، ابنة مؤلفة الأغنية الشهيرة «Bless This House»، ومع ذلك كانت تكره بلدها كراهية وصفها تقرير MI5 بأنها عنيفة، وتتمنى لألمانيا النصر. وجد فيها اللورد روثتشايلد، رئيس القسم المعني بمكافحة التخريب، خطراً وفرصة معاً.

اختراع جاك كينغ

في عام 1942 قدّم روبرتس نفسه لبيريجو باسم «جاك كينغ»: عميل للغيستابو في لندن، مهمته تحديد من يستعد لمساعدة ألمانيا إذا وقع الغزو. فتحت له بيريجو أبوابها، وبدأت تجلب إليه المجنَّدين.

كان يلتقيهم في شقة بعمارة سكنية قرب إدجوير رود، وكانت الجدران تسمع كل كلمة. يعترفون ويسلّمون الوثائق وهم يظنون أنها في طريقها إلى برلين، بينما تنتهي كلها على مكاتب MI5. وأُدير الأمر بدقة: لا تشجيع على أي عمل تخريبي، والهدف معرفة من هم وماذا يعرفون.

من وقع في الفخ

  • هانز كوهوت: نمساوي المولد حاصل على الجنسية البريطانية، يعمل في شركة تنتج شرائط معدنية للتشويش على الرادار، فسرّب تفاصيل مشروع WINDOW السري.

  • هيلدا ليتش: نقلت تقارير عن مخزون الوقود في أنحاء البلاد، ومعلومات عن أبحاث الطائرات النفاثة.

  • بيريجو نفسها: كانت تتقاضى من «كينغ» أربعة جنيهات أسبوعياً، وتشك فيه، وتفتّش مكان اللقاء بحثاً عن ميكروفونات. ومع ذلك استمرت.

ختام بلا تصفيق

بعد انتهاء الحرب، بحثت MI5 مقاضاتهم أو كشفهم، ثم فضّلت إبقاءهم مصادر معلومات. وفي يناير 1946 جرى أغرب احتفال في تاريخ الحرب: قدّم «جاك كينغ» وسام الاستحقاق الحربي الألماني لبيريجو وكوهوت، ليبقيا مطمئنين. ورحلا وهما يظنان أنهما خدما «الوطن الأم».

أما روبرتس فلم يُكافأ؛ فقد اقترح روثتشايلد منحه راتب عام ووسام MBE، لكن لا هذا ولا ذاك تحقق. وظل اسمه سراً حتى كشفت MI5 هويته في أكتوبر 2014، ثم وثّق الصحفي روبرت هاتون قصته في كتاب «Agent Jack» (2018).

كان موظف بنك عادياً، لكنه حجب عن برلين أسراراً كثيرة دون أن يطلق رصاصة واحدة.

المصادر

  • MI5 – الموقع الرسمي: «Eric Roberts’ undercover work in World War II»

https://www.mi5.gov.uk/history/world-war-ii/eric-roberts-undercover-work-in-world-war-ii

  • روبرت هاتون، كتاب «Agent Jack: The True Story of MI5’s Secret Nazi Hunter» (2018)

  • HistoryNet: «MI5’s Diabolical Ruse to Flush Out Nazi Supporters in Britain»

https://historynet.com/mi5s-diabolical-ruse-to-flush-out-nazi-supporters-in-britain/

  • ويكيبيديا: «Fifth Column (intelligence operation)»

https://en.wikipedia.org/wiki/Fifth_Column_(intelligence_operation)

* كاتب محتوى ثنائي اللغة (العربية والإنجليزية) من الأردن، يكتب في التقنية والأعمال والمقالات الفكرية، ويجمع بين الكتابة التحليلية والسرد الإنساني الأصيل.

linkedin.com/in/mohammed-naseer-1bb596412

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock