واشنطن - بيروت تايمز - تحقيق خاص من إعداد ليلى أبو حيدر
ولي العهد السعودي، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، حلّ ضيفًا على العاصمة الأميركية واشنطن في نوفمبر 2025، في زيارة رسمية استمرت أربعة أيام، وُصفت بأنها الأهم منذ سنوات. حملت الزيارة في طياتها ملفات استراتيجية دقيقة، وصفقات استثمارية ضخمة، ورسائل سياسية تتجاوز الإطار الثنائي التقليدي بين الرياض وواشنطن.
وقد استُقبل ولي العهد بحفاوة استثنائية عند المدخل الجنوبي للبيت الأبيض، حيث كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مقدمة مستقبليه. عزفت فرقة حرس الشرف النشيدين الوطنيين السعودي والأميركي، تلاها استعراض جوي لمقاتلات أميركية في تحية رمزية للضيف الكبير. عقب مراسم الاستقبال، اصطحب الرئيس ترامب الأمير محمد بن سلمان في جولة خاصة داخل أروقة البيت الأبيض.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية مضاعفة، كونها تأتي في خضم تحولات إقليمية ودولية متسارعة، ما يمنحها دلالات استثنائية تعزز زخم الشراكة الاستراتيجية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية. شراكة تستند إلى إرث تاريخي متين يمتد لأكثر من تسعة عقود، وتُعدّ اليوم ركيزة أساسية في صياغة مستقبل المنطقة.
وفي هذا السياق، أكد مجلس الوزراء السعودي، خلال جلسته التي ترأسها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في الرياض، أن زيارة ولي العهد إلى واشنطن تأتي في إطار تعزيز العلاقات الثنائية والشراكة الاستراتيجية بين البلدين الصديقين في مختلف المجالات، إلى جانب السعي المشترك نحو تحقيق رؤية موحدة لشرق أوسط يسوده الأمن والاستقرار، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية.
لقاء القمة في البيت الأبيض
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان استُقبل في البيت الأبيض من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في لقاء قمة دام أكثر من ساعتين، تخلله غداء عمل موسّع بحضور كبار المسؤولين من الجانبين. وفي المؤتمر الصحفي المشترك، أعلن ترامب عن تصنيف المملكة العربية السعودية كـ"حليف رئيس من خارج الناتو"، وهو امتياز استراتيجي لا تتمتع به سوى دول معدودة، ما يعكس عمق الثقة المتبادلة. كما تم الإعلان عن حزمة اتفاقيات دفاعية تشمل:
- شراء مقاتلات F-35 وتكنولوجيا الطائرات دون طيار
- إنشاء مركز مشترك للأمن السيبراني في الرياض
- تعزيز التعاون الاستخباراتي في مكافحة الإرهاب والتهديدات العابرة للحدود
الرئيس الأميركي دونالد ترامي وصف الأمير محمد بن سلمان بأنه "رجل رؤية وصانع تحولات"، مؤكدًا أن "السعودية اليوم ليست فقط شريكًا في النفط، بل في الابتكار والاستقرار العالمي".
منتدى الاستثمار السعودي الأميركي
ولي العهد السعودي شارك في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي 2025، الذي عُقد في مركز المؤتمرات الدولي بواشنطن، بحضور أكثر من 700 شخصية من كبار المستثمرين، التنفيذيين، وصنّاع القرار.
في كلمته الافتتاحية، قال الأمير محمد بن سلمان: "نحن لا نأتي إلى واشنطن كطالبي دعم، بل كشركاء في بناء مستقبل عالمي أكثر استدامة. رؤية 2030 لم تعد مشروعًا سعوديًا فقط، بل منصة دولية للتكامل الاقتصادي والتكنولوجي". وتم خلال المنتدى توقيع اتفاقيات بقيمة تتجاوز 800 مليار دولار، شملت:
-إطلاق صندوق مشترك للاستثمار في التقنيات الخضراء والذكاء الاصطناعي
-شراكات في الطاقة المتجددة والهيدروجين النظيف
-اتفاقيات في التعليم العالي، تشمل إنشاء فروع لجامعات أميركية في المملكة
-مشاريع بنية تحتية رقمية، منها شبكة ألياف ضوئية إقليمية تربط الخليج بالقرن الأفريقي
فلسطين في قلب المحادثات
في تحول لافت، حملت الزيارة بُعدًا سياسيًا واضحًا، تمثل في مناقشة القضية الفلسطينية ضمن لقاءات ولي العهد مع وزير الخارجية الأميركي وأعضاء من الكونغرس.
مصادر دبلوماسية أكدت لـ"بيروت تايمز" أن الأمير محمد بن سلمان شدد على أن "أي تقدم في مسار اتفاقات أبراهام يجب أن يكون مشروطًا بخطوات ملموسة تجاه إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية".
كما أبلغ ولي العهد الجانب الأميركي أن المملكة "لن تنضم رسميًا إلى اتفاقات أبراهام دون إطار زمني واضح لإنهاء الاحتلال"، في موقف أعاد التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية في السياسة السعودية، رغم الانفتاح الإقليمي المتسارع.
القاءات استراتيجية ورسائل إقليمية
في اليوم الأخير، التقى ولي العهد بقيادات من وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية، حيث تم بحث ملفات اليمن، العراق، والملف النووي الإيراني. كما التقى بقيادات من الجالية السعودية في الولايات المتحدة، حيث أكد على أهمية دورهم في "نقل صورة المملكة الحديثة، وتعزيز جسور التفاهم الثقافي".
وفي لقاء مغلق مع عدد من المفكرين الأميركيين، تحدث الأمير محمد بن سلمان عن "ضرورة إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي ليشمل التنمية، التعليم، وتمكين الشباب"، مشيرًا إلى أن "الاستقرار لا يُبنى فقط بالسلاح، بل بالفرص".
دلالات الزيارة: تحالف يتجدد على إيقاع التريليون
بحسب تحليل "بيروت تايمز"، فإن زيارة ولي العهد إلى واشنطن جاءت في لحظة مفصلية، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة تموضعها في الشرق الأوسط، بينما تعمل السعودية على تنويع شراكاتها دون التفريط بتحالفاتها التقليدية.
الرسائل التي حملتها الزيارة يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط:
التحالف السعودي الأميركي لا يزال ركيزة للاستقرار الإقليمي
الاقتصاد والتكنولوجيا أصبحا محور العلاقة، لا النفط فقط
القضية الفلسطينية ما زالت حجر الزاوية في أي تطبيع شامل
ما بعد الزيارة: خارطة طريق جديدة
من الواضح أن نتائج الزيارة ستتجاوز البيانات الرسمية، لتترجم إلى مشاريع واستثمارات ملموسة خلال الأشهر المقبلة.
وقد تم الاتفاق على تشكيل "مجلس تنسيق استراتيجي" يجتمع كل ستة أشهر، لمتابعة تنفيذ الاتفاقيات، وتقييم التقدم في الملفات المشتركة.
كما تم الاتفاق على:
-عقد قمة سعودية أميركية سنوية بالتناوب بين الرياض وواشنطن
-إطلاق برنامج تبادل شبابي وثقافي بين الجامعات
-دعم مبادرة "الشرق الأوسط الأخضر" من خلال تمويل أميركي مشترك
من واشنطن إلى العالم
زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن لم تكن مجرد محطة دبلوماسية، بل إعلان عن مرحلة جديدة من الشراكة، تتجاوز النفط والسلاح، نحو اقتصاد المعرفة، والاستثمار في الإنسان، وبناء شرق أوسط أكثر استقرارًا. وبينما تبقى القضية الفلسطينية في صلب المعادلة، فإن المملكة تؤكد أن السلام العادل والشامل هو الطريق الوحيد نحو تطبيع حقيقي ومستدام.
في النهاية، تثبت الرياض أنها لا تكتفي بلعب دور "الحليف"، بل تسعى لتكون "شريكًا في صياغة المستقبل."













11/19/2025 - 10:11 AM





Comments