بقلم الدكتور لويس حبيقة
للهند مزايا كبرى تجعلها تصبح قوة سياسية واقتصادية أساسية في العقود القليلة القادمة. تحقق الهند نموا كبيرا وصل الى 7,5% في 2018 تبعا لصندوق النقد الدولي. أحسنت حكومة الرئيس مودي ادارة البلاد مما أمن اعادة انتخابه رئيسا للوزراء في شهر أيار الماضي. النمو القوي ضروري لتأمين الاستقرار لدولة فيها مليار و 369 مليون مواطن أي الثانية عالميا بعد الصين (مليار و 420 مليون). ستسبق الهند الصين في الديموغرافيا قريبا بفضل النمو السكاني الذي ما زال متفوقا. للديموغرافيا الكبيرة حسنات وسيئات أي تؤمن اليد العاملة الكثيرة والضرورية للانتاج والازدهار كما تشكل من ناحية أخرى ثقلا كبيرا على الاقتصاد لا بد من تأمين الحقوق الاجتماعية له. هنالك 7 دول في العالم تحتوي على أكثر من 50% من سكان العالم وهي بالاضافة الى الصين والهند الولايات المتحدة، أندونيسيا، البرازيل، باكستان ونيجيريا. سؤ توازن خطير لكنه واقعي ويجب التأقلم معه.
هنالك مؤشرات احصائية جديدة مقلقة للدولة الكبيرة أي أن نمو الفصل الأول من 2019 لم يتعد 5,8% مقارنة ب 6,6% في الفصل الرابع من 2018. نسبة 2019 هي الأدنى منذ 5 سنوات مما يمكن أن يشير الى تغير كبير سلبي في النمو والتطور. هدف حكومة الرئيس مودي الجديدة هي تحقيق نمو سنوي قدره 8% أي الوصول الى ناتج محلي اجمالي قدره 5 ألاف مليار دولار قبل 2025 أي ضعف الناتج الحالي. تحد كبير لحكومة طموحة برئيسها ووزيرة ماليتها الجديدة Sitharaman. الوزيرة هي المرأة الأولى التي تتولى هذه الوزارة منذ ان شغلتها أنديرا غاندي منذ 50 سنة. وقتها كانت غاندي رئيسة للوزراء ووزيرة للمالية. المعضلة الآنية التي تواجه الادارة الجديدة هي كيفية التوفيق بين تحقيق النمو القوي وترشيد الانفاق وتخفيف الهدر. الهدف هو الوصول الى عجز مالي لا يتعدى 3,3% هذه السنة انخفاضا من 4% منذ سنتين. من أهداف الوزيرة الجديدة تنشيط الاقتصاد، تخفيف البطالة وتوسيع الضمانات الاجتماعية الى أكثر من 30 مليون شخص ايضافيا والى عدد كبير من الشركات.
ما هي التحديات التي تواجه الهند اليوم؟
أولا: صعوبة تنفيذ القرارات الحكومية حيث تتشابك الأهداف السياسية مع الاقتصادية والاجتماعية. بالرغم من النمو القوي، لا يمكن تحليل الاقتصاد بناء على الناتج فقط بل هنالك عوامل أخرى مهمة منها توزع الثروة والدخل كما مؤشرات التعليم والصحة والغذاء وغيرها. هنالك أكثر من 600 جامعة في الهند والمستويات مختلفة لكنها مرتفعة عموما.
ثانيا: بنيت الهند الحديثة أي منذ 1581947 على أفكار وتصرفات عملاقين هما غاندي ونهرو. عاش مهاتما غاندي بتقشف وبأقل مستوى من المادة، وكان متدنيا ومؤمنا بالاشتراكية. نظرة غاندي ارتكزت على الديموقراطية الممزوجة بالتواضع والتقشف والحد الأدنى الذي يحتاج اليه الانسان للعيش. يمكن وصف غاندي بوالد الهند الجديدة. كان نهرو اشتراكيا لكنه لم يكن متدنيا وبالتالي حاول تطبيق نوع من الاشتراكية السوفياتية. أخذ نهرو من غاندي أفكارا عدة منها حماية الشركات الصغيرة والمتوسطة كما سياسة التوزيع الاجتماعي عبر السياسات الحكومية. زادت البيروقراطية كما لم يحصل سابقا مما سبب ارتفاعا في مؤشرات الفساد.
ثالثا: بفضل توجيه السياسات الهندية الاقتصادية نحو الاشتراكية السوفياتية تم الاستثمار العام الكبير في الصناعات الأساسية الثقيلة كما يقول "بازو" في كتابه عن بلده والسياسات الوطنية. تحقق النمو المعتدل حتى التسعينات لكنه لم يعد كافيا لحماية الزيادات السكانية وتعزيز دور الهند في الاقتصاد الدولي المعولم. لم تدخل الهند كما الصين في تحديد النسل أو في فرض سياسات سكانية قاسية وصارمة، بل تركت القرار للمواطن.
رابعا: مع انهيار الاقتصاد السوفياتي كان لا بد للهند من أن تغير سياساتها أيضا بدأ من 1991 مع رئيس الوزراء الجديد راو. توفي نهرو في سنة 1964 وأصبحت ابنته أنديرا غاندي رئيسة للوزراء في 1966. حتى 1977 كانت أنديرا في السياسة ابنة نهرو، لكن منذ 1980 تغيرت كثيرا تحت تأثير نجليها سانجاي وراجيف. هذا التأثير أنتج تحولا نحو الاقتصاد الحر وسياسات الصرف الحرة. لذا ارتفع النمو الاقتصادي السنوي من 1,4% في 1992 الى 5,4%، 5,7% وأعلى في السنوات التي تلت. كان تغييرا مفيدا للثروة ولدور الهند في الاقتصاد العالمي.
لم تنعم الهند بفترات استقرار طويلة اذ اغتيلت أنديرا غاندي في سنة 1984 واستلم نجلها راجيف الحكم كرئيس للوزراء. في 1991، اغتيل راجيف، ففاز حزب المؤتمر بالانتخابات وتولى راو رئاسة الحكومة وسينغ وزارة المالية. بالرغم من أن نسب النمو الصينية هي أعلى لكنها متقلبة أكثر بكثير من النمو الهندي. التحديات الحديثة التي واجهت الهند لم تكن أقل حدة من التقلبات الماضية بسبب العوامل الداخلية وخاصة الخارجية:
أولا: كان لحرب الخليج الأولى تأثيرا كارثيا على الاقتصاد الهندي بسبب حجم العمالة في المنطقة وتحويلاتها. في حزيران 1991، كان للهند من الاحتياطي النقدي الأجنبي ما يكفي لاستيراد حاجات 13 يوما من الاستيراد العادي علما أن الحد الأدنى المعتمد عالميا هو 4 أشهر. من هنا طلب صندوق النقد الدولي من الحكومة القيام بالاصلاحات المطلوبة.
ثانيا: من الاصلاحات الأساسية وقف العمل بالترخيص الصناعي الذي هدف الى توجيه الاستثمارات الى القطاعات والأماكن التي ترغب بها الحكومة مما أوجد فسادا لا مثيل له. كان معدل التعريفات الجمركية 150% في سنة 1991 فخفض تدريجيا الى 15% في سنة 2005. انتقلت الهند بسبب العقيدة الجديدة كما الحاجة الى النظام الاقتصادي الحر دون أن تنسى الضمانات الاجتماعية المطلوبة.
ثالثا: كما لحرب الخليج، كان للأزمة الشرق أسيوية في 19971998 تأثير سلبي كبير على الاقتصاد الهندي. العلاقات الاقتصادية بين الهند ودول شرق اسيا كبيرة وواسعة ومزمنة وبالتالي خسرت الهند كثيرا. تأثر الاقتصاد الهندي أيضا سلبا بالأزمة العالمية في 2008 خاصة بسبب العلاقات المتطورة مع أوروبا. 18% من صادرات الهند تذهب الى دول الوحدة الأوروبية.
كيف يمكن وصف الواقع الهندي اليوم علما أن الاقتصاد هو على مفرق طرق كبير وواسع أي أن التحديات كبيرة ومستعجلة؟ نجحت الاصلاحات في رفع نسب الاستثمار والادخار الى مستويات عالية. وصلت نسبة الادخار من الناتج هذه السنة الى 30% ونسبة الاستثمار الى 32%. تم تصحيح وضع الموازنات عبر دمج الانفاق وتخفيف الهدر. استفادت الهند كثيرا من نقل الاستثمارات الغربية وخاصة الأميركية اليها بسبب التكلفة المنخفضة والنوعية العالية لليد العاملة الوطنية. لا شك أن الهند مرتبطة بالتطورات الاقتصادية الدولية أكثر من أي وقت مضى. تتأثر كثيرا بالحرب التجارية المفروضة أميركيا على الصين وغيرها.
مستقبل الهند الواعد سيرتكز على عوامل مجتمعة منها تطوير التعليم النوعي خاصة التقني كما تطوير البنية التحتية في كل قطاعاتها. تواجه الهند كما العديد من الدول مشكلة مياه قاسية لن تساعد على حلها الزيادات السكانية الكبيرة كما التطور المدني السريع. لا يمكن لشعب أن يكون منتجا من دون مياه كافية صالحة للشرب والزراعة. استمرار الديموقراطية الانتخابية في دولة بهذا الحجم يدعو للاعجاب والتقدير. لا بد للهند من أن تستفيد أكثر من جالياتها المنتشرة في معظم دول العالم أهمها في الخليج حيث تحويلاتهم تعزز الاقتصاد. لا شك أن التحديات كبيرة لكن عزم الادارة الجديدة يبدو أنه بالحجم نفسه، مما يشير الى مستقبل هندي واعد وقريب.












03/09/2020 - 10:26 AM





Comments