
آدم بسمة… ذاكرةٌ راقصة تحمل لبنان إلى العالم
لوس أنجلوس – بيروت تايمز
تحقيق صحفي موسع | بقلم منى إبراهيم
آدم بسمة… ذاكرةٌ راقصة تحمل لبنان إلى العالم
حين يصبح الجسد لغةً تكتب بها الذاكرة، تتحوّل الرقصة إلى شهادة. من قرية جنوبية صغيرة في لبنان إلى خشبات مسارح لوس أنجلوس، يقدّم آدم بسمة صورةً مغايرة عن الوطن: لبنان الذي لا تُحصر معالمه في خرائط الأزمات، بل يُقرأ في حركات تتدفّق من عمق التقاليد إلى حضارة العرض المعاصر. هو ليس مجرد مؤدٍ؛ هو ناقل لخطاب استعراضي يربط بين الجذر والانتشار، بين الفلكلور والابتكار، وبين الحنين والاحتفاء.

آدم تربّى في فضاءٍ يتنفس الموسيقى والاحتفال الجماعي. الدبكة والزجل كانا عناصر تكوينه الأولى، داخل فرقة فولكلورية محلية تعلّم فيها أن الحركة وسيلة للحفظ والتواصل. الهجرة في سنٍ مبكرة نحو الولايات المتحدة مثلت اقتلاعًا جغرافيًا ونضوجًا فنيًا في آن واحد: اقتلع جسده من أرضٍ اعتاد أن تحيط به ذاكرته الجماعية، لكنه أبقى تلك الذاكرة حية في كل عرض يقدم؛ فالجسد عنده سجلّ لا يموت.
تحدّي التمثيلات النمطية للرقص الشرقي
في لوس أنجلوس واجه تحدّي التمثيلات النمطية للرقص الشرقي، فاختار مواجهة هذه التصورات عبر إعادة الصياغة: تحويل الرقص من عنصر عرضي إلى سرد بصري متكامل. لم يكتفِ بتكرار خطوات تقليدية، بل وظّفها كشفرات تعيد قراءة التاريخ الشخصي والجماعي. في عروضه تختلط الدفوف بالإلكترونية، وتتناغم الدبكة مع تقنيات الإضاءة والسينوغرافيا الحديثة، لتقدّم تجربة لا تشبه عروض الفولكلور التقليدية ولا عروض الرقص الغربي المعاصر فحسب، بل نصًا استعراضيًا يطرح أسئلة عن الاغتراب والتمثيل والذاكرة.
دوره في الفن الاستعراضي اللبناني يتقاطع مع إرثٍ وطنيٍ عميق. إذا كانت المدرسة الرحبانية، وفرقة كركلا، وفيروز وصباح ونصري شمس الدين وملحم بركات قد صاغت صورةً أصيلةً للفن اللبناني باعتباره بناءً سرديًا متعدّد الوسائط، فإن آدم يمثل امتدادًا لهذا الخط في منفى جديد. لا يقلّد، بل يستعير ويبدع: من الرحباني يستلهم السرد البصري والرمزية الوطنية؛ من كركلا يأخذ حسّ الجماعة والدمج بين الفولكلور والحداثة؛ أما من أيقونات الصوت والحضور فيُستمدّ الإحساس بالكرامة المسرحية. هويته الفنية إذن هي خليط من جذور راسخة ونظرة مسرحية عابرة للحدود.
قراءة عروضه تكشف عن بنية درامية محكمة
يطرح العرض عنده كمسرح جسدي يبدأ بلحظة إدخال حسّي — صوت أو لحن أو ضوء — يتصاعد تدريجيًا نحو ذروة ذات طابع شعوري، ثم يترك المتلقي في تأمل أو سؤال. الرمزية الجسدية عنده ليست زخرفة؛ بل أداة سردية: قطعة قماش تتحول إلى علم مفقود؛ عباءة سوداء تصبح خريطة نزوح؛ وحركة مفصّلة تحيل إلى قصّة أسرة أو قرية. الموسيقى المختارة تخرج من طيف الدبكة والزجل إلى مزجٍ مع إيقاعات إلكترونية ومعالَجات صوتية تفتح محاور تواصل مع جَمهور عالمي من دون أن تُمحى ملامح الهوية اللبنانية.

عروضه الاستعراضية
مثالٌ واضح على هذا النهج. يبدأ العرض الفني الراقص بصوتٍ موسيقي أقرب إلى الهمس، ثم يتصاعد لحن دبكي ينفتح على طبقات صوتية ومعالجة بصرية بألوان تتماشى مع الموسيقى. دخول الفنان آدم الى المسرج مرتديًا عباءة سوداء لا يحمل فقط طابعًا بصريًا، بل يرمز إلى تاريخ نزوح وانقسام داخلي. لا تحتاج الكلمات هنا: يتواصل الجمهور عبر جسد يحمل ذاكرة. في تلك العروض يظهر المنفى ليس كغربة فردية فحسب، بل كمخزون صورٍ ومشاهد تُعاد قراءتها وتُعرض كأرشيف حيّ.
تأثير آدم لا يقتصر على خشبة المسرح. اسمه ساهم في تعريف جمهورٍ أكبر بقصة رحلته الفنية والدور الذي لعبه في تثبيت صورة لبنان خارج حدوده، جعل منه حالة تُناقش في جامعات ومهرجانات الشباب. الطلاب والمشاهدون الشباب يرون في تجربته نموذجًا عن كيف يمكن للفن أن يكون وسيلة بقاء وجدلية هوية. الكثير من المدارس التمثيلية ومراكز الرقص في المهجر وجدت في عروضه مادة دراسية، وفي طريقة اشتغاله مدخلًا لتعليم كيفية تحويل التراث الشعبي إلى خطاب معاصر دون تقليد سطحي.
هذا الأثر على الجيل الجديد تجلّى أيضًا على مستوى المشاركة المجتمعية: حفلاته في مناسبات لبنانية أو في مناسبات الجاليات عادة ما تتحول إلى فضاءات التقاء بين أجيال، حيث ترجع أمهات وأباء من جمهور الماضي ليروا ما كانت تشكله الذكريات، ولتلتقيهم أصوات شباب يبحثون عن حضور مختلف. في هذه اللحظات يصبح العرض مساحة لإعادة التكامل الاجتماعي والهووي، ليس فقط للمتعة وإنما للذاكرة الجمعية.

على مستوى التحليل الفني المباشر، تتميز عروض آدم بعدة عناصر تقنية وفنية: أولًا، بنية العرض المتكاملة التي تضع السرد البصري في واجهة العمل؛ ثانيًا، استخدام الرمزية الجسدية بحيث لا تكون تبعية للكلمات؛ ثالثًا، مزج الأصوات التقليدية مع وحدات إلكترونية ومعالجات صوتية تخلق أفقًا سماعيًا معاصرًا؛ ورابعًا، السينوغرافيا التي توظف الأزياء والإضاءة كخرائط للحالة النفسية والتذكارية. هذه العوامل تجعل من عروضه نماذج يمكن دراستها في مساقات المسرح الجسدي وفن الأداء.
الاحتفاء الشعبي الذي يرافق عروضه، ليس مجرد نجاح تسويقي، بل انعكاس لاحتياج جماعي إلى استعادة صورة ذات طابع جميل عن الوطن. الجمهور لا يشتري مجرد عرض؛ بل يستعيد طقوسًا وذاكرة، ويشهد على وجود خطاب فني يعيد تشكيل الأهمية الرمزية للحياة اللبنانية خارج حدود الوطن. المشهد الذي يتكرر بعد نهاية العرض، البكاء الجماعي أو التصفيق الذي يتحول إلى رقصات يوضح أن الفن هنا لا يعالج فقط فراغًا إبداعيًا، بل يبلور عِلاقة جديدة بين الجَمهور وفنّه.
آدم بسمة لا يقدّم نفسه كأيقونة منفصلة عن المجتمع. هو جزء من شبكة فنية واسعة تشمل صناع رقص، موسيقيين، مخرجين، ومصممي إضاءة يدعمون رؤيته. وعبر هذا التعاون تتشكل عروض تحمل حسًّا جماعيًا بامتياز: عرض واحد يمكن أن يكون نتيجة سنوات من الاشتغال المشترك، بحثًا عن لغة جديدة تربط الماضي بالحاضر، والهوية بالتجربة العالمية.

اين تكريم وزارة الثقافة اللبنانية
من زاوية المؤسسات الرسمية في لبنان، يبرز سؤال ملحّ: أين مكان هؤلاء الفنانين في استراتيجية الثقافة الوطنية؟ وزارة الثقافة اللبنانية، التي احتفت تاريخيًا بأسماء كبيرة داخل لبنان وخارجه على حد سواء، أمامها فرصة لتوسيع مفهوم التكريم ليشمل مبدعي الانتشار. تكريم آدم بسمة وغيره من الفنانين هو ليس مجرّد لفتة رمزية، بل تأكيد على أن الهوية الوطنية تتغذّى من الانتشار، وأن الاعتراف بالمبدعين في الخارج يعيد ربط الأمة ببُنيتها الثقافية الممتدة. دعمٌ رسمي قد يتخذ أشكالًا متعددة: دعوات للعروض داخل لبنان، منح إنتاجية، برامج تبادل فني، أو حتى وسام رسمي يوازي ما منحت الدولة لسواهم من أيقونات. مثل هذا الاعتراف سيكون رسالة واضحة للفنانين: أن النجاح خارج الحدود لا يعني انفصالًا عن الانتماء.
الفنانون في الانتشار
هم سفراء استثنائيون؛ هم من يعكسون صورة بلدهم كما يريدون أن تُرى، وليس كما تُعرض في عناوين الأخبار. آدم بسمة مثال حيّ على ذلك: في كل مشهدٍ يقدّمه، يختار أن يضع لبنان في مركز المشهد بعرضٍ يراعي الأبعاد الإنسانية والكرامة التاريخية للمنزل. وهنا تأتي أهمية أن تعي المؤسسات أن الاحتفاء بالمبدعين لا يقل أهمية عن السياسات الثقافية المحلية؛ لأن الإرث الثقافي يستمرّ عبر حِفظه وتكريمه ضمن شبكة علاقات دولية.
ختامًا، يبقى الفنان الاستعراضي آدم بسمة ذاكرةً متحركةً لوطن لا يهدأ ولا يكن. هو نموذج فني يستحق أن يُعترف به رسميًا وبمجتمعه، لأن فنه لا يعيد إنتاج ماضٍ فقط، بل يصوغ حاضرًا جديدًا لوعي لبناني قادر على التجدّد. تكريمه ليس ترفًا، بل استثمار في صورة الوطن، وفي مستقبلٍ ثقافي يواكب حركة العالم بينما يحافظ على جذور لا تنكسر. في زمنٍ تُختزل فيه القصص إلى عناوين، يذكرنا آدم أن الجسد يمكنه أن يحكي تاريخًا، وأن الرقصة قد تكون أبلغ من أي تصريح رسمي.
















11/03/2025 - 07:25 AM





Comments