تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

حلف مكة في طهران: قراءة في رسم موازين القوى 

ادهم ابراهيم

تأتي زيارة وزير الدفاع السعودي مع أعضاء حلف مكة إلى طهران في ظل تحولات إقليمية بالغة الخطورة، إذ تأثرت المملكة العربية السعودية وبعض الدول العربية بالضربات الإيرانية رداً على الهجوم الإسرائيلي الأمريكي الذي بدأ في فبراير . ثم أصبحت المملكة هدفاً مباشراً لانصار الله الحوثيين ، مما فرض عليها إعادة تقييم حساباتها الاستراتيجية.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى الزيارة بوصفها تحركاً دبلوماسياً عابراً، بل باعتبارها مؤشراً على إدراك متزايد بأن استمرار الصراع لن يؤدي إلا إلى استنزاف دول المنطقة، وتعطيل مشاريع التنمية، وتهديد أمن الطاقة والممرات البحرية، إضافة إلى إضعاف قدرة دول الشرق الأوسط على التحكم بمصائرها بعيداً عن إرادة القوى الخارجية.

وتسعى المملكة العربية السعودية إلى تقليص الأضرار الناجمة عن المواجهة مع إيران .

فقد أثارت الضربات الإيرانية التي طالت دولاً خليجية تساؤلات حول فاعلية المظلة الأمنية الأمريكية، ومدى استعداد واشنطن لتحمل مسؤولياتها عندما تتعارض حماية حلفائها مع حساباتها الاستراتيجية الأوسع . ومن هنا جاء الاعتقاد لدى بعض الخبراء بأن الثقة التقليدية بالولايات المتحدة بوصفها ضامناً للأمن الإقليمي لم تعد كما كانت في السابق .

والدرس الأهم الذي تفرضه الأحداث هو أن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة لتقلبات السياسة الأمريكية، أو مرتبطاً بأولويات البيت الأبيض، التي قد تتغير تبعاً لمصالحها . ومن ثم يصبح الحوار المباشر بين دول المنطقة ضرورة استراتيجية، لا مجرد خيار مؤقت .

وعلى مايبدو فأن الرياض سوف لن تقبل بنشوء نظام جديد في طهران يكون خاضعاً للولايات المتحدة وإسرائيل . لذا يتوقع أن تبذل جهودها ، لمنع حدوث ذلك والحفاظ على توازن إقليمي لا تكون فيه إيران تابعة لمحور آخر .

وبالرغم من ذلك، فإن هناك شكوكاً في رغبة الولايات المتحدة والغرب في إحداث تغيير جذري للنظام الإيراني ، بل انهم على الاغلب يحاولون تقليم أظافره وإضعافه، لأنه ما زال يحقق التوازن الديني والسياسي مع محيطه . كما اصبح  العدو الثاني للعرب ، مما خفف الضغط على إسرائيل .

  لقد أنهكوا إيران عبر اغتيال المرشد الأعلى وقادة الصف الأول،  وإضعافها عسكرياً، ثم حصارها اقتصادياً .

يأتي هذا المخطط بعد أن حققوا أهدافهم في إضعاف الدول العربية، من خلال تشجيع إيران أو السكوت عن مشاريعها التوسعية وزعزعة الاستقرار طوال عقود، لا سيما في سوريا والعراق ولبنان واليمن .

وبالنتيجة لم تستطع ايران تحقيق هدفها المعلن بتصدير الثورة، ولم يحقق شعبها طموحاته بالعيش كدولة كبرى في المنطقة والعالم. وفي المقابل، لم تستطع الدول العربية الوقوف أمام إسرائيل في قضم الأراضي، والتوسع في نفوذها تحت لافتة التطبيع الإبراهيمي .

متى يدرك العقلاء في المنطقة أن واشنطن تضرب فئة بفئة أخرى لتحقيق مصالحها، ثم تستدير لتضرب الفئة الغالبة . كما حدث في أفغانستان عندما قربت القاعدة وسلحتها ضد السوفيت، وبعد طردهم تم محاربة القاعدة، ثم جعلوا من أفغانستان دولة ضعيفة متخلفة. وهذا ديدن الولايات المتحدة في كل حين.

من هذا المنطلق، يتعين على كافة الأطراف استيعاب الدروس المستفادة ، وجعل زيارة وفد حلف مكة الى طهران،  فرصة لإعادة التفكير في مستقبل المنطقة، لا مجرد محطة عابرة في مسار الصراع.  ويترتب على الجميع إدراك ضرورة عدم تحويل التنافس إلى صراع مفتوح يستنزف مقدرات البلدان .

فالمطلوب ليس انتصار إيران على العرب، ولا انتصار العرب على إيران، ولا إخضاع الجميع لإرادة القوى الكبرى، بل بناء نظام إقليمي متوازن يحترم السيادة، ويمنع التدخلات، ويصون الحقوق، ويضع مصالح الشعوب فوق كل اعتبار .

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock