تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

الروليت الروسية في باكستان: أزمة البشتون تهدد بزلزلة آسيا الوسطى

سعيد بتروني

بدأت باكستان عام 2026 بالطريقة نفسها التي يبدو أنها مقدرة لها أن تنهيه بها: مثل قرد يلعب لعبة “الروليت الروسية” بمسدس محشو بالكامل في جميع حجراته الست. لقد أصبحت اللعبة السياسية متهورة بشكل متزايد، والمخاطر مرتفعة إلى حد خطير، ولا يبدو أن أحداً يعرف من سيسحب الزناد في المرة القادمة.

وما بدأ كمواجهة بين إسلام آباد والحركة السياسية البشتونية يتطور الآن إلى أزمة جيوسياسية أكثر خطورة، مما يهدد بربط النضال السياسي الداخلي في باكستان بالكارثة الإنسانية في أفغانستان، والمصالح الاستراتيجية المتنافسة لروسيا والصين في آسيا الوسطى.

وقد ظهرت علامات التحذير مبكراً؛ ففي الخامس من فبراير، أيدت محكمة بيشاور العليا قرار الحكومة الصادر في أكتوبر 2024 بحظر “حركة تحفظ البشتون” (PTM) بموجب قانون مكافحة الإرهاب، ورفضت هيئة قضائية مكونة من قاضيين التماسات قدمها زعيم الحركة منظور أحمد بشتين ونشطاء آخرون للطعن في هذا التصنيف.

وبعد مرور تسعة أشهر، تصاعد الموقف إلى مواجهة أكثر خطورة؛ ففي الحادي عشر من أكتوبر، أعلن الرئيس آصف علي زرداري حالة الطوارئ في إقليم “خيبر بختونخوا”، معلقاً الإدارة الإقليمية المنتخبة التابعة لحزب “باكستان تهرّيك إنصاف” (PTI)، وهو الحزب الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق المسجون عمران خان. بررت حكومة شهباز شريف هذا التدخل بالإشارة إلى تصاعد الهجمات المسلحة ومزاعم فشل الإدارة الإقليمية في التعاون مع عمليات مكافحة الإرهاب.

ولكن وراء المبرر الأمني تكمن مواجهة سياسية لا تخطئها العين؛ إذ أطاحت حالة الطوارئ بحلفاء خان السياسيين في الوقت الذي كان فيه أنصار الحزب يحتشدون للسير نحو إسلام آباد للمطالبة بإطلاق سراحه. وقد أدى احتجاز رئيس الوزراء الإقليمي سهيل أفريدي وشخصيات حزبية أخرى إلى تكثيف الاتهام بأن سلطات الطوارئ تُستخدم لتفكيك المعقل الرئيسي للمعارضة، ليصبح الحد الفاصل بين محاربة الإرهاب وقمع المعارضة السياسية ضبابياً إلى حد خطير.

ومع ذلك، فإن مأزق إسلام آباد يمتد إلى ما هو أبعد من صراعها مع عمران خان؛ فعبر الحدود الأفغانية، تتسارع وتيرة كارثة إنسانية. إن سنوات من التدهور الاقتصادي، والجفاف الطويل، وانعدام الأمن الغذائي، وتراجع المساعدات الدولية، دفعت بملايين الأفغان إلى حافة اليأس. وتتحدث التقارير عن نقص المياه، وارتفاع تكاليف المعيشة، ومعاناة العائلات للحصول على الغذاء الكافي. وعند قراءة هذه الروايات يتبادر إلى الذهن سؤال مقلق: كيف ينجو الناس في ظل هذه الظروف؟ بالنسبة للكثيرين، الإجابة هي أنهم يكادون لا ينجون، بينما يبحث آخرون عن البقاء عبر مغادرة البلاد. وبدلاً من تخفيف هذا الضغط، تقوم إسلام آباد بتضييق الخناق على حدودها.

