جوزاف عون لـCNN: لبنان ليس ورقة تفاوض.. ورئيس يحاول انتشال وطن من قلب العاصفة

06/05/2026 - 10:47 AM

Metrolink.com

 

 

الرئيس اللبناني: لبنان يحتاج إلى فرصة للحياة أكثر مما يحتاج إلى المزيد من الحروب.

 

بيروت – تقرير إخباري موسع من اعداد جورج ديب

 

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، وفي وقت يقف فيه لبنان على حافة أزمات أمنية واقتصادية وسياسية متداخلة، أطلق الرئيس اللبناني جوزاف عون سلسلة مواقف لافتة خلال مقابلة مع شبكة CNN، حملت رسائل مباشرة إلى إيران وحزب الله والمجتمع الدولي، وعكست رؤية رئيس يسعى إلى إعادة تعريف موقع لبنان وسط صراعات المنطقة.

وتأتي هذه التصريحات في مرحلة تُعد من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حيث تتقاطع التوترات العسكرية على الحدود الجنوبية مع الانهيار الاقتصادي المستمر منذ سنوات، فيما يرزح اللبنانيون تحت أعباء معيشية خانقة دفعت الآلاف إلى الهجرة بحثاً عن مستقبل أكثر استقراراً. وبين مخاوف الحرب وآمال الإنقاذ، يجد اللبنانيون أنفسهم مرة جديدة في قلب عاصفة إقليمية تتجاوز حدود بلدهم الصغير.

ولم تكن المقابلة مجرد عرض للمواقف الرسمية اللبنانية تجاه التطورات الراهنة، بل شكلت نافذة واسعة على رؤية الرئيس عون لمستقبل الدولة اللبنانية ودورها في المنطقة، كما عكست حجم التحديات التي تواجه السلطة الجديدة في سعيها لاستعادة ثقة الداخل اللبناني وطمأنة المجتمع الدولي في آن واحد.

وفي وقت تتسارع فيه التحولات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، بدت كلمات الرئيس اللبناني وكأنها محاولة لرسم خط فاصل بين مرحلة طويلة ارتبط فيها لبنان بصراعات المحاور الإقليمية، ومرحلة جديدة يسعى فيها إلى ترسيخ مفهوم الدولة القادرة على اتخاذ قراراتها السيادية بعيداً عن الضغوط الخارجية والتجاذبات الدولية.

ومن خلال حديثه الصريح، لم يكتفِ عون بتوجيه رسائل سياسية إلى الأطراف المعنية، بل تحدث أيضاً باسم ملايين اللبنانيين الذين أنهكتهم الأزمات المتلاحقة والحروب المتكررة، والذين يتطلعون اليوم إلى دولة قادرة على حمايتهم وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار والأمل بمستقبل أفضل.

في هذا الإطار، حملت المقابلة أبعاداً سياسية واستراتيجية وإنسانية متشابكة، إذ تناولت ملفات حساسة تتعلق بعلاقة لبنان بإيران، ومستقبل دور حزب الله، واحتمالات التوصل إلى تفاهمات أمنية على الحدود الجنوبية، فضلاً عن رؤية الرئيس اللبناني لمكانة بلاده في خريطة الشرق الأوسط المتغيرة.

المقابلة لم تكن مجرد حديث سياسي عابر، بل بدت وكأنها محاولة لرسم ملامح مرحلة جديدة يريدها الرئيس اللبناني قائمة على استعادة الدولة لقرارها السيادي وإبعاد البلاد عن لعبة المحاور التي أنهكت اللبنانيين لعقود طويلة.

لبنان الذي يدفع ثمن حروب الآخرين

منذ سنوات يعيش اللبنانيون تحت وطأة أزمات متلاحقة؛ انهيار اقتصادي غير مسبوق، تراجع الخدمات الأساسية، هجرة واسعة للشباب والكفاءات، وحروب ونزاعات إقليمية تنعكس بشكل مباشر على الداخل اللبناني.

في هذا السياق، جاءت تصريحات عون حادة وواضحة عندما رفض أن يكون لبنان ورقة مساومة في المفاوضات الدولية أو الإقليمية، مؤكداً أن اللبنانيين لم يعودوا قادرين على تحمل كلفة الصراعات التي تُدار خارج حدود بلادهم.

وبلهجة غير معتادة من رئيس لبناني، شدد عون على أن لبنان ليس ملكاً لأي دولة أو جهة خارجية، وأن القرار اللبناني يجب أن يبقى بيد اللبنانيين وحدهم، في رسالة فُهمت على نطاق واسع بأنها موجهة إلى إيران التي تُعد الداعم الرئيسي لحزب الله.

رسالة مباشرة إلى طهران

أبرز ما لفت الأنظار في المقابلة كان حديث الرئيس اللبناني عن الدور الإيراني في المنطقة.

فقد اعتبر أن استخدام لبنان كورقة ضغط في أي مفاوضات بين طهران وواشنطن أمر غير مقبول، مؤكداً أن الشعب اللبناني لا يجب أن يكون رهينة حسابات سياسية أو عسكرية تتجاوز حدوده الوطنية. وتعكس هذه التصريحات تحوّلاً في الخطاب الرسمي اللبناني، إذ نادراً ما صدرت مواقف بهذه الصراحة تجاه إيران من أعلى هرم السلطة في البلاد، خصوصاً في ظل النفوذ السياسي والعسكري الكبير الذي يتمتع به حزب الله داخل لبنان.

حزب الله بين الواقع السياسي ومنطق الدولة

لم يتجنب عون الحديث عن القضية الأكثر حساسية في لبنان، وهي سلاح حزب الله ودوره العسكري.

إلا أن الرئيس اللبناني اختار مقاربة مختلفة تقوم على الحوار بدلاً من المواجهة، مؤكداً أن أي معالجة لهذا الملف يجب أن تتم ضمن إطار وطني جامع يحفظ الاستقرار الداخلي ويمنع انزلاق البلاد إلى صراعات داخلية جديدة.

ورغم تأكيده أهمية الحوار، شدد عون على أن الدولة اللبنانية هي المرجعية الوحيدة المخولة اتخاذ قرارات الحرب والسلم، في إشارة واضحة إلى ضرورة تعزيز سلطة المؤسسات الرسمية على كامل الأراضي اللبنانية.

التفاوض ليس ضعفاً

في منطقة اعتادت على لغة السلاح، حاول الرئيس اللبناني تقديم رؤية مختلفة تقوم على الدبلوماسية والحلول السياسية.

فبحسب عون، فإن التفاوض لا يعني الاستسلام أو التخلي عن الحقوق، بل يمثل الطريق الأقل كلفة لحماية الشعوب وإنهاء الحروب.

وأكد أن استمرار المواجهات العسكرية لن يجلب للبنان سوى المزيد من الدمار والخسائر، بينما يمكن للحوار أن يفتح نافذة نحو الاستقرار الذي يحتاجه اللبنانيون بشدة بعد سنوات طويلة من الأزمات.

نحو تهدئة على الحدود الجنوبية

وتطرقت المقابلة إلى التوتر المستمر على الحدود اللبنانية الجنوبية مع إسرائيل.

وفي هذا الملف، أبدى الرئيس اللبناني استعداد بلاده لدعم أي مسار دبلوماسي يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار ومنع توسع دائرة الحرب، مع التشديد على أن أي تفاوض مستقبلي يجب أن يحفظ السيادة اللبنانية والحقوق الوطنية كاملة.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس رغبة رسمية في تجنيب لبنان الانجرار إلى مواجهة واسعة قد تكون كلفتها كارثية على بلد يعاني أصلاً من أوضاع اقتصادية واجتماعية هشة.

معاناة الناس في قلب المشهد

بعيداً عن الحسابات السياسية، تحمل تصريحات الرئيس اللبناني بعداً إنسانياً واضحاً.

فخلف كل حديث عن الحروب والحدود والمفاوضات، يقف ملايين اللبنانيين الذين يواجهون يومياً تحديات العيش في بلد أنهكته الأزمات.

عائلات تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية، وشباب يبحثون عن فرصة عمل أو يفكرون بالهجرة، ومناطق لا تزال تعاني آثار النزاعات المتكررة والانهيار الاقتصادي.

ومن هذا المنطلق، بدت رسالة عون وكأنها محاولة لإعادة توجيه البوصلة نحو المواطن اللبناني الذي أصبح الخاسر الأكبر في معظم الصراعات التي مرت على البلاد.

رؤية لمرحلة جديدة

تكشف مقابلة الرئيس جوزاف عون عن مشروع سياسي يقوم على ثلاث ركائز أساسية: حماية السيادة اللبنانية، تعزيز سلطة الدولة ومؤسساتها، وإبعاد لبنان عن صراعات المحاور الإقليمية.

ورغم أن الطريق نحو تحقيق هذه الأهداف يبدو طويلاً ومعقداً، فإن المقابلة عكست إصراراً على طرح مقاربة مختلفة لمستقبل لبنان، مقاربة ترى أن استقرار البلاد يبدأ من استعادة القرار الوطني وإنهاء سياسة استخدام لبنان كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

وفي بلد اعتاد أن يكون في قلب أزمات المنطقة، تبدو الرسالة التي أراد الرئيس عون إيصالها بسيطة لكنها عميقة: لبنان يحتاج إلى فرصة للحياة أكثر مما يحتاج إلى المزيد من الحروب.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment