24,791 مشاهدة
واشنطن تزيل آخر العوائق الرئاسية أمام استعادة الربط الجوي مع بيروت،
وسط ترحيب لبناني وترقّب للموافقات الأمنية والتنظيمية
التي ستحدد موعد انطلاق الرحلات.
وشنطن – بيروت تايمز – منى حسن
في تطوّر بارز يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية وإنسانية، ألغى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أربعة قرارات رئاسية أميركية ارتبطت بالقيود المفروضة على النقل الجوي من لبنان وإليه منذ عام 1985، فاتحاً الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقات الجوية بين بيروت وواشنطن، وممهّداً الطريق أمام إمكانية استعادة الرحلات المباشرة بين البلدين بعد عقود من القيود.
ووقّع ترامب المذكرة الرئاسية في 30 أيلول 2026، قبل نشرها في السجل الفدرالي الأميركي في 5 تشرين الأول الجاري. واعتبرت المذكرة أن القرارات السابقة لم تعد ضرورية لضمان أمن الطائرات العاملة على الخطوط الجوية من لبنان وإليه وحمايتها من الاستيلاء غير المشروع، كما وجّهت وزارة النقل الأميركية إلى تنفيذ القرار وإلغاء الأنظمة والتوجيهات المتعارضة معه.
ويعيد القرار ملف الطيران المباشر بين لبنان والولايات المتحدة إلى واجهة الاهتمام، في ظل ما يمثّله هذا الخط من أهمية للجالية اللبنانية في أميركا الشمالية، ولحركة السفر والأعمال والتجارة والسياحة، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على موقع مطار رفيق الحريري الدولي في شبكة النقل الجوي الإقليمية والدولية.
غير أن رفع القيود الرئاسية لا يعني أن الرحلات ستنطلق تلقائياً أو أن موعد استئنافها أصبح محسوماً؛ إذ لا تزال عودة الخطوط المباشرة مرتبطة باستكمال الإجراءات الأمنية والتشغيلية والتنظيمية، وبقرارات شركات الطيران بشأن الجدوى التجارية ومتطلبات التشغيل.
من عام 1985 إلى عام 2026… مسار طويل من القيود
تعود جذور القضية إلى الأول من تموز 1985، عندما أصدر الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان القرار الرئاسي رقم 85-14، عقب اختطاف طائرة الرحلة 847 التابعة لشركة «تي دبليو إيه» (TWA)، التي كانت متجهة من أثينا إلى روما، قبل أن يُجبر خاطفوها على تحويل مسارها والهبوط في بيروت.
واستمرت أزمة الرهائن 17 يوماً، وشهدت مقتل عنصر من البحرية الأميركية، لتتحول الحادثة إلى محطة مفصلية في السياسة الأميركية المتعلقة بأمن الطيران والسفر إلى لبنان.
وفي السنوات اللاحقة، أُدخلت تعديلات جزئية على القيود الأصلية، من خلال قرارات رئاسية صدرت في أعوام 1992 و1998 و2007، سمحت باستثناءات محدودة تتعلق بالشحن أو ترتيبات نقل الركاب أو الرحلات المرتبطة بعقود مع الحكومة الأميركية، من دون إنهاء القيود الأساسية على التشغيل التجاري المباشر.
ففي عام 1992، سُمح بنقل الشحنات إلى لبنان عبر شركات أجنبية ضمن شروط محددة، فيما أتاح قرار عام 1998 ترتيبات لنقل الركاب عبر اتفاقات بين شركات الطيران، مع الإبقاء على حظر الرحلات المباشرة لشركات الطيران الأميركية. أما قرار عام 2007، فوسّع بعض الاستثناءات لتشمل شركات تعمل بموجب عقود مع الحكومة الأميركية.
وبموجب المذكرة الجديدة، ألغى ترامب القرارات الأربعة المشار إليها بالكامل، منهياً بذلك الإطار الرئاسي الذي حكم هذه القيود لعقود.
خطوة سياسية تتجاوز قطاع الطيران
لا تقتصر أهمية القرار على الجانب التقني المرتبط بحركة الطائرات، بل تحمل الخطوة دلالات سياسية تتصل بمستوى التعاون بين واشنطن وبيروت، وبمدى استعداد الجانبين لفتح مسارات جديدة للتواصل الاقتصادي والإنساني.
فاستعادة الرحلات المباشرة، إذا اكتملت شروطها، من شأنها تقليص الحاجة إلى التوقف في مطارات وسيطة، وتسهيل سفر اللبنانيين المقيمين في الولايات المتحدة وأفراد الجالية الراغبين في زيارة عائلاتهم، فضلاً عن تحسين حركة رجال الأعمال والوفود التجارية والسياح.
كما يمكن أن تسهم الخطوة في دعم حركة مطار رفيق الحريري الدولي، وتوسيع الخيارات المتاحة أمام المسافرين، وتعزيز الروابط بين لبنان والأسواق الأميركية، ولا سيما في المجالات التي تعتمد على التنقل السريع والتواصل المباشر.
لكن هذه المكاسب تبقى مرتبطة بمدى توافر رحلات منتظمة وأسعار تنافسية، وبقدرة شركات الطيران على تشغيل الخط بصورة مستدامة، في ظل تكاليف التشغيل ومتطلبات الأمن والتأمين والمنافسة مع المسارات غير المباشرة.
ترحيب لبناني وتعويل على إجراءات الدولة
لاقى القرار الأميركي ترحيباً لبنانياً، باعتباره خطوة تزيل عائقاً قانونياً مهماً أمام إعادة وصل لبنان بالولايات المتحدة عبر خطوط جوية مباشرة.
وكان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون قد رحّب بالخطوة، معتبراً أنها تعكس الثقة بالإجراءات التي تتخذها الدولة اللبنانية لضمان سلامة الطيران المدني وحماية حركة الملاحة الجوية من مطار رفيق الحريري الدولي وإليه.
كما شكر عون الرئيس الأميركي على القرار، وأشاد بمتابعة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للملف، مؤكداً أهمية أمن المطار وسلامة المسافرين واستمرار العمل وفق المعايير الدولية المعتمدة.
ويعكس الموقف اللبناني رغبة في تحويل القرار الأميركي من خطوة قانونية إلى فرصة عملية لإعادة تنشيط النقل الجوي، بما يتيح للبنان تعزيز علاقاته مع الاغتراب وفتح المجال أمام تعاون أوسع في قطاعات النقل والتجارة والسياحة.
ورحّبت السفارة اللبنانية في واشنطن بدورها بالقرار، معتبرة أنه يشكّل خطوة مهمة نحو استعادة الرحلات المباشرة، ومشيرة إلى الجهود التي بذلتها الجهات اللبنانية والأميركية المعنية لمتابعة الملف، وفي مقدمتها السفارتان ووزارة الأشغال العامة والنقل اللبنانية.
بيروت – نيويورك في الواجهة… لكن الطريق لا يزال طويلاً
مع إلغاء القيود الرئاسية، تتجه الأنظار إلى احتمال إعادة تشغيل خط مباشر يربط بيروت بإحدى المدن الأميركية الكبرى، وفي مقدمتها نيويورك، التي تمثل مركزاً مهماً للأعمال والسفر، فضلاً عن وجود جالية لبنانية واسعة في الولايات المتحدة.
إلا أن استعادة هذا الخط تتطلب أكثر من قرار سياسي. فهناك مراحل تنظيمية وأمنية وتشغيلية ينبغي استكمالها قبل أن تتمكن أي شركة طيران من إطلاق رحلات منتظمة.
وتشمل هذه المراحل التحقق من استيفاء متطلبات أمن الطيران، والتنسيق بين السلطات المختصة في البلدين، واستكمال الموافقات التنظيمية اللازمة، فضلاً عن مراجعة الجوانب التشغيلية والتجارية المرتبطة بتسيير الرحلات.
كما أن إلغاء القرارات الرئاسية لا يُلزم شركات الطيران بإطلاق خطوط جديدة، إذ يتوقف قرار التشغيل على تقييم المخاطر والطلب المتوقع وكلفة الرحلات وتوافر الطائرات والطاقم، إضافة إلى الظروف الأمنية والإقليمية.
وفي هذا السياق اكدت مصادر دبلوماسية ل بيروت تايمز إلى أن رفع القيود لا يعني استئناف الرحلات بصورة وشيكة، وأن العودة الفعلية لا تزال مرهونة باستكمال الإجراءات المطلوبة.
اتفاق النقل الجوي ومتطلبات المرحلة المقبلة
يُعدّ الإطار القانوني المنظّم للنقل الجوي بين لبنان والولايات المتحدة أحد الملفات التي تستدعي المتابعة، إلى جانب القواعد التنظيمية المعمول بها لدى سلطات الطيران المدني في البلدين.
ويعود اتفاق النقل الجوي بين الجانبين إلى عام 1972، وفق المعلومات الواردة في المعطيات المنشورة حول الملف. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى التأكد من مدى ملاءمة الترتيبات القائمة للمتطلبات التنظيمية والتشغيلية الحالية، وتحديد الإجراءات الإضافية التي قد تكون ضرورية قبل إطلاق أي خط مباشر.
كذلك، يكتسب أمن مطار رفيق الحريري الدولي أهمية خاصة في هذا المسار، باعتباره نقطة الانطلاق الأساسية للرحلات المحتملة. ومن المتوقع أن يشكّل التنسيق بين الجهات اللبنانية المعنية وسلطات الطيران الأميركية عاملاً أساسياً في تحديد الخطوات التالية، من دون أن يعني ذلك أن موعداً نهائياً قد حُدد بالفعل.
طيران الشرق الأوسط أمام فرصة جديدة
في لبنان، تتجه الأنظار أيضاً إلى شركة طيران الشرق الأوسط «الميدل إيست»، باعتبارها الناقل الوطني الذي يمكن أن يستفيد من أي تطور يتيح إعادة تشغيل خطوط مباشرة إلى الولايات المتحدة.
ومن شأن فتح المجال أمام الرحلات المباشرة أن يمنح الشركة فرصة لتوسيع شبكتها الدولية، والوصول إلى شريحة واسعة من المسافرين اللبنانيين والأميركيين، فضلاً عن المسافرين الذين يعتمدون حالياً على رحلات الربط عبر مطارات أوروبية أو إقليمية.
غير أن دخول السوق الأميركية يتطلب دراسة متكاملة تشمل نوع الطائرات ومدى ملاءمتها للرحلات الطويلة، والقدرة الاستيعابية، وتكاليف التشغيل، والطلب المتوقع، فضلاً عن الموافقات الأمنية والتنظيمية.
أما المعلومات المتداولة بشأن استلام طائرات جديدة من طراز «إيرباص A330neo» وإمكان الاستفادة منها في تشغيل خطوط طويلة المدى، فلا تعني بحد ذاتها اتخاذ قرار نهائي بإطلاق رحلات إلى الولايات المتحدة. ويظل ربط هذه الطائرات بخط بيروت – نيويورك، أو بأي وجهة أميركية أخرى، بحاجة إلى تأكيد رسمي من الشركة.
وبحسب التقديرات الواردة في المعلومات المنشورة حول الملف، طُرحت أواخر عام 2027 أو عام 2028 كفترة محتملة لاستئناف الرحلات، لكن لا يوجد حتى الآن موعد نهائي مؤكد يمكن التعامل معه باعتباره تاريخاً رسمياً لإطلاق الخط.
ماذا يعني القرار للمسافرين والاقتصاد اللبناني؟
بالنسبة إلى المسافرين، تكمن الفائدة الأساسية في احتمال تقليص زمن الرحلة وتخفيف عناء التوقف في مطارات وسيطة، إذا أُطلقت رحلات مباشرة منتظمة. كما قد يتيح الخط الجديد خيارات أوسع أمام العائلات والطلاب ورجال الأعمال واللبنانيين المقيمين في الولايات المتحدة.
أما اقتصادياً، فقد تستفيد قطاعات السياحة والفنادق والنقل والخدمات من زيادة حركة الزوار، فيما يمكن لتحسين الربط الجوي أن يسهم في تسهيل التواصل بين الشركات والمؤسسات اللبنانية ونظيراتها الأميركية.
وقد ينعكس تشغيل الخط أيضاً على حركة المطار وشبكة الوجهات التي يخدمها، إلا أن حجم هذه الفوائد سيعتمد على عدد الرحلات وتواترها وأسعار التذاكر ومعدلات الإشغال، فضلاً عن الظروف الاقتصادية والأمنية التي سترافق مرحلة التشغيل.
وفي المقابل، لا يمكن اعتبار القرار وحده ضمانة لزيادة الاستثمارات أو تنشيط التجارة؛ فهذه النتائج تتطلب بيئة تشغيل مستقرة، وتواصلاً مؤسسياً فعالاً، واستعداداً من شركات الطيران لتحويل الفرصة القانونية إلى خدمة تجارية فعلية.
الخلاصة: إزالة العائق القانوني وبداية مرحلة التنفيذ
يشكّل إلغاء القرارات الرئاسية الأميركية الأربعة محطة مهمة في ملف الطيران بين لبنان والولايات المتحدة، بعدما بقيت القيود المرتبطة بها قائمة منذ عام 1985، رغم التعديلات والاستثناءات التي أُدخلت عليها خلال العقود الماضية.
لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن، مع انتقال الملف من مرحلة رفع القيود القانونية إلى مرحلة استكمال المتطلبات الأمنية والتنظيمية والتشغيلية، وتحديد مدى استعداد شركات الطيران لتشغيل رحلات مباشرة بصورة منتظمة.
وبين الترحيب السياسي والتطلعات الاقتصادية وانتظار الإجراءات الفنية، يبقى خط بيروت – نيويورك أحد أبرز الاحتمالات المطروحة أمام مرحلة جديدة من الربط الجوي بين البلدين، فيما يظل موعد عودة الرحلات مرتبطاً بقرارات وموافقات لم يُعلن عن اكتمالها بعد.