زمن الصليب… شهادة قلبٍ ينزف ولا ينكسر

09/14/2026 - 20:03 PM

Arab American Target

 

 

الخوري الدكتور نبيل مونس

في زمن الصليب... شهادة قلبٍ ينزف ولا ينكسر

في زمنِ الصليبِ، وقلبي الذي طُعنَ بحربةٍ، دخلَ الصليبُ إلى حياتِنا من جديدٍ، لا كذكرى بعيدةٍ، بل كجرحٍ حيٍّ في القلبِ. أُصيبَ أخواي عبدو وبشارة في الوقتِ نفسِه بهذا المرضِ العضال، مرضِ السّرطان. وفجأةً بدأ الصراعُ، وبدأتِ المعركةُ. في البدايةِ تجمّدتْ عروقُنا من هوْلِ الصّدمةِ، وشعرْنا وكأنَّ الأرضَ قد ضاقتْ بنا. لكنّنا، بعد لحظاتِ الارتباكِ والحزنِ، عقدنا العزمَ، ولجأنا إلى المسيح يسوع المصلوب، مخلّصِنا وشافينا، وإلى أمّهِ وأمّنا الحنونةِ، سيّدةِ الرّحمةِ وأمّ ينبوعِ الحياة.

في ليلِ عذابِ أخي بشارة وشقائِه، شعرْنا بحضورِها الأموميّ العجيبِ. وكأنّها جاءتْ لتزورَه في ليلِه، وتُعلن له عن نفسِها وعن عيدِها الذي حلّ في ذلك الوقتِ بالذاتِ، وكان يُحتفلُ به في الأردن، تمامًا كما أُشيرَ إليه في الرّسالة التي حملَها قلبُه. ومنذُ ذلك الحينِ، وجدْنا أنفسَنا جميعًا متّحدين في الصّلاةِ، وفي المناولةِ، وفي الوقوفِ جنبًا إلى جنبٍ، لنقاومَ هذا العدوّ القاسي والمميت، الذي دخلَ إلى جسدِ أخويّ وحاولَ أن ينالَ من رجائِنا.

وحتىّ هذه الساعةِ، لم نفقدِ الرّجاءَ. ما زلنا نحلمُ بالأعجوبةِ، ونقاومُ بالإيمان والدواءِ، وبالشجاعةِ والصّلاةِ والصومِ والإماتاتِ. نعرفُ أنّ المعركةَ ليستْ سهلةً، لكنّنا نعرفُ أيضًا أنّ الرجاءَ المسيحيّ لا يموتُ أمام الصليبِ، لأنّ وراءَ الصليبِ قيامةٌ.

أخويّ لم يكونا غريبيْن عنِ الصليبِ. فقد جاهدَا في سبيلِ الوطنِ والعائلةِ والكنيسة، حتّى بذلا من دمائِهما. حملا صليبَ الحربِ فوق الجبالِ، وفي الأسواقِ والشوارعِ، ثمّ حملا صليبَ الغربةِ، ذلك الصليبَ الذي وصفَه البابا الراحلُ بندكتوس السادس عشر، عندما زار لبنان، بـ "الهجرةِ المُرّة". وهنا، بالرغم من المرارةِ، وبالرغم من الدّموع التي تُخفى في الليلِ، ومن التعبِ والكفاحِ في النّهار، حملا أيضًا هذا الصليبَ. وليس هذا بالأمرِ الجديدِ عليهما؛ فقد عاشا، كما عاشتْ عائلتُنا، على ضوءِ كلمةِ الإنجيل: "مَن أرادَ أن يتبَعَني، فليحمِلْ صليبَه ويتبعْني."

زمن الصليب في الكنيسة المارونية

اليومَ ندخلُ في الكنيسةِ المارونيّةِ، وفي الكنائسِ المشرقيّة، زمنَ الصليب. فليسمعِ القريبُ والبعيدُ: الصليبُ ليس علامةَ الهزيمةِ، بل علامةَ القيامةِ. ليس نهايةَ الطريقِ، بل جسرَ العبورِ إلى الخلاصِ. ليس علامةَ الموتِ، بل إعلانَ النصرِ الحقيقيّ على الموتِ والشيطان.

وقد يختبئُ الشرّ أحيانًا وراءَ أقنعةٍ جميلةٍ، ويتزيّنُ بثيابِ الوداعةِ والبراءةِ، ويتسلّلُ بالمراوغةِ والملاطفةِ، منتظرًا لحظةَ الانقضاضِ. لكنّ الصليبَ يكشفُ الحقيقةَ؛ لأنّ نورَ المسيحِ لا يسمحُ للظلمةِ أن تبقى متخفّيةً إلى الأبدِ.

شهادة عائلة منذ 1644

وفي تاريخِ عائلتِنا، منذ سنة 1644، بقيتْ شهادةٌ تصِفها بهذه الكلماتِ: "عُرفتْ هذه العائلةُ بشجاعتِها وعاطفتِها. لم تكنْ خائفةً منَ القتالِ منْ أجلِ الشعبِ والأرض اللذيْن أحبّتهما." وهذه الكلماتُ تختصرُ في عمقها معاناةَ أخواي وما عاشاه في لبنان وفي الغربة. حملَا القلبَ والشّرفَ، وحملا مسؤوليةَ العائلةِ والوطنِ، واليومَ يحملانِ صليبَ المرضِ.

صلاة إلى أمّ الرحمة

أمّا أنا، ففي هذا الزمنِ الطويلِ للصليبِ، في داخلي وفي وطني، أرى سيّدةَ الرّحمةِ وقدِ ارتفعتْ في قلبِ كنيستي الصغيرةِ الوادعةِ المتواضعةِ. أراها واقفةً، كما كانتْ مريم واقفةً عند صليبِ ابنِها. وإليها أُنادي، وإليها أصلّي، وإليها أرفعُ صلاتي على شكلِ الصليبِ، وأقولُ:

يا مريمَ، يا أمّنا،

يا أمّ الرّحمةِ والمعونةِ،

يا ينبوعَ الرّجاء في ليلِ الألم،

صَلّي لأخويّ عبدو وبشارة.

كوني إلى جانبِهما في صليبِ المرضِ،

وقوّي قلبيْهما، وامنحيهما نعمةَ الشفاءِ إن كانت مشيئةَ ابنكِ الإلهيّة.

صلّي للبنان،

صلّي لكلّ المتألمين،

للمقهورين والمظلومين حقًا،

لمَن يحملون صليبَ الحربِ،

ولمَن يحملون صليبَ الغربة،

ولمَن يحملون صليبَ المرض،

ولكلّ قلبٍ طُعنَ بحربةِ الألم.

يا مريم، أمّ الرّحمةِ،

علّمينا أن نحملَ الصليبَ دون أن نفقدَ الرّجاءَ،

وأن نبكي دون أن نيأسَ،

وأن نتألمَ دون أن نفقدَ الإيمانَ،

وأن نموتَ عن ذواتِنا كلّ يومٍ،

حتى نصلَ مع المسيحِ،

من الجلجلةِ إلى القيامةِ.

يا أمّ الرّحمةِ، صلّي لاجلنا.

يا مريمَ، قودي أبناءَكِ من الصليبِ إلى القيامةِ.

آمين.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment