تحقيق اخباري من اعداد ليلى ابو حيدر
في لحظة مفصلية من التحولات الإقليمية والدولية، حطّ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان رحاله في العاصمة الأميركية واشنطن، في زيارة رسمية وُصفت بأنها "استراتيجية بامتياز". الزيارة التي جاءت بدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حملت في طيّاتها ملفات شائكة، من التعاون الاقتصادي والدفاعي، إلى مستقبل العلاقات مع إسرائيل، مرورًا بملف غزة، والطموحات السعودية في إعادة رسم دورها القيادي في الشرق الأوسط.
فما هي خلفيات هذه الزيارة؟ وما الذي دار خلف الأبواب المغلقة في البيت الأبيض؟ وهل تمهد هذه الزيارة لمرحلة جديدة من العلاقات السعودية–الإسرائيلية؟ هذا التحقيق يحاول تفكيك المشهد، واستقراء أبعاده السياسية والاقتصادية والدينية.
تأتي زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بعد سبع سنوات من زيارته السابقة عام 2018، والتي كانت حينها جزءًا من جولة ترويجية لرؤية السعودية 2030. أما اليوم، فالوضع مختلف تمامًا: المنطقة تعيش على وقع وقف هش لإطلاق النار في غزة، والولايات المتحدة تستعد لانتخابات رئاسية جديدة، فيما تسعى السعودية إلى تثبيت موقعها كقوة إقليمية فاعلة، وسط منافسة إيرانية–تركية متصاعدة.
الزيارة وُصفت بأنها "زيارة عمل رسمية"، وهو توصيف يعكس طابعها العملي، بعيدًا عن البروتوكولات الشكلية، وتركّز على ملفات محددة: الاقتصاد، الدفاع، الطاقة، والتطبيع مع إسرائيل.
الأهداف الاقتصادية للزيارة
من أبرز محاور الزيارة، تعزيز الشراكة الاقتصادية بين الرياض وواشنطن. فقد كشفت مصادر سعودية وأميركية عن وجود فرص استثمارية حالية بين البلدين تُقدّر بـ600 مليار دولار، مع طموح لرفعها إلى تريليون دولار خلال السنوات المقبلة.
وتشمل هذه الشراكات مجالات الطاقة المتجددة، الذكاء الاصطناعي، الصناعات الدفاعية، والتكنولوجيا الحيوية. كما تسعى السعودية إلى جذب استثمارات أميركية ضخمة إلى مشاريعها الكبرى، وعلى رأسها "نيوم"، المدينة المستقبلية التي تُعدّ حجر الزاوية في رؤية 2030.
في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى تأمين عقود تسليح جديدة، وتعزيز صادراتها من التكنولوجيا والطاقة، في وقت تواجه فيه منافسة متزايدة من الصين وروسيا في المنطقة.
التعاون الدفاعي والأمني
الملف الدفاعي كان حاضرًا بقوة في لقاء ولي العهد بالرئيس ترامب. فبحسب تقارير إعلامية، ناقش الطرفان تجديد اتفاقيات التعاون العسكري، وتوسيع نطاق التدريب المشترك، وتحديث منظومات الدفاع الجوي السعودية، في ظل التهديدات المستمرة من الحوثيين في اليمن، والتوترات مع إيران.
كما تم التطرق إلى ملف أمن البحر الأحمر، ومضيق هرمز، والتنسيق الاستخباراتي في مكافحة الإرهاب، لا سيما مع تصاعد نشاط الجماعات المتطرفة في القرن الأفريقي وسوريا.
ملف غزة والوساطة السعودية
من الملفات الحساسة التي طُرحت خلال الزيارة، الوضع في غزة بعد الحرب الأخيرة، ومحاولات تثبيت وقف إطلاق النار. تلعب السعودية دورًا متناميًا في هذا الملف، وتسعى إلى تقديم نفسها كوسيط نزيه بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، بالتنسيق مع مصر وقطر.
وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن الرياض عرضت مبادرة إنسانية لإعادة إعمار غزة، مقابل التزام دولي بوقف دائم لإطلاق النار، وضمانات بعدم تكرار التصعيد. وقد لاقت هذه المبادرة ترحيبًا أميركيًا، فيما لا تزال إسرائيل متحفظة على بعض بنودها.
التطبيع مع إسرائيل... هل اقتربت اللحظة؟
السؤال الأبرز الذي طُرح في الأوساط السياسية والإعلامية: هل تمهد زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن لإعلان وشيك عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل؟
حتى الآن، لم يصدر أي إعلان رسمي، لكن المؤشرات تتزايد. فبحسب تقارير غربية، فإن إدارة ترامب تسعى إلى تحقيق "اختراق تاريخي" في ملف التطبيع، عبر إقناع السعودية بالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، التي وقّعتها الإمارات والبحرين والمغرب والسودان في السنوات الماضية.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن السعودية وضعت شروطًا واضحة لأي خطوة تطبيعية، أبرزها:
- تقدّم ملموس في مسار السلام الفلسطيني–الإسرائيلي، لا سيما في ما يتعلق بالقدس والحدود.
- ضمانات أميركية أمنية، تشمل منظومات دفاع متقدمة، واتفاقيات تعاون عسكري طويلة الأمد.
- دور سعودي في إدارة المقدسات الإسلامية في القدس، بما يعزّز مكانتها الدينية في العالم الإسلامي.
ورغم أن هذه الشروط قد تبدو صعبة التحقق في المدى القريب، إلا أن مراقبين يرون أن الزيارة الأخيرة قد تكون خطوة تمهيدية نحو إعلان تدريجي، يبدأ بتطبيع اقتصادي أو ثقافي، قبل الانتقال إلى علاقات دبلوماسية كاملة.
البُعد الرمزي والديني
لا يمكن فصل الزيارة عن بعدها الرمزي، خصوصًا في ظل التحديات التي تواجهها السعودية داخليًا وخارجيًا. فولي العهد يسعى إلى تقديم نفسه كزعيم إصلاحي، قادر على الجمع بين الحداثة والهوية، وبين الانفتاح والحفاظ على الثوابت.
كما أن اللقاء مع ترامب، الذي يتمتع بشعبية في أوساط اليمين الأميركي والإنجيليين، يحمل رسائل ضمنية إلى الداخل الأميركي، وإلى إسرائيل، مفادها أن السعودية منفتحة على السلام، ولكن بشروطها.
ردود الفعل الإقليمية والدولية
الزيارة أثارت ردود فعل متباينة في المنطقة. ففي حين رحّبت بها الإمارات والبحرين، عبّرت إيران عن قلقها من "التحالف السعودي–الأميركي"، واعتبرته تهديدًا للاستقرار الإقليمي.
أما في الداخل الفلسطيني، فقد حذّرت فصائل المقاومة من أي خطوة تطبيعية "تتجاوز الحقوق الفلسطينية"، فيما دعت السلطة الفلسطينية إلى "عدم القفز فوق المبادرة العربية للسلام".
دوليًا، رحّبت أوروبا بالزيارة، لكنها شدّدت على ضرورة أن يكون أي تقارب سعودي–إسرائيلي جزءًا من حلّ شامل وعادل للقضية الفلسطينية.
ماذا بعد الزيارة؟
رغم غياب الإعلان الرسمي عن اتفاقات كبرى، إلا أن الزيارة وضعت أسسًا جديدة للعلاقات السعودية–الأميركية، وفتحت الباب أمام تحوّلات استراتيجية في المنطقة.
فالسعودية تبدو اليوم أكثر استعدادًا للعب دور الوسيط، وأكثر انفتاحًا على خيارات السلام، شرط أن تُحترم ثوابتها الدينية والسياسية. أما الولايات المتحدة، فتسعى إلى تثبيت تحالفاتها التقليدية، في مواجهة تمدّد الصين وروسيا.
ويبقى السؤال: هل تكون هذه الزيارة تمهيدًا لإعلان سعودي–إسرائيلي تاريخي؟ أم أنها مجرّد خطوة في طريق طويل من التفاوض والمقايضات؟
زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن ليست مجرّد محطة دبلوماسية، بل لحظة اختبار لمعادلات القوة والتحالفات في الشرق الأوسط. وبين الطموحات الاقتصادية، والهواجس الأمنية، والرهانات السياسية، تبرز السعودية كلاعب محوري، يسعى إلى إعادة رسم دوره، من موقع الشريك إلى موقع الشريك القائد.
ويبقى السلام، كما قال البابا فرنسيس، "مسؤولية شجاعة"، تحتاج إلى إرادة، وكرامة، ورؤية تتجاوز الحسابات الضيقة. فهل تكون الرياض على موعد مع هذه الشجاعة؟













11/17/2025 - 15:01 PM





Comments