جمال دملج *
في لبنان اليوم، قد يبدو اتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه مع إسرائيل، برعاية أميركية، وما تلاه من ترتيبات للمناطق التجريبية في الجنوب، مجرد فصل جديد من فصول المفاوضات التي عرفتها بلاد الأرز طوال عقود. لكن ما يجري في الوقت الراهن مختلف في جوهره، لأن السؤال لم يعد فقط كيف يمكن وقف الحرب وإطفاء لهيبها المشتعل، وإنما كيف يمكن الانتقال من وقفها إلى إنهاء حالة العداء، ومن ثم إلى بناء سلام قابل للحياة.
وهنا تحديدًا تظهر العقدة اللبنانية الأكثر صعوبة لتطرح في غمرة اكتوائها سؤالًا مؤدّاه: ماذا تفعل الدولة عندما يكون على أراضيها سلاح لا يخضع بالكامل لقرارها؟
وهنا يظهر الاتفاق الاطاري؛ كمحطةِ إطفاءٍ، ربط رجالها التقدم نحو الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بانتشار الجيش اللبناني في الجنوب وبالتحقق من تفكيك البنية العسكرية لحزب الله في المناطق المشمولة بالترتيبات التجريبية. وبذلك تصبح هذه المناطق، عمليًا، اختبارًا لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة سلطتها على الأرض، لا مجرد اختبار عسكري أو تقني.
منطقة الاختبار
المناطق التجريبية ليست، في جوهرها، سوى محاولة للبدء من مساحة محدودة بما يفترض أن يصبح لاحقًا قاعدة عامة: الجيش اللبناني يدخل، الدولة تتولى الأمن، السلاح يصبح شأنًا حصريًا للمؤسسات الشرعية، وإسرائيل تنسحب.
قد تبدو هذه المعادلة بسيطة على الورق، لكنها تصطدم بواقع عمره عقود. فحزب الله لم يكن يومًا مجرد حزب سياسي لبناني تقليدي يمتلك جناحًا عسكريًا. لقد نشأ في بيئة إقليمية وإيديولوجية عابرة للحدود، وتطورت بنيته ووظيفته في سياق إقليمي جعل من سلاحه جزءًا من مشروع يتجاوز الجغرافيا اللبنانية.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية. فالحزب الذي يريد أن يكون شريكًا سياسيًا كاملًا في الدولة اللبنانية لا يستطيع أن يحتفظ في الوقت نفسه بحقوق الدولة السيادية الأساسية: امتلاك السلاح، واتخاذ قرار الحرب والسلم، وإقامة علاقات عسكرية وأمنية خارجية مستقلة عن الحكومة اللبنانية.
من لبنان إلى غزة... ومن غزة إلى إيران
قد يقول الحزب إن سلاحه وُجد لمقاومة إسرائيل، وإن استمرار الاحتلال أو التهديد الإسرائيلي يبرر استمرار السلاح. ولكن مسار السنوات الأخيرة يطرح سؤالًا أكثر صعوبة.
فبعد حرب غزة عام 2023، دخل الحزب الحرب تحت عنوان "الإسناد"، ثم وجد نفسه في 2026 داخل معادلة إقليمية أكثر اتساعًا مرتبطة بالصراع الإيراني ـ الإسرائيلي.
وهكذا لم يعد من السهل إقناع اللبنانيين بأن السلاح يُستخدم فقط من أجل قضية لبنانية محضة.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كان القرار العسكري لبنانيًا، فمن يحدد متى يدخل لبنان الحرب؟ وإذا كان القرار إقليميًا، فما الذي يبقى من سيادة الدولة؟
هذه ليست مسألة أيديولوجية، بل مسألة دولة. والتجربة اللبنانية خلال أكثر من نصف قرن من الحروب تقول إن البلد الذي يسمح لأكثر من جهة بامتلاك قرار القوة، يدفع في النهاية ثمن تعدد القرارات.
الخوف من السياسة
ربما لهذا السبب تحديدًا يبدو انتقال حزب الله من التنظيم المسلح إلى الحزب السياسي الكامل أكثر صعوبة مما يبدو. فالسياسة، بخلاف العمل العسكري، تقوم على فن التسوية.
في السياسة لا تستطيع أن تحصل على كل شيء. ولا تستطيع أن تعتبر كل تنازل هزيمة، ولا أن تتعامل مع كل خصم باعتباره عدوًا يجب إخضاعه.
السياسة هي أن تقبل أحيانًا بما لا يعجبك، لأن البديل قد يكون أسوأ. وهنا يمكن فهم بعض اللغة التي لا تزال تصدر عن قيادات في الحزب، ومن بينها التحذيرات من "اللعب بالنار" والتهديد بأن النار قد تحرق من يقترب منها.
هذه اللغة تنتمي إلى ثقافة الردع والمواجهة أكثر مما تنتمي إلى ثقافة الدولة. والمشكلة أن الحزب، إذا كان يريد فعلًا أن يتحول إلى حزب سياسي طبيعي، يحتاج إلى الانتقال من ثقافة "نحن نحميكم لأننا نملك السلاح" إلى ثقافة "نحن نمثلكم لأنكم اخترتمونا عبر السياسة"... وهذا انتقال ليس تقنيًا، بل ذهني وسياسي قبل أن يكون عسكريًا.
هل يستطيع لبنان أن يصنع السلام؟
من هنا تصبح فرص نجاح اتفاق الإطار مرتبطة بثلاثة أطراف لا بطرف واحد. فإسرائيل مطالبة بالانسحاب وفق التفاهمات وعدم تحويل الأمن إلى ذريعة دائمة لإبقاء الأراضي اللبنانية تحت الاحتلال أو القصف. والدولة اللبنانية مطالبة بإثبات قدرتها على بسط سلطتها، لا بالكلام وإنما بالانتشار الفعلي للجيش وتطبيق القانون. أما حزب الله، فعليه أن يقرر ما إذا كان يريد أن يكون جزءًا من الدولة أم إنه لا يزال دولة داخل الدولة.
هذا هو السؤال الأصعب. فالجيش اللبناني لا يستطيع أن يستعيد كامل سلطته إذا بقي هناك طرف مسلح يحتفظ بقرار مستقل. والدولة لا تستطيع أن تفاوض إسرائيل بصورة فعالة إذا كانت لا تملك وحدها قرار الحرب والسلم. والسلام لا يستطيع أن يصبح دائمًا إذا بقيت احتمالات الحرب موزعة بين مؤسسات الدولة وقوى خارجها.
ولهذا، فإن نجاح المناطق التجريبية، مهما بدا محدودًا، يمكن أن يكون نقطة تحول. فإذا نجح الجيش في ممارسة سلطته، وإذا جرى التحقق من خلو المناطق من السلاح غير الشرعي، وإذا تلا ذلك انسحاب إسرائيلي تدريجي، فإن التجربة قد تتحول إلى نموذج قابل للتوسيع.
أما إذا فشلت، فقد تعود المنطقة إلى المعادلة القديمة نفسها: إسرائيل تقول إن السلاح يبرر بقاءها، والحزب يقول إن الاحتلال يبرر سلاحه، والدولة اللبنانية تبقى عالقة بين الشرطين.
السلام يحتاج إلى دولة واحدة
بعد ما يقارب نصف قرن من العمل الصحافي الميداني في لبنان وفي عدد من أكثر مناطق العالم اضطرابًا، تعلمتُ أن الحرب قد تبدأ بسبب قضية تبدو قابلة للحل، لكنها نادرًا ما تنتهي إلا عندما يقتنع أطرافها بأن كلفة استمرارها أصبحت أكبر من كلفة التسوية.
ولذلك لا أرى أن السؤال اللبناني اليوم يجب أن يكون: هل يستطيع لبنان أن ينتصر في حرب جديدة؟ بل: هل يستطيع أن يمنع الحرب المقبلة؟ والجواب، في رأيي، يبدأ من مكان واحد: الدولة.
صحيح أن اتفاق الإطار ليس سلامًا بعد، والمناطق التجريبية ليست نهاية الطريق، والانسحاب الإسرائيلي لم يكتمل. لكن الباب أصبح مفتوحًا أمام مسار يمكن أن ينقل لبنان من إدارة الحرب إلى إدارة السلام.
لكن أيضًا، يبقى العائق الأكبر هو السلاح الخارج عن الدولة. فإذا قرر حزب الله أن يتحول فعلًا إلى حزب سياسي لبناني، وأن يدخل اللعبة السياسية بكل ما تعنيه من تسويات وتنازلات وقبول بنتائجها، فإن السلاح يمكن أن يصبح صفحة من الماضي.
أما إذا بقي مصرًا على الجمع بين الحزب السياسي والتنظيم العسكري والوظيفة الإقليمية، فسيظل لبنان يدور في الحلقة نفسها.
وهنا ينبغي التأكيد على أن السلام في لبنان لا يحتاج إلى حزب أقوى من الدولة، ولا إلى دولة أقوى من طائفة، ولا إلى طائفة أقوى من سائر اللبنانيين... السلام يحتاج إلى دولة واحدة. وهنا، بالضبط، يبدأ الاختبار الحقيقي لوهج اتفاق الإطار... ويبدأ معه الاختبار الحقيقي لإطفاء حريق لبنان.
*إعلامي وكاتب لبناني












09/08/2026 - 21:14 PM





Comments