الجنوب اللبناني تحت النار.. كفررمان تنزف والتهجير يتسع و«الخط الرمادي» يلوح في الأفق
كفررمان تحت النار.. عائلات بين الركام ومسعفون في مرمى الاستهداف والتهجير يتوسع
مصادر دبلوماسية لـ بيروت تايمز «الخط الرمادي» مقابل الانسحاب الكامل؟ إسرائيل تعيد رسم انتشارها في جنوب لبنان
الجنوب اللبناني – بيروت تايمز – منى حسن
دخل الجنوب اللبناني، فجر اليوم الإثنين، مرحلة جديدة من التصعيد الإسرائيلي، بعدما تحولت بلدة كفررمان في قضاء النبطية إلى مسرح لغارات دامية أوقعت 11 قتيلاً، بينهم رضيعان ومسعفان، إضافة إلى عدد من الجرحى، في وقت تواصلت فيه الغارات على بلدات أخرى، بالتزامن مع موجة نزوح جديدة من مناطق عدة في الجنوب.
ويأتي هذا التصعيد الميداني في توقيت بالغ الحساسية، بالتوازي مع معلومات دبلوماسية تتحدث عن بحث إسرائيل في إعادة انتشار قواتها داخل الأراضي اللبنانية والانتقال من مواقع انتشارها الحالية إلى حزام أمني أقرب إلى الحدود، في صيغة يجري تداولها تحت مسمى «الخط الرمادي»، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التجاذب حول طبيعة الانسحاب الإسرائيلي وحدوده.
كفررمان.. منزل سكني يتحول إلى ركام
في كفررمان، استهدفت غارة إسرائيلية مبنى سكنياً مؤلفاً من ثلاثة طوابق، ما أدى إلى تدميره بالكامل، فيما عملت فرق الإنقاذ والإسعاف لساعات على رفع الأنقاض وانتشال الضحايا. وبحسب المعطيات التي أوردتها الوكالة الوطنية للإعلام ونقلتها وكالات دولية، أسفرت الغارة على المبنى عن سقوط تسعة قتلى، بينهم أطفال، قبل أن ترتفع الحصيلة الإجمالية إلى 11 قتيلاً بعد استهداف سيارة كان يستقلها مسعفان. وكانت بين الضحايا عائلات وأطفال، بينهم رضيعان، في مشهد أعاد إلى الواجهة حجم المخاطر التي بات يواجهها المدنيون في القرى والبلدات الجنوبية.
وفي هجوم منفصل، استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة في كفررمان، ما أدى إلى مقتل مسعفين اثنين وإصابة آخرين، وهكذا، لم يعد السؤال في الجنوب يقتصر على مواقع الاستهداف العسكرية، بل باتت المنازل السكنية والسيارات وفرق الإنقاذ نفسها في دائرة الخطر، فيما تتواصل عمليات البحث عن ناجين ومفقودين بين الركام.
إسرائيل: استهداف بنى تحتية ومواقع عسكرية
في المقابل، قالت إسرائيل إن ضرباتها في جنوب لبنان استهدفت ما وصفته بـ«بنى تحتية» تابعة لحزب الله، وذلك رداً على نشاط عسكري، فيما تحدث الجيش الإسرائيلي عن استهداف مواقع مرتبطة بإطلاق طائرات مسيّرة متفجرة. وشملت الغارات الإسرائيلية مناطق في كفررمان ودير الزهراني والنبطية الفوقا وعربصاليم، وسط تحليق مكثف للطائرات المسيّرة والحربية فوق عدد من المناطق الجنوبية.
وفي دير الزهراني، سبق الغارة إنذار إسرائيلي بإخلاء أحد المباني، قبل أن يتم استهدافه وتدميره، وفق تقارير إعلامية.
الجنوب أمام موجة نزوح جديدة
التصعيد لم يتوقف عند الخسائر البشرية، إذ بدأت ملامح موجة نزوح جديدة بالظهور في عدد من البلدات الجنوبية، بعدما دفعت الغارات المتواصلة السكان إلى مغادرة منازلهم بحثاً عن مناطق أكثر أمناً.
وتأتي هذه الموجة بعد سلسلة غارات شهدتها منطقة النبطية والقرى المحيطة خلال الساعات والأيام الماضية، ما يزيد المخاوف من تحول النزوح المؤقت إلى تهجير واسع النطاق، في ظل استمرار الغموض حول مستقبل الوضع الأمني في الجنوب.
من علي الطاهر إلى «الخط الرمادي»
ويتزامن التصعيد مع تطور عسكري لافت تمثل في إعلان الجيش الإسرائيلي إحكام سيطرته العملياتية على تلال علي الطاهر، وهي منطقة استراتيجية تشرف على أجزاء واسعة من النبطية وإقليم التفاح وجبل الريحان.
وتكتسب السيطرة على هذه المرتفعات أهمية عسكرية بسبب موقعها الجغرافي، فيما تتحدث التقارير عن استمرار عمليات البحث وتدمير منشآت وأنفاق في المنطقة.
وفي موازاة ذلك، برزت معلومات عن نقاش إسرائيلي حول إعادة انتشار القوات في جنوب لبنان، بحيث يتم تقليص مساحة وجودها الحالي والانتقال إلى مواقع أقرب إلى الحدود.
وبحسب مصادر دبلوماسية لـ«بيروت تايمز»، فإن الخطة التي يجري بحثها تقضي بانسحاب القوات الإسرائيلية من مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية التي تنتشر فيها حالياً، مع إبقاء انتشار عسكري ضمن حزام يتراوح عمقه، وفق التصور المطروح، بين كيلومترين وأربعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
وتطلق المصادر على هذا الانتشار المقترح تسمية «الخط الرمادي»، في مقابل «الخط الأصفر» الذي ارتبط بمواقع الانتشار الإسرائيلي الحالية.
«الخط الرمادي».. انسحاب أم إعادة إنتاج للحزام الأمني؟
مصادر دبلوماسية مطلعة ترى أن أهمية الطرح لا تكمن فقط في المسافة الجغرافية التي قد تتراجع إليها القوات الإسرائيلية، بل في السؤال الأساسي المتعلق بطبيعة هذا الانتشار.
فإذا بقيت القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، ولو على مسافة أقرب إلى الحدود، فإن ذلك لن يكون انسحاباً كاملاً بالمعنى القانوني والسياسي، بل إعادة انتشار عسكري وإعادة رسم للحزام الأمني.
وهنا تكمن العقدة الأساسية في المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية: هل يكون «الخط الرمادي» مرحلة انتقالية تقود إلى الانسحاب الكامل، أم يتحول إلى واقع أمني جديد طويل الأمد؟ وتشير المعطيات المتداولة إلى أن أي خطة من هذا النوع تحتاج إلى قرار سياسي إسرائيلي نهائي، كما ترتبط بمسار التفاوض مع لبنان وبرعاية أميركية.
اتفاق الإطار أمام اختبار جديد
يأتي التصعيد الحالي فيما لا يزال اتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه برعاية أميركية في حزيران يواجه عقبات كبيرة في التنفيذ. ويفترض الاتفاق، وفق التقارير المتداولة، انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من الأراضي اللبنانية مقابل ترتيبات أمنية وانتشار للجيش اللبناني، فيما بقيت قضايا أساسية عالقة، بينها مسألة السلاح، وحدود الانسحاب، وآلية التحقق، وضمانات وقف الأعمال العسكرية.
وفي هذا السياق، فإن استمرار الغارات الإسرائيلية بالتزامن مع الحديث عن إعادة الانتشار يضع الاتفاق أمام اختبار صعب، ويثير تساؤلات حول ما إذا كانت العمليات العسكرية الحالية جزءاً من محاولة لفرض وقائع ميدانية قبل الانتقال إلى المرحلة التفاوضية التالية.
واشنطن أمام اختبار الجنوب
وتتجه الأنظار في المرحلة المقبلة إلى الدور الأميركي، باعتبار واشنطن الراعي الأساسي للمسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل.
فالولايات المتحدة تواجه معادلة دقيقة: من جهة، تسعى إلى تثبيت ترتيبات أمنية تمنع عودة التصعيد؛ ومن جهة أخرى، تواجه واقعاً ميدانياً يتناقض مع أي حديث عن تهدئة، مع استمرار الغارات والعمليات الإسرائيلية وسقوط الضحايا المدنيين. وتقول مصادر متابعة إن نجاح أي صيغة جديدة للانتشار يتطلب تحديداً واضحاً للخطوط والمواقع والمهل الزمنية، إضافة إلى ضمانات تمنع تحول «الخط الرمادي» إلى حدود أمر واقع داخل الأراضي اللبنانية.
الجنوب أمام مفترق طرق
وبينما تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية، يجد سكان الجنوب أنفسهم أمام مشهد شديد القسوة: منازل مدمرة، عائلات تنزح، أطفال بين الضحايا، ومسعفون يسقطون أثناء أداء مهامهم. وتأتي مجزرة كفررمان لتضيف فصلاً جديداً إلى هذا المشهد، في وقت تتسع فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى إفراغ المزيد من البلدات الجنوبية من سكانها.
أما سياسياً، فإن الحديث عن «الخط الرمادي» يفتح مساراً موازياً للصراع الميداني: إسرائيل تتحدث عن ترتيبات أمنية وإعادة انتشار، ولبنان يطالب بانسحاب كامل من أراضيه، والولايات المتحدة تحاول إبقاء مسار التفاوض قائماً.
وبين هذه المسارات الثلاثة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يكون «الخط الرمادي» محطة مؤقتة على طريق الانسحاب الإسرائيلي الكامل، أم يتحول إلى صيغة جديدة لحزام أمني داخل الأراضي اللبنانية؟
الإجابة لن تكون عسكرية فقط، بل ستحددها في النهاية طاولة المفاوضات، وما ستفرضه الوقائع الميدانية في الجنوب خلال الأيام المقبلة.














09/08/2026 - 00:13 AM





Comments