القليعات تستعيد حلمها الجوي... ومطار رينيه معوض يدخل مرحلة التنفيذ

نواف سلام: الإنماء المتوازن مسؤولية وطنية.. والمطار بوابة اقتصادية جديدة للشمال ولبنان

 

القليعات  بيروت  تايمز -منى حسن

شهدت محافظة عكار حدثاً وطنياً وإنمائياً استثنائياً مع إطلاق مسار تأهيل وإعادة تشغيل مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات، في خطوة وُصفت بالتاريخية بعد عقود من الانتظار، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية والاستثمارية في شمال لبنان.

وجرت مراسم وضع حجر الأساس للمشروع بحضور رئيس مجلس الوزراء نواف سلام وعدد من الوزراء والنواب والسفراء والشخصيات الرسمية والأمنية والاقتصادية، وسط إجراءات تنظيمية وأمنية واسعة عكست أهمية الحدث الذي يعيد إحياء أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية في لبنان.

القليعات... من قاعدة عسكرية إلى مطار مدني واعد

يقع مطار الرئيس رينيه معوض في بلدة القليعات العكارية شمال لبنان، على مساحة تتجاوز خمسة ملايين متر مربع، ويبعد نحو ستة كيلومترات فقط عن معبر العريضة الحدودي مع سوريا، كما يتمتع بموقع استراتيجي قريب من ساحل البحر المتوسط وشبكات الطرق الدولية.

أنشئ المطار أساساً خلال أربعينيات القرن الماضي لأغراض عسكرية، وعُرف سابقاً باسم "قاعدة القليعات الجوية"، قبل أن يُطلق عليه لاحقاً اسم الرئيس الراحل رينيه معوض تكريماً لذكراه. ويُعد اليوم ثاني أكبر مطار مدني في لبنان بعد مطار مطار رفيق الحريري الدولي.

ويمتلك المطار مدرجاً بطول يسمح باستقبال مختلف أنواع الطائرات التجارية، ما يجعله مؤهلاً للعب دور أساسي في دعم حركة النقل الجوي والسياحة والشحن التجاري.

 

وصول أول رحلة مدنية تحمل رئيس الحكومة

وشهدت المناسبة لحظة رمزية لافتة تمثلت بهبوط طائرة مدنية على متنها رئيس الحكومة نواف سلام والوفد المرافق على مدرج مطار القليعات، في مشهد اعتبره أبناء المنطقة إيذاناً بعودة الحياة إلى المطار بعد سنوات طويلة من الجمود.

وكان في استقبال الوفد الرسمي وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني ورئيس مجلس إدارة شركة "سكاي لاونج سيرفيسز" زياد المنلا وعدد من المسؤولين.

كما شهد محيط المطار انتشاراً واسعاً للجيش اللبناني والقوى الأمنية، تخلله تحليق للطوافات العسكرية فوق المنطقة، فيما رفعت الأعلام اللبنانية على طول الطريق الممتدة من العبدة وصولاً إلى المطار، وفُرش السجاد الأحمر لاستقبال الضيوف.

نواف سلام: لا نهوض للبنان من دون إنماء متوازن

وفي كلمته خلال الاحتفال، أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن الدولة اللبنانية ماضية في تثبيت السيادة الوطنية وحماية الأرض، بالتوازي مع مسؤوليتها في تحقيق التنمية الاقتصادية والإنمائية في جميع المناطق اللبنانية.

وقال: "نلتقي اليوم في شمال لبنان، لكن عيوننا وقلوبنا تبقى أيضاً مع الجنوب وأهله. وكما أن الدولة لا تتخلى عن واجبها في حماية السيادة والأمن، فهي لا يمكن أن تتخلى عن مسؤوليتها في تحقيق الإنماء والنهوض الاقتصادي."

وأضاف أن عكار لطالما شكلت نموذجاً للصمود والعطاء رغم الحرمان، معتبراً أن تشغيل مطار القليعات يشكل ترجمة فعلية لمفهوم الإنماء المتوازن والعدالة بين المناطق.

رسامني: انتقلنا من الوعود إلى التنفيذ

من جهته، شدد وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني على أن مطار القليعات ليس مشروعاً خاصاً بعكار أو الشمال فحسب، بل مشروع وطني لكل اللبنانيين.

وأكد أن الوزارة تجاوزت مراحل الدراسات والنقاشات، وانتقلت فعلياً إلى التنفيذ، مشيراً إلى أن الهدف هو وضع المطار في الخدمة خلال فترة قريبة.

وكشف أن المرحلة الأولى ستشمل تسيير رحلات جوية باتجاه مرسين وإسطنبول ودبي، مع استمرار التواصل مع شركات طيران منخفضة الكلفة لتوسيع شبكة الرحلات وربط الشمال اللبناني بمزيد من الوجهات الإقليمية والدولية.

وخلال كلمته، توجه الوزير بالشكر إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على "دعمه وإيمانه بالمشروع، وإلى رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام على متابعته الحثيثة لمختلف مراحل المشروع وإصراره على تذليل العقبات وتسريع تنفيذه"، كما شكر قيادة الجيش والمؤسسة العسكرية على دورهما الأساسي في إنجاح هذا المسار، إضافة إلى جميع الجهات التي ساهمت في الوصول إلى هذه المرحلة.

دعم دولي للمشروع

وشهد الاحتفال رسائل دعم دولية للمشروع، حيث اعتبر السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى أن افتتاح مطار جديد يمثل رسالة أمل للاقتصاد اللبناني وفرصة لتعزيز الاستثمار والحركة التجارية.

بدورها، أكدت وزيرة السياحة لورا الخازن لحود أن تشغيل المطار سيمنح الشمال اللبناني دفعة اقتصادية وسياحية كبيرة، ويسهم في خلق فرص عمل جديدة وتنشيط قطاع الشحن الجوي والخدمات.

أما وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار فاعتبر أن المشروع يشكل خطوة أساسية نحو تعزيز حضور الدولة في عكار، مؤكداً استكمال التحضيرات الأمنية والإدارية اللازمة لبدء التشغيل.

أهمية استراتيجية واقتصادية

يرى خبراء النقل والاقتصاد أن إعادة تشغيل مطار رينيه معوض تمثل فرصة استراتيجية للبنان على أكثر من مستوى، إذ من المتوقع أن: تخفف الضغط عن مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت.

توفر أكثر من ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

تنشط الحركة السياحية في عكار والشمال.

تعزز قطاع الشحن الجوي والتصدير الزراعي والصناعي.

تستقطب استثمارات جديدة إلى المناطق الشمالية.

تدعم التنمية الاقتصادية في عكار والمنية والضنية وطرابلس والكورة والبترون وسائر مناطق الشمال.

كما يشكل المطار رافعة لوجستية مهمة في ظل موقعه الجغرافي القريب من الحدود السورية ومرفأ طرابلس، ما يمنحه دوراً محورياً في حركة النقل والتجارة الإقليمية.

يمثل إطلاق مسار تأهيل وتشغيل مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات أكثر من مجرد مشروع بنى تحتية، فهو إعلان عن بداية مرحلة جديدة من الإنماء في شمال لبنان، وإحياء لحلم راود أبناء عكار لعقود طويلة. وبينما هبطت أول طائرة مدنية حاملة رئيس الحكومة على مدرج المطار، بدا المشهد وكأنه إشارة واضحة إلى انطلاق رحلة جديدة نحو مستقبل اقتصادي وتنموي يأمل اللبنانيون أن ينعكس خيره على الوطن بأكمله.