فابتداءً من الأول من نوفمبر، جهزت السلطات في خيبر بختونخوا حملة متجددة لاحتجاز وترحيل المهاجرين الأفغان غير النظاميين، ووردت تقارير عن تشكيل 120 فريقاً خاصاً في جميع أنحاء الإقليم. وبالنسبة لأولئك الذين يعادون إلى أفغانستان، قد تكون العواقب وخيمة؛ فالأسر النازحة بالفعل بسبب النزاع والفقر تواجه اقتصاداً عاجزاً عن توفير فرص العمل الكافية أو السكن أو الخدمات الأساسية، وقد يواجه بعض العائدين أيضاً الاحتجاز أو الاضطهاد تبعاً لظروفهم.

لكن التناقض الاستراتيجي يبدو أكثر إثارة للقلق؛ إذ تحاول باكستان احتواء انعدام الأمن على طول حدودها الغربية بينما تعيد المجموعات السكانية الضعيفة إلى الظروف نفسها التي تساعد على استمرار عدم الاستقرار. إن تدفق المرحلين إلى أفغانستان قد يكثف التنافس على الموارد الشحيحة، ويعمق الاستياء، ويخلق فرصاً إضافية لتجنيد المسلحين. ومع التعبئة السياسية المحيطة بعمران خان، تهدد هذه الضغوط بدمج المواجهة الداخلية في باكستان مع أزمة أمنية بشتونية أوسع نطاقاً؛ وما تتعامل معه إسلام آباد كمشكلات منفصلة قد يصبح بشكل متزايد مشكلة واحدة، وقد تمتد العواقب شمالاً.

فالحدود الشمالية لأفغانستان تربط الأزمة بآسيا الوسطى، حيث تعقد الشبكات المسلحة وتهريب المخدرات وأمن الحدود الهش استقرار المنطقة بالفعل. ولا يزال تنظيم الدولة الإسلامية – ولاية خراسان يشكل قلقاً أمنياً كبيراً، في حين تفرض المنظمات المسلحة التي تعمل حول شمال أفغانستان تحديات إضافية على الدول المجاورة. ويأتي اقتصاد المخدرات كعامل آخر لزعزعة الاستقرار؛ فوفقاً لمسح الأفيون لعام 2026 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، زادت زراعة الخشخاش في أفغانستان بنسبة تقارب 330% مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى أكثر من 43 ألف هكتار. ورغم أن الزراعة تظل دون المستويات المسجلة قبل حظر طالبان عام 2022، إلا أن هذا الانتعاش يكشف عن اليأس الاقتصادي الذي يدفع المزارعين نحو الإنتاج غير المشروع.

تمتد التداعيات إلى ما وراء أفغانستان؛ إذ تشكل حدود طاجيكستان مع أفغانستان، البالغة نحو 1300 كيلومتر، بوابة رئيسية على طول طريق التهريب الشمالي إلى روسيا والأسواق الأوروبية. وإذا ضعفت المؤسسات الحاكمة في أفغانستان بشكل كبير، فقد تستغل شبكات المخدرات والمنظمات المسلحة الثغرات الأمنية الناتجة عن ذلك، مما يفرض ضغوطاً إضافية على طاجيكستان وقيرغيزستان المجاورة. وهنا تصبح أزمة باكستان جزءاً من لعبة جيوسياسية أكبر.

تحافظ كل من طاجيكستان وقيرغيزستان على علاقات أمنية مع موسكو من خلال منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO). وإن حدوث تدهور خطير على طول الحدود الشمالية لأفغانستان قد يزيد من اعتمادهما على المساعدات العسكرية الروسية، والاستخبارات، والتعاون في مجال أمن الحدود. وبالنسبة لموسكو، ستكون التداعيات الاستراتيجية كبيرة؛ حيث يمكن للقاعدة العسكرية الروسية رقم 201 في طاجيكستان، وهي واحدة من أكبر منشآتها العسكرية خارج الأراضي الروسية، أن تتولى دوراً دفاعياً أكثر نشاطاً ضد التهديدات الناشئة من أفغانستان. وما يعمل حالياً كأداة للوجود العسكري الروسي والنفوذ السياسي قد يصبح حاجزاً عملياتياً تزداد أهميته لمنع زعزعة الاستقرار الإقليمي. ومثل هذا التطور من شأنه أن يمنح موسكو نفوذاً إضافياً على الترتيبات الأمنية في آسيا الوسطى، مما قد يعقد جهود الحكومات الغربية والصين لتوسيع علاقاتهما الأمنية المستقلة في المنطقة.

ومع ذلك، فإن لبكين مصالحها الخاصة التي يتعين عليها حمايتها؛ إذ يعتمد النفوذ الاقتصادي الصيني في آسيا الوسطى على الاستثمار في البنية التحتية، والممرات التجارية، والشراكات الاستراتيجية طويلة الأجل. وتحتل باكستان، من خلال الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، موقعاً مهماً في الحسابات الإقليمية لبكين. ولن يضع الدور العسكري الروسي الموسع موسكو وبكين في مواجهة مباشرة بالضرورة؛ فكلا الحكومتين تشتركان في مصلحة احتواء المسلحين ومنع عدم الاستقرار من تهديد التجارة الإقليمية. ومع ذلك، فإن أدوات نفوذهما تختلف؛ حيث تعتمد موسكو بشكل كبير على البنية التحتية العسكرية والعلاقات الدفاعية الراسخة، بينما تجمع بكين بين الاستثمار الاقتصادي والتعاون الأمني الانتقائي.

وبالنسبة لإسلام آباد، فإن التعامل مع هذه المصالح المتداخلة قد يصبح صعباً بشكل متزايد. تعتمد باكستان على الصين للحصول على الدعم الاقتصادي والاستراتيجي، في حين أن تدهور الأوضاع في أفغانستان قد يعزز موقف روسيا كمزود أمني رئيسي في آسيا الوسطى. والنتيجة ستكون بيئة دبلوماسية أكثر تعقيداً تصبح فيها المواجهة البشتونية الداخلية في باكستان، والهجرة الأفغانية، والترتيبات الأمنية في آسيا الوسطى متشابكة بشكل متزايد.

وهنا يكمن خطر المقامرة السياسية لإسلام آباد؛ فالسلطات الاستثنائية وحالات الطوارئ قد تزيح حكومة معارضة، لكنها لا تملك القدرة على محو المظالم العميقة التي تغذي الاضطرابات السياسية وتمنحها قوة البقاء. وعمليات الترحيل الجماعي قد تقلص أعداد المهاجرين الأفغان داخل الجغرافيا الباكستانية، لكنها تعجز تماماً عن علاج الظروف الإنسانية الكارثية التي تدفع بالبشر نحو النزوح والهروب. كما أن الانتشار العسكري المكثف قد يعزز تحصينات الحدود وفروعها، لكنه لا يقدم أي ضمانات أمنية تكفل بقاء عدم الاستقرار محصوراً في الجانب الآخر.

لقد بدأت باكستان هذا العام وهي تحاول يائسةً احتواء مواجهة سياسية داخلية محصورة في معقلها البشتوني، لكنها تجد نفسها الآن وجهاً لوجه أمام مأزق مرعب يحمل نذر أزمة جيوسياسية عابرة للحدود، تمتد خيوطها المتشابكة لتصل من بيشاور وكابل، إلى دوشنبه، وموسكو، وبكين.

إن حركة “الروليت الروسية” التي تمارسها النخبة الحاكمة في باكستان لم تعد مجرد مقامرة بائسة ومحفوفة بالمخاطر على استقرار الدولة الداخلي فحسب، بل إنها باتت تهدد بشكل مباشر بجر قوى نووية وإقليمية كبرى إلى أتون جولة تصعيد واسعة النطاق وغير محسوبة العواقب؛ جولة قد تعيد رسم الخارطة الأمنية لآسيا الوسطى بأكملها بالحديد والنار.

تنويه من إدارة بيروت تايمز

الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock