بيروت تايمز تحيي الذاكرة: رياض الصلح… شهيد الاستقلال وصوت لبنان العربي

11/16/2025 - 14:07 PM

Bt adv

 

 

 

Image result for رياض الصلح

 أحد أبرز رجالات الاستقلال في لبنان، دولة الرئيس رياض الصلح

 

الحلقة الثالثة عشرة من سلسلة “عظماء من بلادي”

 

بيروت – بيروت تايمز – تحقيق اخباري من إعداد منى حسن

بكل فخر واعتزاز، وبمناسبة قرب الاحتفال بذكرى الاستقلال في لبنان، تواصل بيروت تايمز توثيق سيرة من صنعوا مجد لبنان، وتسلّط الضوء في هذه الحلقة على أحد أبرز رجالات الاستقلال، دولة الرئيس رياض الصلح، أول رئيس وزراء للبنان بعد نيل استقلاله، وواضع الميثاق الوطني ومُعدّل الدستور.

رجلٌ جمع بين الفكر السياسي والرؤية الوطنية، عايش التحولات الكبرى في تاريخ المنطقة، من نهاية الحكم العثماني، مروراً بالانتدابين الفرنسي والبريطاني، وصولاً إلى مرحلة الاستقلال العربي وبدايات الصراع العربي الإسرائيلي. لم يكن مجرد شاهد على تلك المراحل، بل كان فاعلاً فيها، حتى انتهت مسيرته باغتيالٍ غادر في العاصمة الأردنية عمّان.

في هذه الحلقة، تستعرض بيروت تايمز محطات حياة رياض الصلح، من النشأة والتكوين، إلى النضال السياسي، فبناء الدولة، ثم الاغتيال الذي هزّ لبنان والمنطقة. رجلٌ لم يكن الاستقلال ليُكتب من دون توقيعه، ولا الميثاق الوطني ليُصاغ من دون رؤيته.

المولد والنشأة

وُلد رياض الصلح في 17 أغسطس/آب 1894 في مدينة صيدا، ثالث المدن اللبنانية من حيث التعداد السكاني. والده رضا الصلح تولّى مناصب عدة، منها حاكم النبطية في جبل عامل، قائم مقام صيدا، وعضو في مجلس المبعوثين التركي عن بيروت. أما والدته نظيرة، فقد غرست فيه منذ طفولته حب القراءة والتاريخ والشعر، وعلّقت عليه آمالاً كبيرة.

عاش مع والديه في إسطنبول بين سن الرابعة عشرة والتاسعة عشرة (1908–1913)، حيث اكتسب ثقافة سياسية وبرلمانية، واطّلع على دور الحركات السياسية مثل "تركيا الفتاة"، وتابع أخبار البرلمان العثماني الذي كان والده عضواً فيه.

الدراسة والتكوين العلمي

تأخر رياض الصلح في تلقي التعليم المدرسي، فقرر والده التعاقد مع معلمين لتدريسه في المنزل ومرافقته أثناء السفر. كان أحدهما حسني الجندي، سوري مسلم من دمشق، علّمه العربية والتاريخ والجغرافيا والرياضيات والعلوم، والآخر لبناني مسيحي يُدعى جوزيف خوري، علّمه الفرنسية وبعض أساسيات التركية والفارسية واللاتينية.

في عام 1905، التحق بالكلية العثمانية الإسلامية، ثم درس لفترة قصيرة في مدرسة العازارية بعينطورة، وبعدها في الكلية اليسوعية في بيروت، حيث أتقن الفرنسية وتعرّف إلى الديانة المسيحية. لاحقاً، انتقل إلى باريس لدراسة القانون والعلوم السياسية.

الوظائف والمسؤوليات

انتمى رياض الصلح إلى جمعيات سرية مثل "القحطانية" و"العربية الفتاة"، وانضم إلى حزب الاستقلال العربي. عمل كاتباً في صحيفتي "المفيد" و"الإخاء"، وعُيّن حاكماً على صيدا بين عامي 1918 و 1920.

رياض الصلح السياسي

يُعد رياض الصلح أحد أبرز رموز الاستقلال اللبناني، وأول رئيس وزراء بعد الاستقلال. ساهم في فصل لبنان عن سوريا، وبناء كيان سياسي مستقل. عاد إلى لبنان عام 1935، واشتغل بالمحاماة، ثم دخل المجلس النيابي، وتولى رئاسة الوزراء عام 1943، حيث شارك في تعديل الدستور مع الرئيس بشارة الخوري، ما أدى إلى اعتقالهما في قلعة راشيا، ثم إطلاق سراحهما وإعلان استقلال لبنان في 22 نوفمبر 1943.

    Image result for رياض الصلح إلى الأمير فيصل بن الحسين     Image result for رياض الصلح إلى الأمير فيصل بن الحسين

التجربة السياسية

بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى عام 1914، انضم رياض الصلح إلى الأمير فيصل بن الحسين، وشكّل أول حكومة عربية في صيدا موالية لدمشق. لكن دخول قوات الحلفاء بقيادة الجنرال البريطاني ألنبي إلى صيدا دفعه إلى مناهضة الانتداب الفرنسي.

في 19 فبراير/شباط 1919، قدّم أحد أعضاء طائفة الموارنة التماساً لمؤتمر السلام في باريس يطالب باستقلال لبنان تحت الحماية الفرنسية، فسارع رياض الصلح إلى إفشال هذه المبادرة عبر استمالة أعضاء مجلس إدارة جبل لبنان لمبايعة الأمير فيصل.

مؤتمر سان ريمو

بعد مؤتمر سان ريمو في 18 أبريل/نيسان 1920، فرضت فرنسا انتدابها على سوريا ولبنان، ما دفع رياض الصلح إلى التوجه إلى القاهرة، حيث تأسس المؤتمر السوري العام الذي اعترف بخصوصية لبنان خارج الاستعمار الفرنسي.

وفي 1 سبتمبر/أيلول 1920، عارض إعلان قيام جمهورية لبنان وعاصمتها بيروت، ورفض مسودة الدستور اللبناني، لكنه غيّر موقفه عام 1928 وأيّد الاستقلال بعدما أصبح أمراً واقعاً.

عاد إلى بيروت عام 1924 بعد حصوله على العفو الفرنسي، في ظل تطورات إقليمية أبرزها فرض الانتداب البريطاني والفرنسي، وتنفيذ وعد بلفور القاضي بمنح اليهود وطناً قومياً في فلسطين.

مقترح اتفاق بين العرب واليهود

منذ عشرينيات القرن العشرين، اهتم رياض الصلح بالحركة الصهيونية، وفي 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1921، شارك في اجتماع مع إيتامار بن آفي الذي عرض وثيقة بعنوان "اتفاق مقترح بين العرب واليهود". اقترحت الوثيقة دعماً مادياً ومعنوياً للعرب مقابل دعمهم لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. حاول رياض استخدام هذا النفوذ لمنع إقرار الانتداب، مقابل هجرة يهودية محدودة، لكن الاجتماع فشل.

تعديل الدستور

بعد انتخاب بشارة الخوري رئيساً عام 1943، كُلّف رياض الصلح بتشكيل الحكومة ووضع الميثاق الوطني، فعدّل الدستور وألغى المواد التي تعترف بالانتداب الفرنسي. اعتقلته السلطات الفرنسية مع الرئيس الخوري، ما أدى إلى احتجاجات شعبية واسعة انتهت بإطلاق سراحهما. أعاد الصلح انتخاب بشارة الخوري رئيساً في العام نفسه، حفاظاً على استقلال لبنان.

إعدام أنطوان سعادة… صدام العقائد وقرار الدولة

في أبريل/نيسان 1949، زار الرئيس رياض الصلح العاصمة السورية دمشق، حيث التقى رئيسها حسني الزعيم في محاولة لترميم العلاقات بين البلدين. وفي أعقاب صدام دموي وقع في منطقة الجميزة ببيروت بين حزب الكتائب اللبناني والحزب السوري القومي الاجتماعي، فرّ أنطوان سعادة، مؤسس الحزب القومي، إلى سوريا، طالبًا اللجوء لدى الزعيم. لكن الأخير سلّمه إلى السلطات اللبنانية، ليُعدم في 8 يوليو/تموز 1949.

كان رياض الصلح قد تعرف إلى سعادة عام 1937، لكن بعد عودته من الأرجنتين في مارس/آذار 1947، لم يعد سعادة مجرد زعيم حزبي، بل تحوّل إلى صوت صاخب في وجه الأنظمة العربية، التي رأى فيها تواطؤًا مع الاستعمار والصهيونية. أعاد تنظيم الحزب السوري القومي الاجتماعي، واعتبر قرار تقسيم فلسطين عام 1947 فرصة لكشف هشاشة المواقف الرسمية، فدعا إلى المواجهة، وأرسل عشرات القوميين إلى ساحات القتال.

خطابه في بيروت كان بمثابة إعلان للعودة إلى "ساحة الجهاد القومي"، لكنه أيضًا دقّ ناقوس الخلاف مع دولة الرئيس رياض الصلح، الذي كان يؤمن بلبنان المستقل وبالعروبة الجامعة. أما سعادة، فكان يدعو إلى وطن سوري يشمل الهلال الخصيب، متجاوزًا حدود الكيان اللبناني.

هذا التباين العقائدي لم يكن مجرد اختلاف فكري، بل مهّد لصدام سياسي وأمني لاحق، ساهم في تعميق الانقسام الداخلي، وأعاد طرح سؤال الهوية والانتماء في لبنان ما بعد الاستقلال.

عقب انقلاب حسني الزعيم في سوريا، سادت مخاوف لدى السلطة اللبنانية من احتمال امتداد الانقلاب إلى لبنان، ما دفعها إلى الإسراع في تنفيذ حكم الإعدام بحق سعادة. وقد حمّل القوميون رياض الصلح مسؤولية هذا القرار، معتبرين أنه لعب دوراً محورياً في تسليم سعادة، مستفيداً من علاقاته الوثيقة بكل من الملك عبدالله في الأردن والملك فاروق في مصر.

محاولة فاشلة لاغتيال رياض الصلح

تعرض رياض الصلح لمحاولتي اغتيال، الأولى في 9 مارس 1950 وفشلت، والثانية في 16 يوليو 1951 ونجحت، حيث اغتيل في الأردن بعد زيارة للملك عبدالله. في مساء 9 مارس 1950، وبينما كان رياض الصلح يدخل دار آل الغلاييني في محلة الصنائع ببيروت، أطلق عليه توفيق رافع حمدان (23 سنة) النار، فأصاب ولدين توفيا، وجرح شخصين. اندفع الصلح نحو الجاني وألقى القبض عليه، ثم حضر الحفلة حتى نهايتها.

شهود عيان أفادوا أن الصلح اشتبه في شاب يحمل مسدساً، فصرخ طالباً القبض عليه، ثم انطلقت الرصاصات. منذ إعدام سعادة، تربص القوميون برياض الصلح، وزادت محاولة اغتياله التباعد بينه وبين بشارة الخوري، خصوصاً بعد تدخل شقيقه سليم في الحكم، ما دفعه إلى تقديم استقالته في 14 فبراير/شباط 1951.

Image result for الرئيس رياض الصلح

دعوة إلى الأردن

كانت تربط الرئيس رياض الصلح علاقة صداقة وثيقة مع العاهل الأردني الراحل الملك عبدالله، الذي كان ابن شقيقه فيصل الأول، الملك فيصل الثاني، يحكم العراق تحت وصاية خاله الأمير عبدالإله.

في أبريل (نيسان) 1951، أرسل الملك عبدالله رسولاً إلى الرئيس الصلح يدعوه إلى زيارته لأمر مهم، لكن الصلح اعتذر متذرعاً بكثرة مشاغله. وفي أواخر يونيو (حزيران)، كرر الملك المحاولة عبر اتصال مباشر، وألحّ عليه بالحضور إلى عمّان للاجتماع به، مؤكداً أن هناك قضايا وطنية كبرى لا يمكنه أن يشرحها عبر الهاتف، وأنه يريد تكليفه بمهمة خاصة لا يأتمن أحداً غيره عليها.

في 13 يوليو، استقل الرئيس رياض الصلح الطائرة متوجهاً إلى عمّان، يرافقه الدكتور نسيب البربير، والصحافيان محمد شقير وبشارة مارون، ومرافقه عبدالعزيز العرب. هبطت الطائرة في مطار المفرق، حيث استقبله رئيس الحكومة الأردنية بحفاوة، وانتقل معه إلى قصر الملك في بسمان. كان الملك في انتظاره، فاستقبله مع الوفد، ثم اجتمع به على انفراد مساء ذلك اليوم، وعقد معه جلسات في اليومين التاليين أحيطت بالسرية والكتمان.

لكن، قيل لاحقاً إن الملك ألحّ في دعوة الصلح لأنه اعتبره يتمتع بثقة الزعامات العربية، ويمكنه لعب دور مهم في تحقيق الوحدة بين الأردن والعراق. فقد كان الملك عبدالله خائفاً على استمرارية العهد الهاشمي، إذ إن ولي عهد العراق الأمير فيصل الثاني كان قاصراً وخاضعاً لولاية خاله الأمير عبدالإله، وفي الأردن كان الملك يخشى أن يؤول الحكم إلى ابنه طلال أو نايف، بينما كان يرغب في أن يتسلم الحكم حفيده الأمير حسين، ابن طلال، الذي كان أيضاً قاصراً. لذلك، طرح الملك فكرة توحيد الحكم بين العراق والأردن بحيث يؤول الحكم من بعده إلى الأمير فيصل، حفيد شقيقه فيصل الأول.

رياض الصلح في القمة اللبنانية السورية عام 1949

الاغتيال على طريق المطار

قبل عودته إلى لبنان، اتصل الرئيس الصلح بعائلته ووعدهم ببشرى سارة. كان الوفد ينزل في فندق فيلادلفيا، وقبل المغادرة، تلقى الرئيس الصلح مصافحة وداع في بهو الفندق، حيث تقدم منه رجل مجهول وصافحه. سأل الصلح الحاضرين إن كانوا يعرفونه، فأنكروا ذلك.

انتهى الوداع، واستقل الرئيس الصلح والدكتور نسيب البربير ومرافقه عبدالعزيز العرب سيارة الملك التي قادها سائقه الخاص، وسارت أمامها دراجة نارية، بينما تبعتهم سيارة تقل الصحافيين محمد شقير وبشارة مارون، إضافة إلى سيارة عسكرية أردنية.

وعندما وصل الموكب إلى محطة السكة الحديدية على طريق المطار، ظهرت سيارة مسرعة بداخلها ثلاثة ركاب، تجاوزت سيارة الصحافيين، وعندما أصبحت بمحاذاة سيارة الملك التي تقل الرئيس الصلح، أطلق أحد الثلاثة النار عليه، فأصابه في قلبه ورأسه، مما أدى إلى مقتله على الفور. كما أصيب الدكتور نسيب البربير في ظهره، فتوقفت السيارة، بينما أكملت سيارة الجناة طريقها بسرعة.

تتعدد الروايات حول ما حصل بعد ذلك. يُقال إن مرافق الرئيس عبدالعزيز العرب رد على مطلقي النار وأصاب أحدهم، لكن الرواية الأقرب إلى التصديق، كما تنقلها بيروت تايمز، تشير إلى أن السيارة العسكرية الأردنية التي كانت ترافق الموكب تبعت سيارة الجناة، وأطلق العسكريون النار عليها، فأصابوها وجرحوا أحد ركابها، مما أدى إلى توقفها.

كان في السيارة ثلاثة من الحزب السوري القومي الاجتماعي: اللبناني ميشال الديك الذي أُصيب فوراً، الأردني محمد صلاح الذي أطلق النار على الرئيس الصلح مع ميشال الديك باستخدام مسدسين أوتوماتيكيين، والفلسطيني سبيرو وديع حداد الذي كان يقود السيارة.

وبعد توقف السيارة، ترجل الثلاثة منها وحاولوا الهرب عبر الصحراء. لكن ميشال الديك، الذي أُصيب في فخذه، لم يقوَ على السير، فطلب من محمد صلاح أن يقتله حتى لا يتم اعتقاله، وأن يهرب مع سبيرو حداد. فأطلق عليه صلاح طلقة في رأسه.

وقبل أن يتمكن صلاح من اللحاق بحداد، وصل عدد من الجنود الأردنيين إليه، فحاول الانتحار بإطلاق النار على صدره، لكنه لم يمت، فاعتُقل ونُقل مع الديك إلى المستشفى الإيطالي، وهو المستشفى نفسه الذي نُقل إليه الرئيس الصلح والدكتور نسيب البربير.

لكن محمد صلاح، وبعد أن خضع لعملية جراحية لإنقاذ حياته بهدف التحقيق معه وكشف تفاصيل الخطة، عاد وأقدم على الانتحار داخل المستشفى، فضاعت الوقائع والاعترافات. ونتيجة مقتله مع ميشال الديك، وتمكن سبيرو حداد من الهرب، بقيت أسرار عملية الاغتيال مخفية، إلا من خلال رواية الأحداث التي تمت مشاهدتها، خصوصاً أن الملك عبدالله نفسه اغتيل بعد أربعة أيام فقط.

Image result for riad el solh

من اتخذ القرار بالاغتيال؟

لا توجد رواية واضحة للطريقة التي اختفى فيها سبيرو حداد، فهناك روايات تقول إنه تمكن من الوصول إلى سوريا، حيث لجأت قيادة الحزب القومي بعد فشل محاولة الانقلاب في لبنان وبعد إعدام زعيم الحزب أنطون سعادة. بينما هناك معلومات تتحدث عن وجود مؤامرة كبرى، وتقول إنه لجأ إلى قاعدة عسكرية بريطانية أخفته وهربته، معتبرة أن الحزب السوري القومي الاجتماعي كان يعمل لمصلحة الاستخبارات البريطانية.

لكن ما مصلحة بريطانيا في اغتيال الرئيس رياض الصلح؟ يبقى أنه من شبه المؤكد أن حداد التجأ في النهاية إلى البرازيل وبقي فيها.

في الساعة الثامنة مساء، أعلنت إذاعة بيروت النبأ بعد أن نعى الملك عبدالله الرئيس الصلح، فحصلت أعمال شغب في بيروت، وسارت تظاهرات مستنكرة لما حصل. وصباح اليوم التالي، نُقل نعش الرئيس الصلح إلى مطار بيروت، واستقبلته حشود شعبية، وكان ملفوفاً بالعلمين اللبناني والأردني، ودفن بعد الظهر في الأوزاعي. لكن القضية لم تُدفن معه ومع قاتليه اللذين قُتلا، وظل السؤال عن المحرض المباشر الذي طلب تنفيذ العملية، وعن طريقة التحضير لها من دون جواب، فلا يُعقل أن يكون الثلاثة المشتركون في العملية هم الذين خططوا ونفذوا.

من وجهة نظر تحليلية، يمكن القول إن عملية من هذا النوع وبهذا الحجم لا يمكن أن تتم من دون تخطيط دقيق ومن دون قرار كبير. فما الذي يجمع بين ميشال الديك اللبناني، ومحمد صلاح الفلسطيني، وسبيرو حداد الأردني؟ المعروف أنهم كانوا قوميين سوريين، وحتى إذا كانوا يعرفون بعضهم من خلال الانتماء إلى الحزب، فمن هو الذي جمعهم في هذه العملية؟ ومن وفر لهم المعلومات حول انتقال الرئيس الصلح إلى الأردن، ومكان وجوده، وتوقيت عودة موكبه إلى المطار، خصوصاً أنه لم يكن من السهل التنقل بسهولة وسرعة بين لبنان وسوريا والأردن.

ما عُرف أنه كان هناك اتفاق بينهم على أن يقود حداد السيارة، ويتولى الديك وصلاح إطلاق النار، وأنه يجب ألا يقع أحد في الأسر، ولذلك أجهز صلاح على الديك الجريح وانتحر بعد ذلك. وثمة معلومات تم تداولها لاحقاً بين القوميين تقول إن قيادة العملية كانت لصلاح، بينما روايات أخرى قالت إنها كانت للديك، الذي كان يخطط لاغتيال الصلح وكان يراقبه في بيروت، وأنه تعرف إلى صلاح في الأردن من خلال كلمة سر.

إن عملية مركبة من هذا النوع يصعب أن تكون بنت ساعتها، ويُستبعد أن يكون القرار فيها فردياً، لأنها تحتاج إلى تمويل، وسرعة في التحرك، وتوفير السلاح، والتنسيق بين المنفذين، ومعرفة معلومات حول تحرك الرئيس الصلح، خصوصاً أنه لم يكن زائراً عادياً، بل في ضيافة الملك، وكان في موكب ملكي عائداً إلى المطار.

كما لم يكن معلوماً على نطاق واسع أن الرئيس الصلح سيزور الملك عبدالله في الأردن، وحتى لو علم الثلاثة بذلك، فكيف كان بإمكانهم أن يتفقوا مع بعضهم، وأن يلتقوا وينسقوا ويحضروا الأسلحة، ويدفعوا كلفة السفر والإقامة، ويحددوا مواعيد تنقلات الرئيس الصلح، ويؤمنوا سيارة سريعة تتمكن من تجاوز موكبه؟ وما زاد القضية غموضاً، اغتيال الملك عبدالله في 20 يوليو في المسجد الأقصى. فهل كان ثمة رابط بين الاغتيالين؟

ليلى الصلح تواصل إرث والدها رياض الصلح في السياسة والعمل الإنساني

تواصل الوزيرة السابقة ليلى رياض الصلح حمادة مسيرة والدها، دولة الرئيس رياض الصلح، أول رئيس وزراء للبنان بعد الاستقلال، من خلال نشاطها السياسي والإنساني في لبنان والعالم العربي. وقد شغلت منصب وزيرة الصناعة بين عامي 2004 و2005، لتكون أول امرأة لبنانية تتولى هذا المنصب، كما تشغل حالياً منصب نائب رئيس مؤسسة الوليد بن طلال الإنسانية.

ليلى الصلح، التي لم تعرف والدها شخصياً بسبب اغتياله عام 1951، عبّرت في مناسبات عدة عن ارتباطها العميق بإرثه الوطني، مؤكدة أن مسيرته السياسية شكلت حجر الأساس في بناء الدولة اللبنانية الحديثة. وفي كلمة مؤثرة لها، قالت: "لم أعرفك، لا أذكرك، علّمتني حبك أقرب الناس إليك… واكبت جهادك، حضرت ولادة ميثاقك، شهدت على وجهك العربي، عاشت معك لبنان القمة من الاستقلال إلى الاغتيال."

وفي إطار تخليد ذكراه، أطلقت ليلى الصلح كتابًا توثيقيًا بعنوان "رياض الصلح: النضال من أجل الاستقلال العربي"، من تأليف المؤرخ باتريك سيل، كما منحت أول ميدالية تحمل اسم والدها للبروفسور سليم دكاش، رئيس جامعة القديس يوسف، التي درس فيها رياض الصلح القانون والعلوم السياسية.

وتؤكد ليلى الصلح أن إحياء سيرة والدها ليس مجرد تكريم، بل دعوة إلى استعادة القيم الوطنية التي أسس لها، في زمن تتعرض فيه الدولة اللبنانية لتحديات وجودية.

إطلاق كتاب رياض الصلح

برعاية الأمير الوليد بن طلال بن عبد العزيز آل سعود، ممثلاً بالوزيرة ليلى الصلح حمادة، وخلال مؤتمر صحافي في فندق «فور سيزونز»، تمّ إطلاق كتاب «رياض الصلح: النضال من أجل الاستقلال العربي» للمؤرخ باتريك سيل، ثم عرض فيلم وثائقي أعدّته وأنتجته مؤسسة الوليد بن طلال الإنسانية، تناول مسيرة الرئيس الراحل رياض الصلح، وأهم مراحل نضالاته، مختصراً أهم الأحداث التي كان لها تأثير مباشر في المراحل الاستقلالية والحياة السياسية والاقتصادية التي ساهمت في انطلاقة الجمهورية اللبنانية عام 1943، وأهم الإنجازات التي تحققت داخلياً وعربياً وإقليمياً حتى تاريخ اغتياله عام 1951.

كلمة ليلى الصلح

قالت الوزيرة ليلى الصلح حمادة: "أود أن أشكر صاحب الوفاء العظيم الأستاذ زهير عسيران لإهدائه لنا هذا التمثال النصفي لرياض الصلح والذي ظل محتفظاً به طوال خمسين سنة. قيل لي صفه قلت تعيا القوافي، قيل لي عدده قلت يعيا الحساب، هكذا رثاك صديقك الشاعر الكبير أمين نخلة يوم تأبينك، فبأي كلام أرثيك وأنا ابنتك الصغرى، لم أعرفك، لا أذكرك، علّمتني حبك أقرب الناس إليك، واكبت جهادك، حضرت ولادة ميثاقك، شهدت على وجهك العربي، عاشت معك لبنان القمة من الاستقلال إلى الاغتيال، إنها كبيرتنا علياء، كم تمنيت وجودها لترى ما حقّقه لها ابن شقيقتها الوليد اليوم."

كلمة باتريك سيل

تناول المؤرخ باتريك سيل أهم المحاور التي أثيرت في الكتاب، ودعا إلى قراءة دقيقة لسيرة الرئيس رياض الصلح، خصوصاً وسط الأجواء السياسية التي تهيمن على لبنان والمنطقة اليوم. وقال إن السيدة علياء الصلح هي من أوحت له بتأليف هذا الكتاب، عندما كانت طالبة في جامعة أوكسفورد، ثم انتقلت إلى باريس وظلت تحثه على تأليف كتاب عن حياة والدها.

أول ميدالية باسم رياض الصلح

بمناسبة الذكرى الثمانين للاستقلال، منحت الوزيرة ليلى الصلح حمادة أول ميدالية تحمل اسم الرئيس رياض الصلح إلى البروفسور سليم دكاش اليسوعي، رئيس جامعة القديس يوسف ورئيس مجلس إدارة مستشفى أوتيل ديو، تقديراً للتعاون المشترك بين مؤسسة الوليد بن طلال الإنسانية والصرحين الأكاديمي والاستشفائي.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment