روما - دمشق - متابعة جورج ديب
في تحذير مؤلم أطلقه المطران يعقوب مراد، رئيس أساقفة حمص وحماة والنبك في الكنيسة السريانية الكاثوليكية، من العاصمة الإيطالية روما، إن الكنيسة في سوريا "تحتضر"، مشيرًا إلى أن المسيحية في البلاد تواجه خطر الزوال الكامل ما لم يتم التدخل العاجل دوليًا لوقف الانهيار.
جاءت تصريحات المطران مراد خلال إطلاق تقرير "الحرية الدينية في العالم 2025" الصادر عن منظمة "عون الكنيسة المتألمة" (Aid to the Church in Need)، والذي كشف عن تراجع عدد المسيحيين في سوريا من نحو 2.1 مليون عام 2011 إلى ما يقارب 540 ألفًا فقط في عام 2024، أي بانخفاض يتجاوز 75% خلال عقد واحد.
وقال المطران مراد إن "جميع محاولات الكنيسة المحلية والعالمية لوقف موجة الهجرة باءت بالفشل، لأن الأسباب لا تتعلق بالكنيسة نفسها، بل بالأوضاع السياسية والاقتصادية الكارثية التي تعصف بالبلاد". وأضاف أن استمرار غياب الإصلاح السياسي وضمانات الأمن يدفع بالمزيد من العائلات المسيحية إلى مغادرة البلاد بحثًا عن الأمان والكرامة.
وكان المطران مراد قد اختُطف عام 2015 على يد تنظيم "داعش" واحتُجز لمدة خمسة أشهر قبل أن يتمكن من الفرار. واليوم، وبعد مرور عقد على تلك التجربة، يؤكد أن أوضاع المسيحيين باتت أكثر خطورة، في ظل استمرار العنف والقمع حتى بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في ديسمبر 2024، وتولي الرئيس أحمد الشرع السلطة في حكومة انتقالية لا تزال تفتقر إلى الاستقرار.
وفي 22 يونيو 2025، هزّ تفجير انتحاري كنيسة مار إلياس في دمشق أثناء قداس الأحد، ما أسفر عن مقتل أكثر من 20 شخصًا وإصابة 52 آخرين، في هجوم وصفته منظمات حقوق الإنسان بأنه "جريمة ضد الوجود المسيحي التاريخي في سوريا". دخل المهاجم الكنيسة مرتديًا حزامًا ناسفًا، وأطلق النار على المصلين قبل أن يفجر نفسه، في مشهد أعاد إلى الأذهان سنوات الرعب التي عاشتها البلاد خلال الحرب.
المطران مراد شبّه تدهور الأوضاع في سوريا بما حدث في أفغانستان، محذرًا من أن "الحرية الدينية وغيرها من الحريات لن تشهد تحسنًا في ظل النظام الحالي". كما أعرب عن قلقه من احتمال توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل قد يؤدي إلى نقل السيطرة على مرتفعات الجولان، معتبرًا أن ذلك "يهدد وصول دمشق إلى مصادر المياه"، واصفًا الخطوة بأنها "شكل من أشكال الاستعباد لسكان العاصمة".
ودعا المطران المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم بشأن مستقبل سوريا، مطالبًا بتنسيق الجهود بين المؤسسات الثقافية والقانونية والأكاديمية لإعادة بناء الثقة العامة وتعزيز العدالة. كما شدد على ضرورة إطلاق برامج تدريبية لاستعادة استقلالية القضاء ودعم الاستقرار المدني.
أما ريتشارد غزال، المدير التنفيذي لمنظمة "الدفاع عن المسيحيين"، فحذر من أن الجماعات المتطرفة تسعى إلى استبدال التنوع الديني الذي كان يميز سوريا بإيديولوجيات راديكالية. وقال إن "سوريا تخسر جسرًا ثقافيًا ولاهوتيًا بين الشرق والغرب، وقوة معتدلة كانت تتيح التعايش".
وطالب غزال الولايات المتحدة بالضغط على القيادة الانتقالية في سوريا، التي تهيمن عليها حاليًا فصائل إسلامية، لاعتماد ضمانات دستورية لحماية الأقليات، وإنشاء آليات للمحاسبة، واستبدال الميليشيات المتعددة بقوات أمن محترفة.
كما أطلقت منظمة "عون الكنيسة المتألمة" عريضة لحماية المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تضمن حرية الدين والمعتقد، داعية الحكومات إلى دعم المجتمعات المهددة وضمان وصولها إلى المساعدات الطارئة والقانونية.
في ظل هذا المشهد القاتم، تبقى مدن مثل أنطاكية، حيث دُعي أتباع يسوع أول مرة بـ"المسيحيين"، والطريق إلى دمشق، حيث يُعتقد أن بولس الرسول اعتنق المسيحية، مهددة بالاندثار، ليس فقط كمعالم تاريخية بل كرموز حية للتراث المسيحي في الشرق الأوسط.
ويختم غزال بالقول: "مع كل هجرة جديدة وكل هجوم دموي، تقترب سوريا أكثر من فقدان ركيزة روحية وثقافية عمرها ألفا عام".













11/09/2025 - 17:53 PM





Comments