لبنان والإنسان… استعادة الوطن من وهم الشعارات

02/03/2026 - 16:43 PM

Prestige Jewelry

 


 

 

 

رشيد ج. مينا

ليس ما أكتبه تسجيل موقف آني، ولا ردّ فعل على حدث سياسي عابر، بل خلاصة قناعة تبلورت عبر تجربة طويلة ومعايشة مباشرة لما أصاب لبنان والمنطقة من تشوّه في المفاهيم، وانفصام بين القول والفعل، وضياع للإنسان بين شعارات كبرى وواقع مهزوم.

جوهر الفكرة: الإنسان أولًا

جوهر ما أدعو إليه يبدأ من مسلّمة بسيطة: لا دولة بلا إنسان حر، ولا سيادة بلا وعي، ولا وطن يُستعاد بمنطق التبعية أو الطائفية أو السلاح الخارج عن الدولة.

الإنسان قبل الدولة والسلطة

كل مشروع سياسي لا يضع الإنسان في مركزه هو مشروع قابل للارتداد على نفسه. فالإنسان المقهور اقتصاديًا، المُرهَق اجتماعيًا، والخاضع طائفيًا، لا يمكن أن يكون حاملًا لمشروع وطني، بل يتحوّل إلى مادة استهلاك في صراعات السلطة والمحاور.

من هنا تبدأ الأزمة الحقيقية: تغييب الإنسان لحساب الزعامة، وتغييب الوعي لمصلحة التعبئة المذهبية، وتحويل الفقر والخوف إلى أدوات ضبط سياسي.

لبنان: من وطن إلى ساحة

لبنان لم يفشل بسبب تنوّعه الديني، بل بسبب الطائفية السياسية التي حوّلت هذا التنوّع من غنى حضاري إلى أداة تحاصص وهيمنة.

الطائفية ليست دينًا ولا عقيدة، بل سلوك سياسي استثماري، فتح أبواب الداخل أمام الخارج، وشرّع التدخلات، وأفرغ الدولة من مضمونها.

وهكذا، تدريجيًا، تحوّل لبنان من وطن له دور ورسالة، إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع النفوذ الإقليمية والدولية، بينما الدولة إمّا عاجزة أو معطَّلة، والمؤسسات فاقدة للقرار، والناس رهائن الانقسام.

السيادة والتدخلات: موقف بلا انتقائية

موقفي من التدخلات الخارجية واضح وغير قابل للتأويل: كل تدخل خارجي في لبنان مرفوض، أيًّا كان مصدره.

الولايات المتحدة تمارس ضغطها السياسي والاقتصادي وفق مصالحها ومصلحة إسرائيل قبل أي اعتبار آخر، فيما يستمر الاحتلال والعدوان الإسرائيلي وانتهاك السيادة يوميًا بلا رادع فعلي.

وفي المقابل، شكّل النفوذ الإيراني عبر قوى محلية عامل ربط للبنان بمحور خارجي، ما عمّق الانقسام الداخلي وقيّد القرار الوطني.

أفرّق بوضوح بين الدعم المشروع والمساعدة، وبين الوصاية وفرض الأجندات.

أرفض الهيمنة مهما كان عنوانها، وأؤمن بعلاقات متوازنة قائمة على الندية لا التبعية.

الدولة، السلاح، والقرار

لا سيادة مع تعدد مراكز القوة، ولا دولة مع سلاح خارج إطارها.

الدفاع عن الوطن مسؤولية وطنية جامعة، تقوم بها المؤسسات الشرعية، وفي طليعتها الجيش اللبناني، المدعوم من شعبه وأشقائه وأصدقائه دون شروط سياسية تمسّ القرار الوطني.

كما لا إصلاح من دون نظام سياسي عادل، ولا تغيير من دون قانون انتخابي يُنتج تمثيلًا حقيقيًا، ومحاسبة فعلية، ودولة مؤسسات يكون فيها القانون فوق الجميع، لا فوق الضعفاء فقط.

العروبة: انتماء لا شعار

لبنان عربي الهوية والانتماء، ثقافةً وتاريخًا ومصيرًا.

العروبة التي أؤمن بها ليست شعارًا خشبيًا، ولا مشروع هيمنة، ولا غطاءً للاستبداد، بل هوية حضارية جامعة، تحمي التنوّع، وتواجه التفتيت، وتُبقي فلسطين قضية مركزية لا ورقة استثمار.

عروبة منفتحة، إنسانية، مقاومة للمشروع الصهيوني، ورافضة لكل الوصايات، وقادرة على إنتاج مشروع تكامل عربي يخدم شعوب المنطقة لا سلطاتها فقط.

نحو مشروع استعادة لا تدوير

ما أدعو إليه ليس تغيير وجوه، ولا ثورات شكلية، ولا إعادة تدوير للسلطة باسم الإصلاح.

إنه مشروع استعادة:

استعادة الإنسان ووعيه وكرامته

استعادة الدولة ودورها وسيادتها

استعادة القرار الوطني من قبضة المحاور

استعادة المعنى الحقيقي للحرية والديمقراطية

واستعادة الثقة بأن النهوض ممكن إذا توفّرت الرؤية والجرأة

لبنان لا يُنقذ بتوازنات الخارج، بل بإرادة أبنائه.

ولا يُبنى بالطوائف، بل بالمواطنة.

ولا يُستعاد إلا حين نقرّر، بوعي ومسؤولية، أن يكون وطنًا لا ساحة، ودولة لا رهينة، ومساحة حياة تليق بإنسانها.

أزمة خيار ووعي

إنّ أزمة لبنان ليست أزمة حكومات ولا انتخابات ولا توازنات ظرفية، بل أزمة خيار ووعي واتجاه:

خيار بين دولة أو ساحة،

وعي يُنتج مواطنًا أو تابعًا، واتجاه إمّا نحو استعادة القرار أو البقاء في دائرة التبعية المقنّعة.

لا خلاص للبنان ما لم يُعاد الاعتبار للإنسان بوصفه أساس الدولة وغايتها، وما لم تُكسر معادلة الطائفية السياسية التي حوّلت الانتماء إلى أداة سلطة، وفتحت البلد على مصراعيه أمام الوصايات والتدخلات. ولا سيادة فعلية ما لم يُحسم قرار بناء الدولة الواحدة، الجامعة، القادرة، بسلاحها الشرعي، ومؤسساتها، وقانونها العادل، وانتمائها العربي الواضح.

الطريق إلى الاستعادة

إن الطريق إلى استعادة لبنان لا يمرّ عبر رهانات الخارج ولا عبر شعارات الداخل، بل عبر مشروع وطني عربي إنساني، يعيد وصل الحرية بالمسؤولية، والمقاومة بالدولة، والتنوع بالوحدة، والانفتاح بالسيادة.

هنا تبدأ المعركة الحقيقية:

معركة وعي قبل أن تكون معركة سلطة، ومعركة استعادة قبل أن تكون معركة تغيير، ومعركة وطن يُراد له أن يعود وطنًا… لا أن يبقى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment