الوشم فن أم خطر يلوح في الأفق

12/01/2025 - 16:48 PM

Bt adv

 

 

 

الدكتورة غاييل الشاعر مارديني لـ "بيروت تايمز"  الأبحاث الحالية تعد خطوة أولية لكنها غير كافية للجزم العلمي

 

تحقيق اخباري - ربى أبو فاضل

 

في لبنان اليوم، لم يعد الوشم مجرد شكل من أشكال الفن، بل أصبح لغة بصرية شائعة بين الشباب، تعكس شخصيتهم، معتقداتهم، وذكرياتهم الخاصة، فالانتشار الكبير للتاتو لم يأت من فراغ، بل هو نتاج مزيج من التوجهات الاجتماعية، الترندات العالمية، والرغبة في التعبير الفردي، ومع هذا الانتشار، تتصاعد التساؤلات حول الأثر الصحي للوشم، خصوصا بعد الدراسات الحديثة التي ربطت بين امتلاك التاتو وارتفاع خطر الإصابة ببعض أنواع سرطان الجلد، ما يضع الشباب أمام تحد بين الرغبة في التميز وضرورة الحذر الصحي.

وفي هذا السياق، تعكس آراء الشباب تنوعا كبيرا بين من يراها وسيلة للتعبير الشخصي ومن يتخوف من مخاطره الصحية، تقول ليلى طالبة جامعية  "بالنسبة لي، التاتو هو شكل من أشكال الفن الشخصي، يعكس جزءا من قصتي وتجربتي، ولا أفكر كثيرا بالمخاطر الصحية طالما أنني أختار مركزا نظيفا وموثوقا"، أما سارة وهي موظفة في القطاع العام فتعتبر التاتو وسيلة للتميز الاجتماعي وتقول: "أحب أن أرتدي تاتو صغير يعكس شخصيتي، وأحاول أن أختار تصميمات أنيقة لا تكلفني الكثير"، من جهة اخرى ترفض رشا وهي موظفة في القطاع الخاص التاتو رفضا قاطعا، وتقول "أحب جسدي كما هو ولا أريد أن أضع أي شيء قد يسبب لي مشاكل مستقبلية، خاصة بعد سماعي عن المخاطر المحتملة المرتبطة بالوشم".

ويرى جاد وهو لاعب كمال أجسام، أن التاتو جزء من أسلوب حياته الشخصي ويكمل شكل جسده الرياضي، قائلاً: "أحب أن أضع تاتو يبرز شكل العضلات، بالنسبة لي هو فن على جسدي"،  في المقابل، يعبر يوسف عن تحفظه قائلاً: "أعجبني شكل التاتو لكنني أخاف من تأثيره على صحتي مستقبلا، خصوصا بعد ما قرأت عن بعض الدراسات التي ربطت بين التاتو وسرطان الجلد، لذلك أُفضل الانتظار أو الاكتفاء برسم مؤقت".

وتكشف هذه المواقف المتباينة كيف أن قرار الحصول على التاتو لا يرتبط فقط بالذوق الشخصي، بل يتأثر أيضا بالوعي الصحي، الثقافة المجتمعية، والاتجاهات السائدة بين الشباب، وهو ما توضح تفاصيله الدكتورة غاييل الشاعر مارديني، دكتور في الصيدلة السريرية ومتخصصة في علم الجلد، في حديثها لـ "بيروت تايمز"، وأشارت إلى أن انتشارالتاتو يعود إلى مجموعة عوامل اجتماعية وثقافية، وتلفت إلى أن "الترند" يشكل المحرك الأبرز، إذ يميل المجتمع اللبناني تقليدياً إلى مواكبة الموضات بسرعة،  كما بات التاتو، وفق الشاعر مارديني، وسيلة للتعبير الشخصي عن فكرة أو حدث أو ارتباط عاطفي أو رمزي، وصولاً إلى تخليد صورة حيوان أليف أو ذكرى خاصة.

وعلى الصعيد الصحي، تشير الشاعر مارديني إلى دراسة سويدية نشرت عام 2025، وتبين فيها وجود ارتباط إحصائي بين امتلاك التاتو وارتفاع خطر الإصابة بسرطان الجلد بنسبة تراوح بين 29 و30% مقارنة بالأشخاص الذين لا يحملون أي وشم، كما رصدت الدراسة أن الأفراد الذين يمتلكون تاتو يغطي مساحات واسعة من الجسم قد يكونون أكثر عرضة لارتفاع هذا الخطر.

وتضيف الشاعر مارديني "حتى الوقت الحاضر، لا توجد أدلة علمية قاطعة تثبت أن التاتو يسبب سرطان الجلد بشكل مباشر، فالدراسات المتوافرة، بما فيها هذه الدراسة الأخيرة، تظهر وجود ارتباط إحصائي بين امتلاك التاتو وارتفاع طفيف في خطر الإصابة بسرطان الجلد، إلا أن هذا الارتباط لا يكفي لإثبات علاقة سببية.

وأكدت الشاعر مارديني إلى أن "العامل الاساسي والأكثر ثبوتا في تطور سرطان الجلد هو التعرض للأشعة فوق البنفسجية (UV Light)، سواء من الشمس أو من مصادر اصطناعية، وهو السبب الرئيسي المعروف علميا خلف غالبية حالات سرطان الجلد، وبالتالي، فإنّ تأثير الوشم، إن وجد، يعد عاملا ثانوياً وغير محسوم مقارنةً بالدور المؤكد للأشعة فوق البنفسجية"، وأضافت مارديني أن الأبحاث الحالية تعد خطوة أولية، لكنها غير كافية للجزم العلمي، وتستدعي إجراء دراسات أوسع تشمل عينات أكبر، متابعة زمنية أطول، وتحليلا أدق لمكونات أحبار التاتو، للتحقق من طبيعة العلاقة، سواء كانت سببية أو مجرد ترافق إحصائي.

كما تشير دراسات أخرى إلى أن جزيئات الحبر قد تترسب داخل العقد اللمفاوية بعد انتقالها من الجلد عبر الجهاز اللمفاوي، ما قد يؤدي نظريا إلى تهيج مزمن أو تغيرات خلوية مرتبطة ببعض أنواع اللمفوما أو سرطانات الجلد، ومع ذلك، تبقى هذه الفرضيات بحاجة إلى دراسات أوسع لتأكيدها.

وتتوقف الشاعر مارديني خلال حديثها لـ"بيروت تايمز" عند الفرضيات العلمية المتداولة حول الأسباب المحتملة لارتباط الوشم ببعض أنواع السرطان، مع التشديد مجددا على أن الأدلة المتوافرة حتى اليوم لا تثبت علاقة سببية مباشرة،  وتشير إلى أن إحدى أبرز هذه الفرضيات ترتبط بتركيبة أحبار الوشم، إذ قد تحتوي بعض الأنواع على معادن ثقيلة مثل الكروميوم والرصاص والنيكل، وهي عناصر معروفة بقدرتها المحتملة على التسبب بتأثيرات سمية أو مسرطِنة عند تراكمها داخل الأنسجة.

كما تشرح الشاعر مارديني أن دراسات حديثة اقترحت احتمال انتقال جزيئات الحبر من الجلد إلى العقد اللمفاوية عبر الجهاز اللمفاوي، حيث يمكن أن تترسب هناك لفترات طويلة، هذا التراكم، وفق الفرضيات، قد يسبب تهيجا مزمنا أو تغيرات خلوية قد تربط نظريا ببعض أنواع اللمفوما أو سرطانات الجلد، إلا أن هذه الفرضيات تبقى بحاجة إلى دراسات سريرية وتجريبية واسعة للتأكد من صحتها.

ومن زاوية أخرى، تشدد الشاعر مارديني على أهمية البيئة الصحية في مراكز التاتو، لافتة إلى أن المخاطر لا تقتصر على مكوّنات الحبر وحدها، فغياب الرقابة على نوعية الأحبار، واستخدام مواد مجهولة المصدر، إضافة إلى سوء التعقيم والممارسات غير المطابقة للمعايير، كلها عناصر ترفع معدل المخاطر الصحية بشكل عام، سواء من خلال العدوى، الالتهابات، أو التفاعلات الجلدية الحادة، وليس خطر السرطان فقط.

وتختم مؤكدة على ضرورة أن يتحلّى الشباب بالوعي عند اتخاذ قرار الحصول على وشم، عبر اختيار مراكز موثوقة تحترم المعايير الصحية، والتأكد من نوعية الحبر المستخدم، واتباع قواعد النظافة والتعقيم، فهذه الخطوات تبقى أساسية للحد من المخاطر المحتملة، إلى حين توافر أدلة علمية أكثر حسما حول التأثيرات طويلة المدى لأحبار الوشم.

يبقى الوشم اليوم لغة تعبير شخصية، لكنه ليس خالياً من المخاطر الصحية،  ومع غياب أدلة قاطعة حول تأثيراته الطويلة المدى، يبقى الوعي واختيار مراكز موثوقة والتقيد بالمعايير الصحية السبيل الأهم للاستمتاع بهذا الفن بأمان، بين التميز الشخصي والحذر الطبي.

يشار إلى أن أقدم وشم معروف يعود إلى عام 3300 قبل الميلاد على جسد "أوتزي رجل الجليد" الذي عثر عليه في جبال الألب، وجد أن جسده يحمل 57 وشما، وهو ما يجعله أقدم دليل مباشر على وجود الوشوم على جلد إنسان.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment