تخطي إلى المحتوى الرئيسي
المحللة السياسية سيلفانا سمعان
لسنوات، واجه المواطن العربي الذي يشارك في الانتخابات الإسرائيلية، في بعض الخطابات العربية، اتهامات بالتطبيع ومنح الشرعية لدولة تحتل أرضاً فلسطينية وتنتهك حقوق شعبها. لكن صوته عاد إلى واجهة الاهتمام السياسي العربي مع انتخابات ٢٧ تشرين الأول، بعدما أظهرت الاستطلاعات الأخيرة أن الأحزاب العربية، التي تتراوح تقديرات مقاعدها بين ١٤ و١٦ من أصل ١٢٠، قد تكون حاسمة في تشكيل الحكومة، إذ لا يبلغ أي من المعسكرين الرئيسيين الأغلبية من دونها. الصوت لم يتغير؛ الذي تغيّر هو موقعه في الحسابات السياسية.
والمفارقة أن هذه الكتلة كادت لا تدخل السباق أصلاً. ففي أيلول صوّتت لجنة الانتخابات المركزية بأغلبية ١٨ صوتاً مقابل ٥ على استبعاد القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة، بطلب من الليكود وحزب إيتمار بن غفير، قبل أن تعود القائمتان إلى المنافسة. وبين محاولة إقصاء القوائم العربية والرهان على أصوات ناخبيها، ظهرت بوضوح حدود الاعتراف الإسرائيلي نفسه بهذه المشاركة.
لكن النقاش لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة للمواطن العربي على اختياره. فالمشاركة والمقاطعة خياران سياسيان مشروعان، والمجتمع العربي في إسرائيل نفسه منقسم حولهما: فالحركة الإسلامية (الجناح الشمالي) تقاطع الكنيست لأسباب مبدئية، وتيارات أخرى ترى فيه واجهة لا تغيّر شيئاً، وقد تدنّت نسبة التصويت العربي إلى نحو ٤٤% في انتخابات ٢٠٢١، وهو ما فسّره كثيرون بأنه يأس لا مقاطعة. وحتى الأحزاب المشاركة ليست سواء: فتحالف الجبهة والتجمع والعربية للتغيير يخوض السباق موحّداً، فيما تقف القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس في خندق مختلف، وهي التي دخلت ائتلافاً حكومياً عام ٢٠٢١ في سابقة لم تتكرر. المشكلة تبدأ حين يُدان هذا الخيار من خارج المجتمع، ثم يصبح موضع احتفاء عندما يُعتقد أنه قد يخدم حسابات قوى أخرى.
ولا يعني الاعتراف بفاعلية التصويت العربي تقديم شهادة ديمقراطية كاملة لإسرائيل. فالتمييز بحق المواطنين العرب، والاحتلال، والقيود المفروضة على حقوق الفلسطينيين، قضايا لا تمحوها الانتخابات. لكن رفض سياسات الدولة لا يستوجب إنكار أن المواطنين العرب يستطيعون انتخاب ممثليهم والتأثير في تركيبة الكنيست، وإن بقي تأثيرهم محكوماً بقيود واضحة.
وحدود هذا التأثير تظهر في أن امتلاك الأصوات اللازمة لترجيح كفة لا يعني الحصول على شراكة في الحكم. فالقوى المنافسة تتجنب إعلان التحالف مع الأحزاب العربية لأن حملات خصومها تستثمر ذلك مباشرة، وقد أطلق معسكر نتنياهو شعاراً يلخّص المأزق: «لا حكومة لآيزنكوت من دون العرب». هكذا يصير الصوت العربي مطلوباً لإسقاط حكومة، ومرفوضاً حين يُطلب منه أن يشارك في أخرى. ولذلك فإن وصف هذه الأحزاب بـ«صانعة الملوك» قد يبالغ في تقدير قدرتها: فالتأثير في تشكيل الحكومة لا يساوي امتلاك القرار، وإسقاط ائتلاف لا يضمن تغيير سياسات الائتلاف الذي يخلفه.
كذلك لا يمكن افتراض أن خروج بنيامين نتنياهو من السلطة، إن تحقق، سيعني انتصاراً عربياً أو فلسطينياً. فغادي آيزنكوت، الذي ينافسه على قيادة المعسكر المعارض، جنرال سابق خدم في حكومة الحرب وأيّد الحملة العسكرية في غزة، وإن دعا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. وقد تتغير الأساليب والتحالفات من دون أن تتغير المقاربة الإسرائيلية للأمن أو للاحتلال، ولذلك ينبغي الحكم عليه بسياساته الفعلية، لا بكونه بديلاً لنتنياهو.
هنا تصبح المقارنة مع إيران والعراق ولبنان ضرورية، لا لتبرئة إسرائيل ولا اتهاماً لشعوب تلك الدول، بل لاختبار اتساق المعايير عند من يستشهد بالانتخابات الإسرائيلية حين تخدمه. ففي إيران يقيّد مجلس صيانة الدستور المنافسة بصلاحياته الواسعة في استبعاد المرشحين، وقد وثّقت الأمم المتحدة انتهاكات جسيمة خلال قمع احتجاجات٢٠٢٢. وفي العراق، تثير الجماعات المسلحة والتهديدات التي طالت ناشطين تساؤلات عن استقلال القرار السياسي وقدرة الدولة على حماية معارضيها.
في لبنان، تظل الانتخابات والتعددية قائمتين، لكن وجود سلاح حزب الله خارج سلطة الدولة يطرح سؤالاً جوهرياً عن السيادة وحدود سلطة المؤسسات المنتخبة. هذه الوقائع لا تجعل الأنظمة متطابقة، ولا تعني أن الانتخابات هناك بلا قيمة، لكنها تفرض معياراً واحداً: لا يكفي صندوق الاقتراع إذا كانت حرية الاختيار مقيّدة، كما لا تكفي الانتخابات التنافسية لمنح الدولة حصانة من المساءلة عن الاحتلال أو التمييز.
فمن يرفض الهيمنة عليه أن يرفضها بوصفها مبدأً، لا أن يدينها لدى خصمه ويبرّرها لدى حليفه، ومن يدافع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها لا يستطيع تجاهل هذا الحق حين يتعارض مع مصالح القوى التي يؤيدها.
الناخب العربي ليس خائناً عندما يشارك، ولا بطلاً لمجرد أن صوته قد يرجّح كفة سياسية. إنه مواطن يمارس حقه، وتُقاس قيمة هذا الحق بمدى احترام إرادته، لا بهوية المستفيد منه. وهو الصوت نفسه الذي يُحتفى به في تل أبيب لأنه قد يغيّر الحكومة، ويُخشى في بيروت وبغداد لأنه قد يغيّر موازين القوة. أما الأزمة الحقيقية فليست في الناخب، بل في من يريد له أن يكون شريكاً حين يحتاج إلى صوته، ورعيّةً حين يعارضه.