سالي علاوي
تشهد مناطق مختلفة من الضفة الغربية خلال الفترة الأخيرة زيادة ملحوظة في حجم الانتشار العسكري والأمني، في مشهد بات يفرض نفسه بصورة يومية على حياة الفلسطينيين. قوات معززة، آليات عسكرية، حواجز ثابتة ومفاجئة، عمليات تفتيش واقتحامات وتحركات متواصلة داخل محيط المدن والقرى والبلدات، جميعها ترسم واقعًا ميدانيًا أكثر توترًا وحساسية. ولا تبدو هذه الإجراءات مجرد حضور عسكري عابر، بل أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني، بما تفرضه من قيود على الحركة والتنقل، وما تخلقه من حالة دائمة من الترقب والقلق، خصوصاً في المناطق التي تشهد احتكاكاً متكرراً.
انتشار واسع وحركة عسكرية متواصلة
يتوزع الوجود العسكري على مداخل المدن والبلدات، وعلى الطرق الرابطة بين التجمعات الفلسطينية، وفي محيط القرى والمناطق القريبة من المستوطنات. وتترافق هذه التحركات مع إقامة حواجز عسكرية وعمليات تفتيش للمركبات والمواطنين، إلى جانب اقتحامات ليلية وتحركات للآليات العسكرية داخل المناطق السكنية. ويؤدي هذا الانتشار إلى تغيير طبيعة الحياة اليومية، فالمسافة التي كان يمكن قطعها خلال دقائق قد تتحول إلى رحلة طويلة بسبب حاجز مفاجئ أو إغلاق طريق، بينما تصبح حركة الموظفين والطلبة والمرضى والتجار مرتبطة بشكل مباشر بالوضع الميداني المتغير.
وتتضح طبيعة هذا التعزيز العسكري من تصريحات رئيس أركان الجيش الإحتلال إيال زامير في 27 أغسطس، حين قال، في سياق حديثه عن التوتر في الضفة الغربية واقتراب فترة الأعياد، إنه وجّه إلى رفع مستوى جاهزية قيادة فرقة نظامية إضافية لتعزيز حجم القوات في المنطقة، إلى جانب الاستعداد للتفعيل الفوري لوحدات وكتائب إضافية عند الحاجة.
وقال زامير: "في ضوء التوتر في يهودا والسامرة واقتراب فترة الأعياد، أُوجّه برفع مستوى جاهزية قيادة فرقة نظامية إضافية لتعزيز حجم القوات في المنطقة. وإضافة إلى ذلك، يجب الاستعداد للتفعيل الفوري لوحدات وكتائب من أجل تعزيز القوات في المنطقة." ولا تحمل هذه التصريحات دلالة على مجرد انتشار روتيني، بل تشير بوضوح إلى وجود توجه نحو تعزيز الجاهزية وإمكانية الدفع بمزيد من الوحدات والكتائب إلى الضفة الغربية، الأمر الذي يضيف بعداً جديداً إلى واقع ميداني يشهد أصلاً انتشاراً عسكرياً كثيفاً.
المواطن في قلب المشهد
لا تتوقف آثار الانتشار العسكري عند الجانب الأمني، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
إغلاق الطرق أو تعطيلها يعرقل وصول العمال إلى أماكن عملهم، ويؤثر في حركة البضائع والأسواق، كما يضيف أعباء جديدة على المرضى الذين يحتاجون إلى الوصول إلى المستشفيات، وعلى الطلبة الذين يتنقلون بين القرى والمدن. وفي المناطق التي تشهد اقتحامات متكررة، لا يعود القلق مرتبطاً بحدث محدد، وإنما يتحول إلى حالة مستمرة يعيشها السكان، خصوصاً مع عدم القدرة على معرفة متى يبدأ التصعيد ومتى ينتهي.
أين تذهب الأولوية الأمنية؟
مع هذا الحجم من الانتشار العسكري، يبرز سؤال أساسي يتعلق بأولويات توزيع القوات والموارد على الأرض.
فالقوات والإمكانيات العسكرية حاضرة بكثافة في المناطق الفلسطينية لضبط الحركة والتعامل مع الاحتكاكات، في وقت يبقى فيه السؤال قائماً حول مدى توجيه القدر نفسه من الإمكانيات لمنع اعتداءات المستوطنين والحد من الاحتكاكات قبل وقوعها.
فالاستقرار لا يتحقق فقط من خلال زيادة أعداد القوات عند نقاط التماس، وإنما يبدأ أيضاً بمنع مسببات التصعيد، وحماية السكان من الاعتداءات، ووقف أي سلوك يمكن أن يؤدي إلى مواجهة أوسع. وعندما تتركز القوة في التعامل مع نتائج التوتر بدلاً من معالجة أسبابه، يصبح المشهد أكثر قابلية للاشتعال، ويجد المواطن نفسه في قلب معادلة أمنية لا يملك أدوات التحكم بها.
كثافة القوات لا تعني بالضرورة مزيداً من الأمان
قد يبدو الانتشار العسكري المكثف، للوهلة الأولى، وسيلة لفرض السيطرة ومنع الفوضى، لكن وجود أعداد كبيرة من القوات والآليات في مناطق مكتظة بالسكان ومناطق احتكاك يرفع في الوقت نفسه احتمالات المواجهة.
فكلما زادت نقاط التماس، وزادت عمليات التفتيش والاقتحام والحواجز، اتسعت فرص الاحتكاك المباشر. وقد يبدأ الأمر بحادث محدود، أو مشادة عند حاجز، أو تجمع في منطقة متوترة، لكنه قد يتطور خلال دقائق إلى مواجهة أكبر، خصوصاً في ظل وجود قوات مسلحة وتعزيزات عسكرية قريبة. وهنا تكمن خطورة المشهد: ليس كل احتكاك قابلًا للسيطرة على مساره، وليس كل تصعيد يبدأ باعتباره مواجهة كبيرة.
الضفة الغربية أمام معادلة شديدة الحساسية
الضفة الغربية تعيش أصلاً واقعاً سياسياً وميدانياً شديد التعقيد، ومع زيادة الانتشار العسكري تصبح مساحة الخطأ أضيق، وتصبح أي حادثة قابلة لأن تتجاوز حدودها المحلية. فالاقتحام قد يؤدي إلى مواجهة، والحاجز قد يتحول إلى نقطة توتر، والاعتداء قد يستدعي ردود فعل متسلسلة، بينما يمكن أن يؤدي تراكم هذه الأحداث إلى رفع مستوى التوتر في مناطق واسعة. وفي المقابل، يدفع المواطن الثمن المباشر لهذه المعادلة، سواء عبر تعطيل حياته اليومية أو تقييد حركته أو تعرضه لمخاطر التصعيد.
الحاجة إلى خفض الاحتكاك لا مضاعفته
في مثل هذا الواقع، تصبح الأولوية الحقيقية هي تقليل فرص الاحتكاك وحماية المدنيين ومنع الأحداث الصغيرة من التحول إلى مواجهات واسعة. كما أن التعامل مع اعتداءات المستوطنين بعد وقوعها لا يعادل منعها قبل حدوثها. فكل حادثة لا يجري احتواؤها في بدايتها يمكن أن تنتج سلسلة جديدة من التوتر، خصوصاً في بيئة مشحونة أصلًا.
عندما يصبح الاحتكاك الصغير مأساة
في ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة إلى ضبط النفس والابتعاد عن نقاط التوتر أكثر إلحاحاً، ليس لأن المواطن مسؤول عن صناعة هذا الواقع، وإنما لأن ثمن أي تصعيد قد يكون باهظاً، خصوصاً عندما تكون المنطقة محاطة بالقوات والحواجز والآليات العسكرية.
"في ظل وجود قوات معززة في كل مكان، قد ينتهي أي احتكاك صغير بمأساة". هذه العبارة تختصر جانباً أساسياً من المشهد: في بيئة ميدانية شديدة التوتر، قد لا تحتاج المواجهة إلى حدث كبير كي تبدأ؛ أحياناً يكفي احتكاك صغير كي يفتح الباب أمام سلسلة من التطورات التي يصعب السيطرة عليها.
الانتشار العسكري المتزايد في الضفة الغربية لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد أرقام أو تحركات ميدانية، لأنه ينعكس بصورة مباشرة على حياة أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون في مساحة جغرافية مجزأة ومحاطة بالحواجز والقيود. ومع استمرار زيادة القوات والتحركات العسكرية، يبقى السؤال الأهم: هل يؤدي هذا الانتشار فعلًا إلى خفض التوتر، أم أن كثافته في بعض المناطق تخلق مزيداً من نقاط الاحتكاك؟
إن تحقيق الهدوء لا يرتبط فقط بحجم القوة الموجودة على الأرض، بل بطريقة استخدامها، وبمدى قدرتها على منع التصعيد وحماية المدنيين ووقف مسببات الاحتكاك قبل أن تتحول إلى مواجهات. وفي واقع شديد الحساسية كالضفة الغربية، قد يكون منع الشرارة الأولى أكثر أهمية من التعامل مع الحريق بعد اندلاعه.














09/14/2026 - 16:27 PM





Comments