من كربلاء إلى هرمز - الحلقة الرابعة - كيف نستعيد البوصلة؟

09/08/2026 - 18:05 PM

Your Ad Here

 

رشيد ج. مينا

بعد رحلة امتدت من كربلاء ومن الصراع على الحكم والشرعية في بدايات الدولة الإسلامية، مرورًا بتشكل الذاكرة والمذهب ودخول المذهب في صراعات الدول والسلطنات، وصولًا إلى الثورة الإيرانية ومشاريع النفوذ الإقليمي والصراعات الممتدة من لبنان وسوريا والعراق واليمن إلى الخليج وهرمز، يصبح السؤال الذي ينبغي أن نتوقف أمامه ليس:

من انتصر في ذلك التاريخ؟

بل: ماذا فعل ذلك التاريخ بنا، وماذا نريد نحن أن نفعل به؟

ليس من العقل أن نطالب أمة بأن تنسى تاريخها، كما ليس من الإنصاف أن نطلب من جماعة التخلي عن ذاكرتها أو رموزها أو معتقداتها.

لكن هناك فارقًا كبيرًا بين أن نعرف التاريخ ونستخلص منه العبر، وبين أن نسكن فيه ونحمل صراعاته معنا جيلًا بعد جيل.

الحسين بن علي شخصية من تاريخ المسلمين جميعًا، ومقتله في كربلاء مأساة لا يحتاج المرء إلى انتماء مذهبي معين كي يرى فيها أبعادًا إنسانية وأخلاقية وسياسية عميقة.

ويمكن للمسلم أن يحب الحسين ويقدر موقفه ويرفض الظلم الذي وقع عليه، من دون أن يحمل خصومة موروثة مع مسلم آخر بسبب أحداث لم يكن أي منهما طرفًا فيها.

وكذلك لا ينبغي أن يصبح البحث التاريخي في ظروف كربلاء أو القرارات السياسية التي سبقتها ولحقتها انتقاصًا من الحسين أو استفزازًا لمشاعر المؤمنين.

فالاحترام الديني شيء، والبحث في أفعال البشر وقراراتهم السياسية شيء آخر.

وهنا ربما تكمن واحدة من المشكلات التي رافقت جانبًا كبيرًا من تاريخنا:

اختلط المقدس بالبشري، حتى أصبح نقد السياسة عند البعض نقدًا للدين، وأصبحت مراجعة الرواية التاريخية مساسًا بالعقيدة، وأصبح الخلاف مع حزب أو دولة أو مرجعية خلافًا مع الطائفة أو المذهب.

ومن هذا الباب دخلت السياسة مرارًا.

فالسياسة تحتاج إلى الناس، والناس تتحرك بالمصالح، لكنها تتحرك أيضًا بالعاطفة والخوف والانتماء والذاكرة. وليس أقوى في تحريك الوجدان من الدين عندما يرتبط بالمظلومية والدم والشهادة.

وهكذا يصبح ممكنًا أن تستدعي معركة سياسية معاصرة أسماء ورموزًا تعود إلى القرن الأول الهجري، وأن يتحول الخصم السياسي المعاصر إلى امتداد لخصم تاريخي، وأن يصبح الموقف من دولة أو حزب أو حرب امتحانًا في الولاء للدين أو المذهب.

وهنا تضيع الحدود.

نختلف مع إيران، فيتحول الخلاف عند البعض إلى خلاف مع الشيعة.

نختلف مع حزب الله، فيصبح الخلاف مع الطائفة الشيعية.

نرفض جماعة متطرفة ترفع راية سنية، فيتحول الاتهام إلى السنة.

وهكذا تنجح السياسة في تحويل مسؤولية الأفراد والتنظيمات والدول إلى مسؤولية جماعات كاملة.

وهذا تحديدًا ما ينبغي أن نرفضه.

فالشيعي العربي ليس مسؤولًا عن سياسة إيران لأنه شيعي، والسني ليس مسؤولًا عن جرائم «داعش» لأنه سني.

الإنسان يحاسب على موقفه وعمله، والدولة على سياستها، والحزب على أفعاله، ولا يجوز تحويل الهوية الدينية إلى لائحة اتهام جماعية.

لكن ذلك لا يعني أن نخشى تسمية الأشياء بأسمائها.

عندما تستخدم دولة المذهب لبناء نفوذها ينبغي أن نقول ذلك. وعندما تستخدم دولة أخرى المذهب المضاد لمواجهتها ينبغي أن نقول ذلك أيضًا. وعندما يحتمي حزب بقداسة دينية ليحول دون مساءلة قراره السياسي، فالمشكلة سياسية وليست في عقيدة أتباعه.

هذه المسافة بين احترام المعتقد ونقد استخدامه السياسي هي التي نحتاج إلى استعادتها.

ومن هنا نعود إلى إيران.

ليس من مصلحة العرب ولا الإيرانيين أن تتحول العلاقة بينهم إلى صراع مذهبي دائم.

إيران دولة كبيرة في المنطقة، لها تاريخ وحضارة وشعب ومصالح وأمن قومي، وستبقى جارة للعرب مهما تغيرت الأنظمة والحكومات.

لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني قبول حقها في بناء نفوذ داخل الدول العربية على حساب سيادتها، كما أن رفض هذا النفوذ لا يبرر العداء للشعب الإيراني أو للمذهب الشيعي.

المعادلة التي نحتاج إليها واضحة:

علاقات بين دول ذات سيادة، لا علاقات بين دولة وطوائف داخل دول أخرى.

وهذه القاعدة ينبغي أن تنطبق على الجميع.

فكما نرفض أن تكون لطهران أدوات تتجاوز الدول ومؤسساتها، ينبغي أن نرفض ذلك لأي دولة أخرى.

وكما نطالب إيران باحترام سيادة الدول العربية، ينبغي أن نرفض التدخل والوصاية والاحتلال من أي جهة أتت.

لا يمكن أن نطالب بسيادة انتقائية.

ولا يمكن أن نرفض الهيمنة عندما تأتي من خصم ثم نسميها حماية عندما تأتي من حليف.

السيادة إما أن تكون مبدأ، أو تصبح هي الأخرى شعارًا يستخدم عند الحاجة.

وهنا نصل إلى القضية العربية.

لقد أتاح ضعف النظام الرسمي العربي وتفكك عدد من دوله والحروب الداخلية وغياب مشروع عربي قادر على حماية المصالح المشتركة مساحات هائلة تدخل إليها القوى الإقليمية والدولية.

لم تدخل إيران العراق وسوريا ولبنان واليمن إلى فراغ جغرافي، بل إلى فراغ سياسي واستراتيجي صنعه ضعف الدولة والانقسام الداخلي والعجز العربي.

وهذا لا يبرر تدخلها.

لكنه يساعدنا على فهمه.

فمن يترك فراغًا في السياسة سيأتي من يحاول ملأه.

ولذلك فإن مواجهة مشاريع النفوذ الخارجي لا تبدأ بالصراخ ضد الخارج، بل بإغلاق الأبواب التي يدخل منها.

وهنا يعود لبنان مرة أخرى.

منذ إعلان دولة لبنان الكبير ونحن نبني مؤسسات الدولة ونبني، في الوقت نفسه، مؤسسات الطوائف داخلها وحولها. ومع كل أزمة، بدل أن تتقدم الدولة خطوة نحو المواطن، تتقدم الطائفة خطوة لتحل محلها.

المدرسة للطائفة، والمستشفى للطائفة، والجمعية للطائفة، والوظيفة تمر عبر الزعيم، والحماية يقدمها الحزب، والحقوق تصبح حصصًا، والانتخابات تتحول في كثير من الأحيان إلى إعادة توزيع للتمثيل الطائفي.

ثم نسأل:

لماذا لا تكتمل الدولة؟

لا يمكن أن نبني دولة مواطنين بأدوات دولة الطوائف.

ولا يعني ذلك إلغاء الطوائف. فالتنوع الديني والثقافي والاجتماعي حقيقة ينبغي حمايتها.

لكن حماية التنوع شيء، وتحويل التنوع إلى نظام دائم لتوزيع السلطة شيء آخر.

المطلوب أن يبقى للمواطن دينه وطائفته ومعتقده وحقه الكامل في ممارستها، لكن عندما يدخل باب الدولة يدخل بصفة واحدة:

مواطن.

فلا تكون الطائفة معيارًا للقضاء، ولا المذهب مدخلًا إلى الوظيفة، ولا الواسطة طريقًا إلى التعليم والاستشفاء، ولا الولاء السياسي شرطًا للخدمة في مؤسسات الدولة أو الانتماء إلى الجيش.

وعندما يحمل السلاح دفاعًا عن الوطن يكون تحت راية الدولة وقرارها.

هذه ليست دعوة إلى دولة تعادي الدين، ولا إلى مجتمع بلا هوية.

إنها دعوة إلى إعادة الدين إلى مكانه الأسمى:

إيمانًا وقيمًا وأخلاقًا وضميرًا، لا بطاقة عبور إلى السلطة.

وهنا نعود إلى جوهر الرسالة المحمدية وما حملته من توحيد وعدل ورحمة وكرامة للإنسان ومواجهة للعصبية والظلم.

فكيف وصلنا إلى أن يصبح السؤال عن المسلم أحيانًا: من أي مذهب هو، قبل أن نسأل من هو، وما عمله، وما أخلاقه؟

وكيف تحولت خلافات سياسية وقعت في صدر الإسلام إلى هويات سياسية يتوارثها الأبناء؟

هذه ليست مسؤولية كربلاء.

وليست مسؤولية الحسين.

إنها مسؤولية مسار تاريخي طويل تداخلت فيه السياسة بالعقيدة والعصبية والمصلحة، ومسؤوليتنا نحن عندما نصر على استدعائه إلى حاضرنا بدل أن ندرسه ونتعلم منه.

لقد بدأت رحلتنا بسؤال بسيط:

ماذا جرى في كربلاء؟

وحين حاولنا إزالة ما تراكم حول الواقعة وجدنا أنفسنا أمام أزمة حكم وشرعية في دولة ناشئة لم تكن قد استقرت فيها آلية واحدة لانتقال السلطة.

ثم وقعت المأساة.

وصنع الدم ذاكرة.

وأسهمت الذاكرة في بناء هوية.

ونمت حول الهوية العقائد والمؤسسات.

ثم اكتشفت الدول والقوى أن الهوية قابلة للاستثمار في صراع السلطة والنفوذ.

ومن دولة إلى أخرى، ومن عصر إلى آخر، وصلنا إلى إيران الحديثة وإلى لبنان والعراق وسوريا واليمن، ثم إلى البحر الأحمر والخليج وهرمز.

لكن هرمز ليس نهاية الرحلة.

النهاية التي ينبغي أن نبحث عنها ليست جغرافية، وإنما فكرية.

أن نعيد التاريخ إلى مكانه. وأن نعيد الدين إلى جوهره. وأن نعيد السياسة إلى وظيفتها في إدارة مصالح الناس والدول. وأن نعيد الدولة إلى مواطنيها. وأن نتعلم أن الاختلاف ليس دعوة إلى العداء، وأن المذهب ليس وطنًا، وأن الطائفة ليست دولة، وأن العلاقة بين الدول لا ينبغي أن تمر عبر جماعاتها المذهبية.

ربما عندها فقط نستطيع أن نقرأ كربلاء من دون أن نقاتل فيها من جديد. وأن ننظر إلى هرمز فلا نراه امتدادًا لصفين أو كربلاء، بل ممرًا تتقاطع عنده مصالح دول ينبغي أن تدير خلافاتها بعقل السياسة ومصالح شعوبها، لا باستدعاء دماء التاريخ.

لقد مر على كربلاء أكثر من ثلاثة عشر قرنًا. وليس الوفاء للحسين أن نبقي المعركة قائمة.

الوفاء للقيمة التي يمكن أن نستخلصها من موقفه أن نرفض الظلم حيث وقع، والاستبداد أيًا كان صاحبه، والعصبية مهما كان اسمها، وأن نبني مجتمعًا لا يحتاج فيه الإنسان إلى طائفته ليحصل على حقه، ولا إلى الخارج ليحميه من شريكه في الوطن.

عندها نستطيع أن نقول إننا تعلمنا شيئًا من التاريخ.

أما أن نبقى نستحضر الماضي لنبرر صراعات الحاضر، ونورث أبناءنا الخصومات نفسها، ونبدل أسماء الدول والجيوش بينما تبقى العقلية ذاتها، فإننا لا نقرأ التاريخ.

نحن نعيد إنتاجه. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد آخر سطر من هذه السلسلة ليس من كان المنتصر في كربلاء، ولا من يسيطر اليوم على هذه الساحة أو تلك، بل:

متى ينتصر الإنسان على العصبية، والمواطن على الطائفة، والدولة على مشاريع ما دون الدولة، والعقل على تاريخ لم نعد قادرين على تغييره، لكننا ما زلنا قادرين على ألا نجعل منه قدرًا لمستقبل أبنائنا؟

مراجع للاستزادة والتوثيق*

استندت السلسلة في تدقيق بعض الوقائع والتسلسل التاريخي إلى عدد من المصادر والدراسات الأكاديمية، مع المقارنة بينها والتمييز قدر الإمكان بين الواقعة التاريخية والروايات والتفسيرات اللاحقة. ومن أبرزها: Encyclopaedia Iranica في موضوعات كربلاء والحسين وتطور الذاكرة الشيعية والدولة الصفوية، ودراسات Council on Foreign Relations في الثورة الإيرانية وشبكات النفوذ الإقليمي وحزب الله والحوثيين، إلى جانب مراجع ودراسات تاريخية تناولت تطور المذاهب والعلاقات العثمانية–الصفوية.

ولا تعني الاستعانة بهذه المراجع تبني جميع آرائها وتفسيراتها، وإنما استخدامها للتحقق والمقارنة؛ إذ تبقى غاية السلسلة قراءة الأحداث في سياقاتها التاريخية، بعيدًا قدر الإمكان عن الرواية المذهبية أو السياسية المسبقة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment