سلسلة "عظماء من بلادي"
منذ انطلاقتها، التزمت "بيروت تايمز" بأن تكون أكثر من منبر إعلامي؛ أن تكون مرآةً تعكس وجوه لبنان المشرقة في الداخل والانتشار، وأن توثّق سِيَر أولئك الذين حملوا الوطن في قلوبهم، ورفعوا اسمه في المحافل العالمية، كلٌّ في مجاله، وكلٌّ بطريقته.
في سلسلة "عظماء من بلادي"، نسلّط الضوء على شخصيات لبنانية استثنائية، لم تكتفِ بتحقيق النجاح الفردي، بل جعلت من إنجازاتها جسورًا تصل بين لبنان والعالم، وأسهمت في ترسيخ صورة وطنٍ نابض بالحياة، رغم كل ما يمرّ به من أزمات. هؤلاء العظماء هم رواة حقيقيون لحكاية لبنان الآخر: لبنان الإبداع، والريادة، والكرامة.
وفي الحلقة الحادية عشرة من هذه السلسلة، نفتح صفحات من سيرة القنصل الفخري الراحل إبراهيم حنا، ابن بلدة كرخا الجنوبية، الذي لم يكن مجرد رجل أعمال ناجح، بل كان سفيرًا للهوية اللبنانية في بلاد الاغتراب، ومؤسسًا لإمبراطورية غذائية حملت نكهة الوطن إلى موائد الأميركيين والكنديين، ومثالًا نادرًا على الجمع بين الدبلوماسية والريادة والوفاء للجذور.
في هذه المحطة، نروي حكاية رجلٍ آمن بأن لبنان لا يُختصر بجغرافيته، بل يُروى من خلال أبنائه، حيثما حلّوا، وحيثما أبدعوا.
القنصل اللبناني الراحل إبراهيم حنا وزوجته السيدة ليلى أن يحوّلا الطعام إلى رسالة هوية وثقافة.
* شارل حنا لـ "بيروت تايمز": والدي ووالدتي هما تاج رأسي.

كرخا، جنوب لبنان – بيروت تايمز – تحقيق منى حسن
وُلد إبراهيم بشارة حنا عام 1934 في بلدة كرخا – قضاء جزين، وبدأ حياته موظفًا في وزارة العدل في لبنان. ومع اندلاع الحرب الأهلية، هاجر إلى الولايات المتحدة حيث تابع مسيرة النجاح والعطاء، فكان مثال اللبناني المجتهد الذي لا ينسى جذوره.
إمبراطورية الأكل اللبناني: من مطبخ المنزل إلى الأسواق الأميركية
مع زوجته ليلى، بدأ إبراهيم حنا مشروعًا صغيرًا في مطبخ منزلهما، يعدّان فيه أطباق الحمص والتبولة والمتبل والفلافل – نكهات لبنان الأصيلة.
لكن الشغف سرعان ما تحوّل إلى إمبراطورية غذائية حملت اسم Cedar’s Foods، اتخذت من شجرة الأرز اللبنانية شعارًا لها، فغزت الأسواق الأميركية والكندية، وقدّمت للمستهلك الغربي المذاق اللبناني الأصيل في معلبات تحمل رمز الوطن.
شركة Cedar’s كانت من أوائل الشركات التي عرّفت الأميركيين إلى الحمص المعلّب الطازج الخالي من المواد الحافظة، وشيئًا فشيئًا تحوّلت إلى علامة رائدة في مجال الأغذية المتوسطية، تتوزع منتجاتها اليوم في آلاف المتاجر في الولايات المتحدة وخارجها.
لقد استطاع رجل الأعمال إبراهيم حنا وزوجته السيدة ليلى أن يحوّلا الطعام إلى رسالة هوية وثقافة، وأن يقدّما لبنان للعالم عبر نكهة نظيفة وصورة مشرقة. وهكذا، لم يكتفِ حنا بتمثيل لبنان دبلوماسيًا، بل مثّله على موائد الناس في بيوتهم.

في عام 2005، عُيّن قنصلاً فخريًا للبنان في ولاية ماساتشوستس، وكرّس وقته لخدمة الجالية اللبنانية، ساعيًا إلى توثيق روابط المغتربين بوطنهم الأم، وممثلاً لبنان بأخلاقه وثقافته وتفانيه.
إبراهيم حنا من أبرز الأسماء في عالم الاغتراب اللبناني
رحيل القنصل اللبناني الفخري لولاية بوسطن الأميركية، إبراهيم حنا، أقل ما يقال عنه إنه لا يُعوّض، فقد كان مثالًا حيًا للمغترب اللبناني الذي حمل معه لبنان أينما ذهب، والذي لم يتوانَ عن خدمة اللبنانيين ورفع اسم وعلم لبنان عاليًا.
الراحل إبراهيم حنا من أبرز الأسماء في عالم الاغتراب اللبناني، وقد استحق بجدارة أن يكون حديث الإعلام، بهدف تسليط الضوء على مسيرته الحافلة ليكون شعاع أمل في بلد يشهد الأمرّين سياسيًا واقتصاديًا.
ارتبط اسم الراحل إبراهيم حنا باستحقاقين اثنين أدخلاه التاريخ: فهو أول من تمكّن من إدخال ثقافة جديدة إلى المجتمع الأميركي، الذي لطالما نشر ثقافته في العالم ونادرًا ما كان يحصل العكس. نعم، خرق القنصل إبراهيم حنا المجتمع الأميركي بأشهر طبقين لبنانيين... الحمص والتبولة، وفي إطار ثوري أيضًا... بالعلبة! كما أنه عمل جاهدًا على تسجيل اللبنانيين في دائرة النفوس اللبنانية بالرغم من الاغتراب. حمل حنا مسؤولية تجاهلتها الدولة اللبنانية للأسف، بهدف تمتين الروابط بين المغتربين وأرضهم الأم.
مشروع الراحل إبراهيم حنا في أميركا يخفي قصة طريفة لا يعرفها الكثيرون، تنمّ عن إصراره الكبير على نجاحه مهما كلّف الأمر. عندما بدأ حنا بالتعامل مع محال البقالة في أميركا لبيع علب الحمص، كان يرسل أصدقاءه ومعارفه لشرائها لكي تتشجع المحال وتتعاقد معه من جديد.
البدايات الخالدة
قرر الراحل إبراهيم حنا التوجه إلى الولايات المتحدة عندما ساءت الأحوال الأمنية في لبنان، واختار الإقامة في مدينة سالم ليكرّس نفسه خادمًا أمينًا لمواطنيه الذين سبقوه، وإلى معارفه الكُثر في تلك الحقبة.
حبّه الكبير للخدمة وللاستماع إلى مشاكل وحاجات الناس ورثه عن والده المرحوم بشارة حنا، فكان هذا الشبل حقًا من ذاك الأسد. بدأ الأمر منذ أن كان في لبنان، حيث اختاره أهل بلدته كرخا رئيسًا لبلديتها، ما زاده حبًا للمسؤولية وللعطاء من دون مقابل، وقد حمل معه هذا الأمر إلى بلاد الاغتراب.
دخل الراحل إبراهيم حنا عالم الأعمال في أميركا من باب المأكولات، بحيث أطلق وزوجته ليلى علامة "سيدرز فود" لإدخال الأطباق الشرق أوسطية إلى الولايات المتحدة الأميركية، فكانا يحضّران طبق الحمص بنفسيهما داخل مطبخ منزلهما ويرسلونه إلى محال البقالة المجاورة.
توسعت عمليات الإنتاج بسرعة لتشمل طبق التبولة أيضًا، لينتقل المشروع العائلي من المطبخ إلى معمل كبير يؤمّن البضاعة لسلسلة متاجر متعددة عبر الولايات الأميركية المختلفة. وفي أوائل التسعينيات من القرن المنصرم، أصبحت علامة "سيدرز فود" العلامة الأولى في صناعة الحمص في نيوإنغلاند، وباتت علامتها الفارقة خلوها من المواد الحافظة.
السرّ الثاني لنجاح علامة "سيدرز فود" هو التزامها بالوصفة وبالطريقة التقليدية لصناعة الحمص، التي أحضرها معه الراحل إبراهيم حنا من لبنان واتبعها في أميركا، بمعنى آخر: طريقة أجدادنا، حيث يتم نقع حبات الحمص في الماء لحوالى 14 ساعة، ومن ثم يُطحن وتُضاف الطحينة إليه باستخدام أحدث التقنيات والآلات. مع الوقت، باتت شركة "سيدرز فود" تنتج أكثر من مليوني رطل من الحمص وتوزّعها عبر القارة الأميركية.
شاع نشاط المغترب الراحل إبراهيم حنا في لبنان، ما دفع كبار المسؤولين اللبنانيين إلى تسميته قنصلاً فخريًا لنيوإنغلاند في مدينة بوسطن العريقة، حيث قام بتأمين مقرّ واسع للقنصلية الفخرية في قلب المدينة، وغطّى العلم اللبناني طوابق البناء حتى أضحى البيت اللبناني الاول في الاغتراب.

شارل حنا لـ "بيروت تايمز": والدي ووالدتي هما تاج رأسي
في حديث خاص لـ"بيروت تايمز"، عبّر شارل حنا، نجل القنصل الفخري الراحل إبراهيم حنا، عن امتنانه العميق لوالديه، قائلًا: "والدي ووالدتي هما تاج رأسي". بكلمات بسيطة ولكنها مشبعة بالوفاء، اختصر شارل حنا جوهر العِلاقة التي شكّلت شخصيته، وأرست دعائم مسيرته المهنية والإنسانية.
حامل الشعلة وصوت الأرز في الاغتراب
يسري حبّ الخدمة في عروق آل حنا، من الجد إلى الأب إلى الابن، كإرثٍ عائلي لا ينطفئ. ومن هذا الامتداد النبيل، حمل شارل حنا شعلة العطاء بكل فخر، واضعًا على عاتقه مسؤولية مواصلة المسيرة الإنسانية التي بدأها والده، ومجددًا عهد الوفاء للبنان وأهله في كل مفترق طرق واستحقاق مصيري.
في زمن الجائحة، تجلّى هذا الالتزام بوضوح، حين تبرّع شارل بخمسين ألف لقاح مضاد لفيروس كورونا لصالح الجيش اللبناني، دعمًا لجهوده في حماية المواطنين والتخفيف من وطأة الأزمة الصحية. لم تكن هذه المبادرة سوى امتداد طبيعي لمسيرة والده، الذي قدّم للبنان والاغتراب خدمات يصعب حصرها، وإن كان ما يمكننا قوله وبالفم الملآن هو أن ذكره سيبقى مؤبّدًا في الوجدان الوطني.
بعد رحيل القنصل الفخري إبراهيم حنا، لم تنطفئ الشعلة، بل انتقلت إلى يدٍ أمينة. واصل شارل حنا المسيرة العائلية، مطوّرًا إرث والده إلى مستوى عالمي، حيث توسّعت شركة Cedar’s Foods تحت قيادته، وواصلت رفع شعار الأرز اللبناني على كل منتج، تأكيدًا لانتمائها إلى الجذور، وتجسيدًا لهوية وطنية لا تتبدّل مهما ابتعدت المسافات.
لم يكن النجاح التجاري هدفًا منفردًا في حياة شارل، بل ظلّ لبنان في صدارة اهتماماته. فدعم الجيش، وساهم في تعزيز قدرات المستشفيات والجمعيات الخيرية، مثبتًا أن النجاح في الاغتراب لا يكتمل إلا بالعطاء للوطن الأم، وأن الوفاء للجذور هو ما يمنح الريادة معناها الحقيقي.
كلمة تقدير من "بيروت تايمز"
في رحيل القنصل الفخري إبراهيم حنا، تنحني الكلمات أمام سيرة رجلٍ جسّد المعنى الحقيقي للاغتراب اللبناني الناجح، وحمل وطنه في قلبه حيثما حلّ. لقد كان الراحل مثالًا للريادة، والالتزام، والعطاء، فحوّل المطبخ اللبناني إلى سفير ثقافي في الغرب، وجعل من الهوية اللبنانية نكهةً تُحفظ في الذاكرة وتُقدَّم على موائد العالم.
تتقدّم "بيروت تايمز" بتحية إجلال وتقدير لمسيرة هذا الرجل الذي لم يكتفِ بتمثيل لبنان دبلوماسيًا، بل مثّله إنسانيًا، اقتصاديًا، وثقافيًا، فكان صوتًا للكرامة، وصورةً مشرقة عن لبنان الذي نحب ونحلم به.
إبراهيم حنا سيبقى في وجداننا، وفي صفحاتنا، وفي كل قصة نجاح نرويها عن أبناء الوطن الذين لم ينسوا جذورهم، بل جعلوا منها منارةً في بلاد الاغتراب.













10/25/2025 - 19:33 PM





Comments