تحقيق خاص – بيروت تايمز
في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تتسارع فيها التحركات السياسية والدبلوماسية حول لبنان ومستقبله، من زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع المرتقبة إلى واشنطن، إلى الإعلان عن جولة خامسة من المفاوضات المباشرة بين سوريا وإسرائيل بوساطة أميركية، بينما تُعيد دمشق تموضعها السياسي وتُفتح قنوات تفاوض جديدة قد تُعيد رسم خارطة النفوذ في المنطقة، يلتزم لبنان الرسمي صمتًا مريبًا. لا موقف من رئاسة الجمهورية، ولا مبادرة من الحكومة، وكأن ما يجري لا يعنيه، رغم أن تداعياته تمس مباشرة أمنه القومي وحدوده الجنوبية ومستقبله السياسي.
في موازاة هذا الغياب الرسمي، يتعرض الجنوب اللبناني لسلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية شبه اليومية، تتراوح بين الغارات الجوية والتوغلات البرية. ففي 30 أكتوبر 2025، توغلت قوة إسرائيلية داخل بلدة بليدا وقتلت موظفًا داخل مبنى البلدية في حادث وصفته الوكالة الوطنية للإعلام بأنه "غير مسبوق". كما شنّت إسرائيل غارات على بلدات الجرمق والمحمودية والعيشية والنبطية، مستهدفة ما وصفته بـ "بنى تحتية إرهابية".
المفكر والطبيب اللبناني فيليب سالم عبّر عن موقف صارم تجاه غياب لبنان عن المشهد، مؤكدًا أن "لبنان يجب أن يلتزم في الصراع مع إسرائيل بما يلتزم به العرب، وألا يكون هذا الصراع كلّه على حسابه وحده". وشدّد سالم على ضرورة بناء دولة مدنية تقودها ثورة فكرية واجتماعية ترفض العنف والسلاح، معتبرًا أن لبنان لا يحتاج فقط إلى إصلاح سياسي واقتصادي، بل إلى نهضة ثقافية تُعيد تشكيل الوعي الوطني، وتُحرّر المجتمع من منطق الانقسام والولاءات الطائفية والفئوية.
المفكر والطبيب اللبناني الدكتور فيليب سالم
في تصريح خاص لـ بيروت تايمز، حذّر المفكر والطبيب اللبناني الدكتور فيليب سالم من خطورة استمرار لبنان خارج دائرة القرار الإقليمي، مؤكدًا أن "غياب الموقف الرسمي في لحظة مفصلية يُنذر بتآكل ما تبقى من السيادة والدور التاريخي للبنان".
وقال سالم: "لا يمكن أن تقوم دولة قوية في ظلّ وجود دويلات. السيادة اللبنانية ترتكز على ثلاث ركائز: الدولة، الجيش، والشعب. وعلى الدويلة أن تُقاد إلى الدولة مهما عَظُم حجمها". وأضاف أن لبنان يجب أن يلتزم في الصراع مع إسرائيل بما يلتزم به العرب، لا أن يتحمّل وحده تبعات المواجهة. وشدّد على أن بناء الدولة لا يكون فقط عبر المؤسسات، بل عبر ثورة فكرية واجتماعية ترفض العنف والسلاح، وتُعيد تشكيل الوعي الوطني على أسس مدنية، ديمقراطية، وسيادية.
تصريحات سالم تأتي في وقت تتسارع فيه التحولات الإقليمية، وهل يملك لبنان الإرادة السياسية ليُعيد تعريف موقعه؟ أم سيبقى خارج المعادلة، يتلقى النتائج دون أن يشارك في صياغتها؟
أسئلة مصيرية عن واقع لبنان ومحيطه… أجاب عليها الدكتور فيليب سالم
■ هل لزيارة الرئيس السوري إلى واشنطن علاقة بما جرى في غزة؟
بحسب مصادر دبلوماسية، زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن تأتي في سياق أوسع لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية بعد التصعيد الأخير في غزة. الولايات المتحدة تسعى إلى تحييد الجبهات الأخرى، خصوصًا الجبهة السورية، لتفادي أي تصعيد شامل قد يُخرج الصراع عن السيطرة. هذا التحرك يندرج ضمن استراتيجية أميركية تهدف إلى احتواء النفوذ الإيراني في سوريا، وفتح قنوات تفاوضية جديدة مع دمشق، بما ينعكس على أمن إسرائيل ويُخفف الضغط على الجبهة الجنوبية.
التحرك الأميركي تجاه سوريا لا ينفصل عن المشهد اللبناني، إذ أن أي تفاهم سوري–إسرائيلي حول الحدود أو الوجود الإيراني في الجنوب السوري ستكون له انعكاسات مباشرة على لبنان، خاصة في ظل استمرار التوتر بين حزب الله وإسرائيل، وغياب الدولة اللبنانية عن أي مسار تفاوضي رسمي. وبالتالي، فإن زيارة الشرع إلى واشنطن ليست حدثًا منفصلًا، بل جزء من إعادة رسم خارطة النفوذ في المنطقة، حيث يُعاد تموضع اللاعبين الإقليميين، ويُعاد تعريف الأدوار، فيما يبقى لبنان غائبًا عن طاولة القرار.
■ هل هناك فرصة للبنان للانخراط في مسار سلام مع إسرائيل؟
الفرصة قائمة من الناحية النظرية، لكنها تصطدم بجدار الواقع السياسي الداخلي. فلبنان لا يملك حتى الآن توافقًا وطنيًا حول العلاقة مع إسرائيل، ولا حول ملف السلاح غير الشرعي، ولا حول مفهوم التطبيع أو السلام. هذا الانقسام العمودي في بنية النظام اللبناني يجعل أي مبادرة سلام مشروطة بحوار داخلي عميق، يُعيد تعريف موقع لبنان في الصراع العربي–الإسرائيلي.
ورغم أن الرئيس اللبناني جوزاف عون أعلن مؤخرًا استعداد بلاده للتفاوض من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، فإن هذا الإعلان لم يُترجم إلى خطوات عملية، بسبب استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، ورفض إسرائيل الالتزام بوقف إطلاق النار. كما أن المفاوضات غير المباشرة التي تُجرى في الناقورة برعاية دولية وصلت إلى حائط مسدود نتيجة إصرار إسرائيل على خرق الاتفاقات، بحسب تصريحات رئيس الحكومة نواف سلام.
لبنان يُطالب بوقف الاعتداءات، انسحاب إسرائيل من النقاط المحتلة، وإطلاق سراح الأسرى، مع خطة لنزع السلاح جنوب نهر الليطاني، وهي شروط تُظهر أن أي سلام محتمل لا يمكن أن يكون من طرف واحد، بل يتطلب إرادة متبادلة، وضمانات دولية، وتوافق داخلي لبناني حول شكل الدولة وموقعها الإقليمي.
■ هل دعوة توم برّاك إلى حوار مباشر مع إسرائيل واقعية؟
دعوة المبعوث الأميركي توم برّاك إلى حوار مباشر بين بيروت وتل أبيب تُعد جريئة من الناحية الدبلوماسية، لكنها تصطدم بجدار الانقسام الداخلي اللبناني. فلبنان لا يملك حتى الآن موقفًا موحدًا من العلاقة مع إسرائيل، ولا رؤية واضحة لمسار تفاوضي، ولا إجماعًا وطنيًا حول مفهوم التطبيع أو السلام. هذا الانقسام لا يقتصر على القوى السياسية، بل يمتد إلى المجتمع اللبناني نفسه، الذي لا يزال يعيش تحت وطأة ذاكرة الحرب، والاحتلال، والمقاومة.
أي حوار مباشر مع إسرائيل يتطلب أولًا إعادة تعريف الهوية السياسية للدولة اللبنانية، وتحديد موقعها في الصراع العربي - الإسرائيلي. كما يتطلب حسم ملف السلاح غير الشرعي، وتوضيح دور حزب الله في القرار الوطني. من دون هذه الخطوات، تبقى الدعوة إلى الحوار مجرد اقتراح خارجي لا يجد أرضية داخلية صلبة، وقد يُستخدم سياسيًا لتأزيم الوضع بدلًا من حله.
ومع ذلك، فإن تجاهل الدعوة لا يُلغي الحاجة إلى نقاش داخلي صريح حول مستقبل العلاقة مع إسرائيل، خاصة في ظل التحولات الإقليمية، واتفاقيات السلام التي وقّعتها دول عربية عدة. فلبنان لا يمكنه أن يبقى خارج المعادلة إلى الأبد، ولا أن يتحمّل وحده تبعات الصراع، بينما الآخرون يفاوضون ويوقّعون.
■ كيف يمكن تفسير وصف لبنان بأنه "دولة فاشلة"؟
وصف لبنان بأنه "دولة فاشلة" ليس مجرد توصيف دبلوماسي، بل تشخيص لواقع مؤلم، فالدولة اللبنانية تعاني من انهيار مؤسساتي شامل: السلطة القضائية مُسيّسة، القطاع المصرفي منهار، الخدمات العامة شبه معدومة، والجيش اللبناني يعاني من نقص حاد في الموارد والتجهيزات. هذا الانهيار لا يُعزى فقط إلى الفساد أو سوء الإدارة، بل إلى غياب القرار السياسي السيادي، واستمرار وجود سلاح خارج الدولة، وانقسام عمودي في بنية النظام.
لكن هذا الوصف، رغم قسوته، يجب أن يُفهم أيضًا كدعوة إلى التغيير، فالدولة الفاشلة ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة سياسات يمكن تصحيحها. إعادة بناء الدولة تتطلب أولًا الاعتراف بالخلل، ثم إطلاق حوار داخلي حقيقي حول شكل الدولة، دور الجيش، العلاقة مع الطوائف، وموقع لبنان في الإقليم. لا يمكن إصلاح الدولة من دون إعادة تشكيل الوعي الوطني، ولا يمكن استعادة السيادة من دون تفكيك منطق الدويلات.
■ هل نملك اليوم الشجاعة لنختار السلام، ونواجه الحقيقة كما هي، لا كما نتمنى أن تكون؟
الشرق الأوسط تغيّر جذريًا، إذ أصبحت إسرائيل القوة العسكرية الأولى فيه بعد تدميرها غزة، ضربها لبنان وإيران، وانهيار محور الممانعة. سقطت أسطورة "تحرير فلسطين بالسلاح"، وانتهى زمن الشعارات والبطولات الوهمية.
أصبح واضحًا أن طريق القدس لا يمر بالسلاح، بل بالسلام، كما أشار الرئيس الأميركي الذي دعا إلى سلام شامل في المنطقة. لبنان، بعد خمسين عامًا من الحروب، ظنّ أن السلام بات قريبًا، خاصة مع قرارات دولية تدعو لحصرية السلاح بيد الدولة. لكن "حزب الله" عرقل هذا المسار، مهددًا الدولة بالفتنة، مستفيدًا من ضعف الموقف اللبناني الداخلي.
الحوار لم يؤدِّ إلى نزع السلاح، بل إلى إضعاف الدولة. ومع تعثّر تنفيذ القرار 1701، طُرحت فكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل للتوصل إلى اتفاق أمني دائم، شبيه باتفاق الهدنة عام 1949، دون أن يعني ذلك تطبيعًا. لكن "حزب الله" يرفض التفاوض ليبقي قرار الحرب والسلم بيده.
في المقابل، يواصل "حزب الله" عرقلة بناء الدولة، من خلال تعطيل الانتخابات وحقوق المنتشرين اللبنانيين الذين يشكّلون ركيزة صمود لبنان وصورته العظيمة في العالم. فالمشكلة الأعمق ليست فقط في "حزب الله"، بل في غياب القرار السيادي وضعف الحكم، ما يعيد لبنان إلى نقطة البداية، ويهدد الحلم الوطني من جديد.
كما تتطلب الاستعادة فكّ العزلة السياسية، والانخراط في المبادرات العربية والدولية، من دون أن يفقد لبنان خصوصيته أو يُفرّط بسيادته. فلبنان لا يمكن أن يكون محايدًا في زمن التحولات، ولا أن يبقى خارج المعادلة بينما تُعاد صياغة خرائط النفوذ.
■ ما هو دور الجيش اللبناني في هذه المرحلة؟
الجيش اللبناني هو العمود الفقري للدولة، والضامن الأخير لوحدة البلاد. لكنه في هذه المرحلة يواجه تحديات غير مسبوقة: نقص في التمويل، ضعف في التجهيز، تراجع في الرواتب، وغياب في القرار السياسي الذي يُمكّنه من أداء دوره الكامل. في ظل هذه الظروف، يصبح دوره محدودًا، ويُختزل في حفظ الأمن الداخلي، بدلًا من أن يكون قوة ردع وطنية.
لكن رغم هذه التحديات، لا يزال الجيش يحظى بثقة شعبية واسعة، ويُعتبر المؤسسة الوحيدة التي تجمع اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم. لذلك، يجب دعمه ماليًا وسياسيًا، وتحصينه من التدخلات، وتوفير بيئة تشريعية تُعيد له دوره الطبيعي في حماية الحدود، وتنفيذ القرارات الدولية، وضمان السيادة.
دور الجيش لا يقتصر على الأمن، بل يمتد إلى بناء الدولة. فهو رمز لوحدة القرار، ومؤشر على جدّية الدولة في استعادة سيادتها. وكل مشروع إصلاحي لا يضع الجيش في قلب المعادلة، يبقى ناقصًا، ومهددًا بالفشل
■ لماذا يتعرض الجنوب اللبناني لسلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية شبه اليومية؟
الجنوب اللبناني يشهد اعتداءات إسرائيلية متكررة، تشمل غارات جوية، قصفًا مدفعيًا، وتوغلات برية في بلدات مثل بليدا، عيتا الشعب، كفركلا، والجرمق. إسرائيل تبرّر هذه العمليات بأنها ردّ على نشاطات لحزب الله، خصوصًا ما تعتبره تهديدًا من وجود صواريخ ومنشآت عسكرية قرب الحدود. لكن هذه الاعتداءات تُعد انتهاكًا صارخًا للقرار الدولي 1701 وللسيادة اللبنانية، وتؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين وتدمير البنية التحتية. استمرارها في ظل غياب موقف رسمي واضح يُظهر هشاشة القرار السياسي، ويطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الدولة على حماية مواطنيها، وعلى استعادة زمام المبادرة في لحظة إقليمية مفصلية تتطلب وضوحًا في الرؤية والموقف.
■ هل يمكن للبنان أن يخرج من أزمته الاقتصادية دون تسوية سياسية؟
لا، لا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية في لبنان عن السياق السياسي الذي أنتجها. فالأزمة المالية التي بدأت بانهيار القطاع المصرفي في 2019، وتفاقمت بفعل غياب الإصلاحات، لم تكن مجرد خلل تقني أو سوء إدارة، بل نتيجة مباشرة لانعدام التوافق السياسي حول هوية الدولة، وغياب القرار السيادي في الملفات الكبرى.
الاقتصاد اللبناني اليوم يعاني من فقدان الثقة داخليًا وخارجيًا، ومن غياب أي رؤية إنقاذية موحدة. فكيف يمكن جذب الاستثمارات أو استعادة أموال المودعين أو التفاوض مع المؤسسات الدولية، في ظل انقسام سياسي حاد حول موقع لبنان الإقليمي، وسلاح خارج الدولة، وغياب حكومة فاعلة؟ التسوية السياسية ليست خيارًا تجميليًا، بل شرط بنيوي لأي تعافٍ اقتصادي.
لبنان يحتاج إلى اتفاق داخلي واضح حول شكل الدولة، دور الجيش، العلاقة مع إسرائيل، وموقعه في الصراع العربي–الإسرائيلي. من دون هذا الاتفاق، تبقى كل الخطط الاقتصادية مجرد أوراق بلا تنفيذ، وكل وعود الإصلاح رهينة التجاذبات. فكما أن الاقتصاد لا يزدهر في ظل الفوضى، فإن الاستقرار لا يُبنى على أرضية سياسية مهترئة.
■ الغياب والمبادرة ■
إن غياب لبنان عن هذه اللحظة المفصلية لا يُفسَّر فقط بالعجز، بل يُنذر بتآكل ما تبقى من دوره التاريخي. فبينما تتحرك العواصم وتُبنى التفاهمات، يبقى لبنان غارقًا في أزماته، بلا حكومة فاعلة، ولا سياسة خارجية واضحة، ولا موقف من الملفات الكبرى. الوقت لا ينتظر. وعلى القيادة اللبنانية أن تبادر فورًا إلى استعادة زمام المبادرة، وتحديد موقع لبنان في المعادلة الإقليمية الجديدة، قبل أن يُفرض عليه واقع لا يملك فيه سوى أن يتلقى النتائج.













11/04/2025 - 11:32 AM
.jpg)




Comments