تحيّة إلى المبدع الرّاحل من قريتي توفيق وهبه
السفير د. هشام حمدان
خسرت قرية البنيه في قضاء عاليه، قبل بضعة أشهر، شابا نموذجيا من نماذج وطننا لبنان. كنت أمرّ أمام بيته الملتحف سفح الجبل، فأتوقف أمام طريقة بنائه الفريدة حيث أنّ حجارته هي من الحجارة الطّبيعيّة المنتقاة عشوائيّا من أراضي السّليخ المجاورة، لكنّني لم أكن أتوقّع أبدا أن أجد نفسي عندما قمت في 25 كانون الثّاني 2020، بزيارته، أمام نموذج عمراني نادر، جمع بين الطّريقة المعماريّة القديمة، والاستخدامات الحديثة، واستغلت فيه موادا بسيطة بطريقة ذكيّة، ردميات من بيوت كان أعيد ترميمها فأعاد بريقها ورونقها القديم.
في الواقع، لم يكن يخطر ببالي أبدا أنّني سأتعرّف على إنسان لبناني آخر يؤكّد لي من جديد، كم هو غنيّ هذا الوطن بإنسانه، وكم أنّ قيمته العظيمة، تكوّنت بفعل عظمة عطاءات أبنائه الذين صنعوا الأعاجيب بفعل إراداتهم الصلبة، وقوّة الشّكيمة التي تتملكهم، وعظمة الإيمان الذي يغمرهم، وعمق القيم الإنسانيّة المتوارثة التي يعشقونها. في هذه اللّحظات القليلة إكتشفت أنّني أقف أمام إنسان مجبول بروح العطاء، والمحبة، وبالذّكاء الحاد، والإبداع، وبالقيم التي شربها من محيطه القروي، وبالتصاقه بتراب أرضه وعشقه لوطنه. هو الصّديق توفيق وهبه الذي استقبلني وزوجتي عفاف برفقة شريكة حياته السّيدة بشرى، وجال معنا في منزله الرّائع.
دخلت مع زوجتي إلى الطّابق الأرضي الذي لم يستكمل بعد، وقد رصفت في جوانب منه، مجموعة كبيرة من المعدّات والأواني التّراثيّة التي استخدمها كبار قريتنا منذ عشرات السّنين لحراثة الأرض، وخدمة الزّراعة، وأشغال البناء، وحدل الأسقف التّرابيّة، وتقطير العرق، وخزن الزّيت والزّيتون. كما انتشرت فيه أيضا، القناديل والبابورات الكازيّة، وأدوات النّجارة والنّحت، والسّلالم، والأطباق، والطّناجر، وماكينات الخياطة، وغيرها الكثير من مثل هذا المخزون الذي تجمعه كبريات الدّول الحضاريّة في متاحف مميّزة تعكس من خلالها حركة التّطوّر في تراثها الإنساني القروي الثّقافي القديم.
توفيق وهبه قام بمبادرة ذاتيّة فجمع من الأهالي في قريتنا الصّغيرة، هذا المخزون الرّائع، ورصفه بقدراته الذّاتيّة المتواضعة في مساحة عمرانية صغيرة، فسدّ ثغرة مؤسفة في العمل الثّقافي الرّسمي الذي تجاهل الحاجة لحفظ الثّقافة الأصليّة في وطننا، ولم يقدّر تلك القيمة الرّائعة لمقتنياتنا القديمة التي تعكس ثروة ثقافيّة لا تقدّر بثمن. هذه الثّقافة الأصليّة التي تفرض الأمم المتّحدة قوانين تحميها تحت عنوان حقوق الإنسان، والتي تجعلها أحيانا من خلال الأونيسكو، جزءا من تراث الإنسانيّة.

استمرّ توفيق وهبه يعمل بمفرده. ولم يحظ بمن يستجيب لتطلّعاته الحكيمة، أويساعده في تحقيق هذا الإنجاز المميّز الذي لا أتردّد بأن أصفه بأنّه إنجاز وطني حقيقي. وتوفيق وهبه لم يتوقّف هنا فقط، بل أنّه عمل وبجهد فردي خاص، لإقامة ما يسمّيه مضافة يجمع فيها كبار أهل الضّيعة، بغية نقل حكاياتهم إلى شباب اليوم، علّهم يعودون إلى ثقافة التّعاون والتّلاقي والإختلاط الإجتماعي الذي يكاد يذوي مع التّقدّم التكنولوجي، واختلاف المصالح وظروف الحياة.
ولا أخفي كم أنّنا زوجتي وأنا، دهشنا لما صنعه هذا الفنّان المبدع من حجارة الأراضي من لوحات رائعة في حيطان منزله، وقناطرها، وفي حيطان سفح الجبل من حوله، حيث حوّل التّلال والصّخور المزنّرة لبيته إلى سلسلة من الممرّات والمساحات تتفجر من بينها الينابيع، وتتوسّطها أشجار الصّنوبر الخضراء، وتنيرها الأنوار من كلّ جانب. توفيق وهبه قام بكلّ هذا الإنجاز بمفرده، مستخدما يديه وحرفيّته، فهو من بنى الجدران، ورصف الحجارة حجرا حجرا، وبنى القناطر داخل منزله، وأقام الأسقف من خشب مصانع الحجارة المرميّة. ومد جسورا فيها من تبن وماء. واخترع سدّادات من عصا المكانس والمعاول، لكي تغطّي المسامير، واستغلّ خشب أعمدة الهاتف المرميّة، والأخشاب المنسيّة، لإقامة المتّكيات بين الممرّات والمساحات التي امتدّت بين الصّخور والتّلال من حول بيته. وهو أقام نوافير المياه والشّلالات والينابيع، ورفض أن يقطع أيّ من شجر الصّنوبر المنتشر بين ضلوع الجبل.
توفيق وهبه جعل من نفسه نموذجا جديدا لأرادة الإنسان اللّبناني وقدراته التي لا تنتهي رغم كلّ الظّروف والمآسي التي مرّ وما زال يمر بها، لحوالي نصف قرن. زاره أصدقاؤه من القرى المجاورة ولا سيّما من قرية دفون التي شهدت دورا مميّزا له في إعادة إعمارها، فتوقفوا عند القناطر وقالوا أنّها تبدو على شكل صليب بغية الإشارة إلى دوره الكبير في إعادة إعمار قريتهم، فرد لافتا أنّها خمسة مشيرا إلى الحدود الخمسة عند دروز قريته، وأكمل قائلا "أنهل من المعينين".
أود أن أعرب عن تقديري لرئيس البلدية في البنيه الذي سعى إلى تحويل الطابق الأرضي في مبنى توفيق إلى متحف برعاية البلدية ونشجع المغترب اللبناني ولاسيما شبيبتنا، بأن يزوروا هذا المتّحف.
تحيّة لروحك يا توفيق، ووعد أن نحمل نموذجك الثّقافي إلى العالم لأنّك النموذج الحقيقي للمواطن اللّبناني الذي تحدّث عنه جبران خليل جبران، ولفت إليه قداسة البابا يوحنّا بولس الثّاني كصانع لدولة الرّسالة. شكرا أيها الصديق لتلك اللّحظات الرّائعة التي أغنيت بها معرفتي بالتّحوّلات سواء في قريتي أو في محيطها وبين أبناء الوطن، بعد غيابي لأكثر من أربعين سنة في عملي الدّبلوماسي.













01/29/2025 - 11:42 AM





Comments