النفير الكردي بين فشل اتفاق دمشق وتصاعد المواجهة في شمال سوريا

01/19/2026 - 20:33 PM

San diego

 

دمشق - اعداد احمد المولى

أكدت مصادر سورية مطلعة أن الاجتماع الذي عُقد في دمشق يوم الاثنين بين الحكومة السورية والمبعوث الأمريكي توم براك ووفد من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) انتهى إلى فشل كامل، بعدما تراجع قائد «قسد» مظلوم عبدي عن الاتفاق الذي وقّعه أمس، والذي كان ينص على تأكيد وحدة الأراضي السورية.

وبحسب المصادر التي تحدثت لـ«د ب أ» شريطة عدم الكشف عن هويتها، استمر الاجتماع نحو خمس ساعات بحضور الرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة، ووزير الخارجية أسعد الشيباني، ومدير المخابرات حسين السلامة، إلى جانب الوفد الأمريكي ووفد «قسد» برئاسة عبدي.

وأوضحت المصادر أن عبدي تراجع عن بنود الاتفاق ورفض تولي منصب نائب وزير الدفاع أو تقديم مرشح لمنصب محافظ الحسكة، وهي خطوات كانت تهدف إلى إبعاد «قسد» عن نفوذ حزب العمال الكردستاني. وأضافت أن عبدي بدا «مترددًا وغير قادر على اتخاذ قرار نهائي» بسبب ضغوط من قيادات الحزب.

وأكدت المصادر أن الرئيس الشرع رفض طلب عبدي بالإبقاء على محافظة الحسكة تحت إدارة «قسد» كشرط لإتمام الاتفاق، وأن عبدي طلب مهلة خمسة أيام للتشاور مع قيادته، إلا أن الشرع رفض المهلة وطالبه برد نهائي قبل نهاية اليوم، ملوّحًا بإبلاغ الأطراف الدولية بانسحاب عبدي من الاتفاق، وبأن الدولة السورية «ستحسم ملف الحسكة بالقوة» إذا لزم الأمر.

القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يوم الاثنين، أعلنت النفير العام في مناطق شمال وشرق سوريا، داعيةً «كافة الشباب، الفتيات والشبان في روجافا، شمال، جنوب وشرق كردستان، وكذلك في أوروبا، إلى التوحد وتجاوز حدود المحتلين والانضمام إلى المقاومة». وجاءت هذه الدعوة في ظل معلومات عن فشل اجتماع القائد العام مظلوم عبدي في دمشق بتثبيت بنود الاتفاق الذي وُقّع بالأمس بين الحكومة السورية و«قسد»، وهو اتفاق كان يُفترض أن يشكّل مخرجًا سياسيًا من حالة التوتر المتصاعدة.

وبحسب مصادر مطلعة نقلت لتلفزيون سوريا، فإن اجتماع دمشق كشف «خلافات واضحة بين قيادات قسد وعدم امتلاكهم تصورًا واضحًا لما يريدون»، الأمر الذي جعل تعديل الاتفاق أو تثبيت بنوده مهمة شديدة التعقيد، خصوصًا مع تزايد الضغوط الميدانية على الأرض. وتؤكد هذه المصادر أن الارتباك الداخلي داخل قسد بات عاملًا مؤثرًا في مسار التفاوض مع دمشق، في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية في مناطق عدة.

وفي بيان النفير الذي حمل عنوان «إلى شعبنا المقاوم»، قالت قسد إن مناطقها «تتعرض منذ 6 يناير لهجمات وحشية وبربرية»، مشيرة إلى أن مقاتليها «يقاتلون بشجاعة وتضحية كبيرة». واتهم البيان تركيا و«مرتزقتها من ذوي عقلية داعش» بمحاولة كسر إرادة الأكراد، متعهدًا بتحويل المدن الكردية إلى «مقبرة لأصحاب عقلية داعش الجدد»، في استدعاء مباشر لمعركة كوباني عام 2014 التي تحولت إلى رمز للمقاومة الكردية. واستخدم البيان لغة تعبئة عالية تستحضر الذاكرة القتالية وتربط بين الماضي والحاضر، في محاولة لرفع المعنويات وتوحيد الصفوف في لحظة سياسية وعسكرية حرجة.

وفي موازاة التصعيد الخطابي، دخلت التطورات الميدانية في محافظة الرقة منعطفًا حاسمًا، مع انتقال الجيش السوري من مسار التفاوض إلى التمهيد العسكري عقب تعثر المحادثات مع مجموعات مسلحة تتحصن في مواقع حساسة شمال المدينة، أبرزها سجن الأقطان ومحيط الفرقة 17. ويشير هذا التحول إلى أن دمشق لم تعد ترى في الحوار مسارًا مجديًا، وأنها تستعد لفرض وقائع جديدة على الأرض، ما يزيد من احتمالات التصعيد في المنطقة خلال الفترة المقبلة.

ويرى مراقبون أن المشهد الحالي يمثل نقطة انعطاف في مسار القضية الكردية في سوريا، إذ تتقاطع فيه ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل الأكراد. الأول يتمثل في احتمال الاندماج القسري داخل مؤسسات الدولة السورية، مع بقاء هامش محدود من الإدارة الذاتية، وهو سيناريو تدفع باتجاهه دمشق بدعم روسي. أما المسار الثاني فيرتبط باحتمال توسع المواجهة مع تركيا، خصوصًا إذا اعتبرت أن أي اتفاق بين دمشق وقسد يمنح الأخيرة شرعية إضافية. بينما يتمثل المسار الثالث في خطر التفكك الداخلي داخل قسد، نتيجة الخلافات القيادية وتعدد المكونات العرقية والسياسية داخلها، ما قد يؤدي إلى انشقاقات أو إعادة تموضع فصائلية.

وفي خضم هذه التعقيدات، يبقى المدنيون الأكراد والعرب في شمال وشرق سوريا هم الضحية الأولى. فالناس هناك يعيشون بين تهديد تركي مستمر، وضغوط من دمشق، وتوتر داخلي، واقتصاد منهار، ومستقبل سياسي غامض. وتبدو دعوة النفير العام، في جانب منها، تعبيرًا عن قلق عميق من فقدان المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية، أكثر مما هي مجرد إعلان عسكري.

ويرجّح محللون أن مستقبل الأكراد في سوريا سيتحدد بناءً على قدرتهم على توحيد رؤيتهم السياسية، وموقف دمشق النهائي من الإدارة الذاتية، ومدى استعداد تركيا لتوسيع عملياتها العسكرية. وفي حال بقيت هذه العوامل دون حسم، فإن المنطقة قد تتجه نحو مرحلة جديدة من الفوضى، يكون فيها الأكراد أمام خيارات صعبة وربما مؤلمة.

 
 
 
 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment