تحليل اخباري من اعداد الاعلامي جورج ديب
رحل رفعت علي سليمان الأسد، الشقيق الأصغر للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، عن عمر ناهز 88 عامًا في دولة الإمارات العربية المتحدة، بعد مسيرة سياسية وعسكرية أثارت جدلًا واسعًا داخل سوريا وخارجها، وطبعت تاريخ البلاد بأحداث مفصلية لا تزال آثارها حاضرة في الذاكرة الجماعية للسوريين. وقد أكدت مصادر عائلية وإعلامية خبر وفاته، مشيرة إلى أنه أمضى سنواته الأخيرة بعيدًا عن الأضواء، بعد عقود طويلة من النفوذ والصراع والمنفى.
هذا التقرير لا يكتفي بسرد الوقائع السياسية، بل يحاول تقديم قراءة إنسانية لمسيرة رجلٍ عاش بين ذروة السلطة وقسوة السقوط، بين الطموح الجامح والخيبات المتراكمة، وبين الولاء العائلي والصراع على الحكم. إنها سيرة تحمل في طياتها الكثير من الدروس حول السلطة، والذاكرة، والإنسان.
البدايات: طفل من القرداحة يكبر في زمن التحولات
وُلد رفعت الأسد عام 1937 في بلدة القرداحة السورية، البلدة الجبلية الصغيرة التي ستصبح لاحقًا مركزًا لواحدة من أكثر العائلات نفوذًا في الشرق الأوسط. نشأ في بيئة ريفية بسيطة، في أسرة علوية متواضعة، قبل أن تتغير حياة العائلة جذريًا مع دخول شقيقه الأكبر حافظ المؤسسة العسكرية ثم عالم السياسة.
كان رفعت منذ شبابه معروفًا بطموحه الكبير وشخصيته الحادة. التحق بالجيش السوري، وهناك بدأت ملامح دوره المستقبلي تتشكل. فمع صعود حافظ الأسد داخل المؤسسة العسكرية، كان رفعت يرافقه خطوة بخطوة، مستفيدًا من حماية الأخ الأكبر ومن شبكة العلاقات التي بدأت تتوسع داخل الجيش.
السبعينيات: صعود سريع إلى قلب السلطة
بعد انقلاب "الحركة التصحيحية" عام 1970، الذي أوصل حافظ الأسد إلى الحكم، أصبح رفعت أحد أبرز أركان النظام الجديد. تولّى قيادة "سرايا الدفاع"، وهي قوة عسكرية خاصة ضخمة ومجهزة بشكل يفوق قدرات الجيش النظامي في بعض المراحل.
كانت سرايا الدفاع بالنسبة لرفعت أكثر من مجرد وحدة عسكرية؛ كانت ذراعه الحديدية، ومصدر قوته، وأداة نفوذه داخل الدولة. ومع مرور الوقت، أصبح الرجل الثاني غير المعلن في سوريا، يمتلك سلطة واسعة، وثروة كبيرة، ونفوذًا سياسيًا وأمنيًا لا ينافسه فيه أحد سوى شقيقه الرئيس.
1982: أحداث حماة… الجرح الذي لم يندمل
لا يمكن الحديث عن رفعت الأسد دون التوقف عند محطة حماة عام 1982، حين قاد قواته في مواجهة التمرد المسلح لجماعة الإخوان المسلمين. وقد أسفرت العملية عن دمار واسع وسقوط آلاف الضحايا، ما أكسبه لقب "جزار حماة" في وسائل الإعلام العالمية.
من الناحية الإنسانية، شكّلت تلك الأحداث نقطة تحول في نظرة السوريين إليه. فبينما اعتبره النظام رجلًا حمى الدولة من الانهيار، رأى فيه كثيرون رمزًا للقمع والعنف المفرط. ومع مرور السنوات، بقيت تلك الصفحة الأكثر سوادًا في سيرته، تطارده في كل مكان، وتشكّل جزءًا أساسيًا من إرثه السياسي.
1984: صراع الأخوين… محاولة الوصول إلى الرئاسة
في منتصف الثمانينيات، دخلت سوريا مرحلة حساسة بعد تدهور صحة الرئيس حافظ الأسد. في تلك اللحظة، رأى رفعت أن الفرصة قد حانت لتحقيق طموحه الأكبر: الوصول إلى الرئاسة.
تحركت سرايا الدفاع باتجاه دمشق، وبدأت ملامح صراع داخلي على السلطة. لكن حافظ الأسد، الذي تعافى نسبيًا، نجح في احتواء الأزمة عبر مزيج من الحزم والتسويات. وفي نهاية المطاف، تم إبعاد رفعت عن مراكزه، ثم نُفي إلى الخارج.
كانت تلك اللحظة نقطة الانكسار الكبرى في حياة رفعت الأسد. فالرجل الذي كان على وشك أن يصبح رئيسًا لسوريا، وجد نفسه فجأة خارج اللعبة، بلا نفوذ، وبلا جيش، وبلا قدرة على العودة.
سنوات المنفى: باريس، لندن، ثم العودة القصيرة
قضى رفعت الأسد سنوات طويلة في المنفى، متنقلًا بين فرنسا وإسبانيا وبريطانيا. عاش حياة مرفهة، لكنه بقي سياسيًا مهمشًا، رغم محاولاته المتكررة للعودة إلى المشهد السوري.
في المنفى، حاول تقديم نفسه كمعارض للنظام، لكن تلك المحاولات لم تلقَ قبولًا واسعًا، بسبب إرثه الثقيل في الداخل السوري. بقيت صورته مرتبطة بأحداث الثمانينيات، وبالنفوذ الأمني الذي مارسه خلال سنوات قوته.
وفي عام 2021، عاد إلى سوريا بشكل مفاجئ، في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات. قيل حينها إن عودته جاءت "لأسباب إنسانية"، بعد صدور حكم قضائي ضده في فرنسا. لكن وجوده في سوريا بقي محدودًا، بعيدًا عن السياسة، إلى أن غادر لاحقًا إلى الإمارات حيث توفي.
السنوات الأخيرة: الشيخوخة، المرض، والعزلة
مع تقدمه في العمر، تراجعت صحة رفعت الأسد، وابتعد عن الأضواء. عاش سنواته الأخيرة في الإمارات العربية المتحدة، محاطًا بعدد محدود من أفراد عائلته. وبحسب مصادر إعلامية، فقد توفي هناك عن عمر 88 عامًا France 24 TRT World L'Orient Today NDTV.
من الناحية الإنسانية، يمكن القول إن رفعت الأسد عاش نهاية مختلفة تمامًا عن بداياته. فالرجل الذي كان يمتلك آلاف الجنود، ويُعتبر أحد أقوى الشخصيات في سوريا، وجد نفسه في نهاية المطاف بعيدًا عن وطنه، بعيدًا عن السلطة، وبعيدًا عن المشهد الذي كان يحلم بقيادته.
بين الذاكرة والجدل: كيف ينظر السوريون إلى رفعت الأسد؟
تختلف نظرة السوريين إلى رفعت الأسد باختلاف تجاربهم وخلفياتهم:
1. لدى ضحايا أحداث الثمانينيات
يبقى اسمه مرتبطًا بالعنف والقمع، وبصفحات مؤلمة من تاريخ البلاد.
2. لدى بعض أبناء الطائفة العلوية
يُنظر إليه كقائد قوي، لعب دورًا في حماية النظام خلال مرحلة حساسة.
3. لدى الجيل الجديد
يُنظر إليه كشخصية من الماضي، جزء من تاريخ لم يعايشوه، لكنه حاضر في الروايات السياسية.
4. لدى الباحثين والمؤرخين
يُعتبر شخصية محورية في فهم بنية النظام السوري، وتاريخ الصراعات الداخلية فيه.
عائلة رفعت الأسد: تركيبة واسعة تضم زوجات عدة وأبناء توزّعوا بين سوريا وأوروبا
تُعدّ عائلة نائب الرئيس السوري الأسبق رفعت علي سليمان الأسد واحدة من أكثر العائلات اتساعًا وتعقيدًا داخل الدائرة المحيطة بالنظام السوري، نظرًا لتعدد زيجاته وكثرة أبنائه الذين توزّعوا بين سوريا وعدد من الدول الأوروبية خلال العقود الماضية.
وتشير المعلومات المتداولة – وغير المؤكدة رسميًا – إلى أن رفعت الأسد تزوّج عدة مرات، وكانت أبرز زيجاته من أميرة مخلوف، المنتمية إلى عائلة مخلوف المعروفة في الساحل السوري، والتي أنجبت له عددًا من أبنائه الأكثر حضورًا في الحياة العامة. كما ارتبط لاحقًا بزيجات أخرى خلال سنوات وجوده في أوروبا، بعضها مدني في فرنسا وإسبانيا، ما أدى إلى توسّع العائلة بشكل لافت.
ويُقدّر عدد أبناء رفعت الأسد بما يتراوح بين 12 و16 ابنًا وبنتًا، برز منهم عدد من الشخصيات المعروفة إعلاميًا وسياسيًا، أبرزهم:
1. دريد رفعت الأسد
يُعدّ من أكثر الأبناء حضورًا داخل سوريا، وظهر في مناسبات سياسية وإعلامية خلال السنوات الماضية، ويُعرف بمواقفه المؤيدة للنظام.
2. سومر رفعت الأسد
أمضى سنوات طويلة في أوروبا، وواجه قضايا قانونية تتعلق بالممتلكات في فرنسا، وكان من الأقرب إلى والده خلال فترة المنفى.
3. ريبال رفعت الأسد
يقيم في بريطانيا، وأسّس “منظمة الديمقراطية والحرية في سوريا”، ويقدّم نفسه كمعارض للنظام السوري.
4. فراس رفعت الأسد
من أوائل الأبناء الذين انتقدوا والدهم علنًا، ونشر شهادات تتعلق بالخلافات داخل العائلة، ويعيش في أوروبا.
5. مضر رفعت الأسد
يُعدّ من الأبناء الأقل ظهورًا إعلاميًا، وتنقّل بين سوريا وأوروبا.
6. رامي رفعت الأسد
من الأبناء المقيمين في أوروبا، ويُعرف بنشاط عام محدود.
7. رنا رفعت الأسد
إحدى بناته المعروفات، وتعيش خارج سوريا.
8. تماضر رفعت الأسد
ابنة بعيدة عن الإعلام، ولا تتوافر معلومات كثيرة حول نشاطها العام.
9. لونا رفعت الأسد
من بناته المقيمات في أوروبا.
10. كندة رفعت الأسد
إحدى بناته من زيجاته الأوروبية، وتعيش خارج سوريا.
11. سوزان رفعت الأسد
من بناته الأقل ظهورًا في الحياة العامة.
توزّع اولاد رفعت الأسد بين سوريا، الإمارات، فرنسا، إسبانيا، وبريطانيا، حيث انخرط بعضهم في الأعمال التجارية، فيما فضّل آخرون الابتعاد عن الحياة العامة. وتأتي هذه التركيبة العائلية الواسعة في سياق مسيرة سياسية طويلة عاشها رفعت الأسد داخل السلطة ثم في المنفى، قبل أن يتوفى عن عمر 88 عامًا، تاركًا خلفه عائلة كبيرة تتباين مواقف أفرادها السياسية والإعلامية، وسط توقعات باستمرار الخلافات بينهم حول الإرث المالي والعائلي.
نهاية رجل عاش بين الضوء والظل
برحيل رفعت الأسد، تُطوى صفحة من صفحات التاريخ السوري الحديث. صفحة مليئة بالأحداث الكبرى، والصراعات، والقرارات التي غيّرت مصير مدن وناس. لكنه أيضًا إنسان عاش تناقضات الحياة: القوة والضعف، الطموح والانكسار، القرب من السلطة والابتعاد عنها.
قد يختلف الناس حول تقييم دوره، لكن المؤكد أن سيرته ستبقى جزءًا من تاريخ سوريا، وأن رحيله يفتح الباب لإعادة قراءة مرحلة كاملة من تاريخ البلاد، بكل ما فيها من ألم ودروس.













01/21/2026 - 08:22 AM





Comments