رشيد ج. مينا
لم تكن الثورة الإيرانية عام 1979 بداية التشيع، ولا بداية الخلاف المذهبي، ولم تصنع كربلاء أو ذاكرتها. لكنها شكلت نقطة تحول كبرى عندما اجتمعت في العصر الحديث دولة ذات إمكانات كبيرة، وعقيدة سياسية دينية، وذاكرة مذهبية عميقة، ومشروع ثوري يرى لنفسه رسالة تتجاوز الحدود الوطنية.
وهنا ينبغي أن نكمل القراءة بالطريقة نفسها التي بدأنا بها: لا شيطنة لإيران ولا تبرئة لها، ولا تحميل للمذهب الشيعي مسؤولية سياسة دولة، ولا تجاهل لما فعلته الدولة بالمذهب والهوية والذاكرة عندما أدخلتها في مشروعها السياسي.
فإيران دولة لها تاريخها ومصالحها وأمنها القومي وطموحاتها، مثل غيرها من الدول. لكن الجمهورية الإسلامية أضافت إلى أدوات الدولة التقليدية خطابًا ثوريًا عابرًا للحدود، ثم بنت مؤسسات قادرة على تحويل جانب منه إلى نفوذ سياسي وعسكري خارج حدودها. ولم يكن خطاب الثورة الأول مذهبيًا صرفًا. رفع شعارات الوحدة الإسلامية وفلسطين ومواجهة إسرائيل والهيمنة الأميركية ونصرة المستضعفين، واستطاع مخاطبة شخصيات وحركات من خارج البيئة الشيعية أيضًا.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: ماذا قالت الثورة؟
بل: ماذا بنت على الأرض؟
مع مرور السنوات أصبح الحرس الثوري، وخصوصًا فيلق القدس، أحد أهم أدوات السياسة الخارجية الإيرانية، وتكونت شبكة من القوى والحركات المسلحة والحلفاء والشركاء في دول متعددة. ولا تتساوى علاقات هذه القوى بطهران ولا درجة استقلالها عنها، لكن وجود شبكة إقليمية تستخدمها إيران لتوسيع نفوذها وقدرتها على الردع أصبح حقيقة موثقة على نطاق واسع.
وهنا ينبغي تثبيت قاعدة مهمة: إيران لم تصنع بالضرورة القوى التي استثمرت فيها. وهذا يجعل تجربتها أكثر أهمية لفهم كيفية عمل النفوذ السياسي.
فالقوة الخارجية لا تحتاج دائمًا إلى صناعة حركة من الصفر. قد تجد مظلمة موجودة، أو جماعة تشعر بالتهميش، أو حربًا أهلية، أو انهيارًا في الدولة، أو قوة محلية ذات مشروعها الخاص، ثم تلتقي المصالح وتدخل أدوات المال والسلاح والتدريب والعقيدة والسياسة.
لبنان... من الحرمان إلى فائض القوة
الشيعة في لبنان ليسوا صناعة إيرانية، وحرمان مناطق واسعة من الجنوب والبقاع كان واقعًا لبنانيًا، والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وحركة المحرومين وموسى الصدر سبقوا الجمهورية الإسلامية. لكن الحرب اللبنانية، وانهيار مؤسسات الدولة، والاجتياح الإسرائيلي سنة 1982، وقيام الجمهورية الإسلامية قبل ذلك بثلاث سنوات، صنعت جميعها بيئة جديدة.
وفي هذه البيئة نشأ حزب الله، بدعم إيراني كبير، وارتبط منذ بداياته بعلاقة عقائدية وسياسية وعسكرية وثيقة بطهران. وأصبح لاحقًا أبرز حلفائها المسلحين في المنطقة.
ولا يمكن إنكار الدور الذي أدته المقاومة اللبنانية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، كما لا يجوز أن يمنعنا ذلك من طرح السؤال الآخر:
ماذا يحدث عندما تتحول قوة نشأت في سياق مقاومة الاحتلال إلى قوة عسكرية وسياسية دائمة داخل دولة لا تحتكر وحدها السلاح وقرار الحرب والسلم؟ وهنا نعود إلى أزمة الدولة اللبنانية.
فما كان نقصًا في تمثيل طائفة أصبح في مرحلة لاحقة فائض قوة لدى حزب من أحزابها، وبقيت الدولة في الحالتين عاجزة عن أن تكون المرجعية الوحيدة لجميع مواطنيها.
وهذا ليس اتهامًا للشيعة؛ فالطائفة ليست حزبًا، وحزب الله ليس جميع الشيعة. كما أن تاريخ لبنان مليء بقوى وطوائف استعانت بالخارج وحملت السلاح خارج الدولة.
المشكلة أعمق:
كلما ضعفت الدولة أصبحت الجماعة أقوى، وكلما استقلت الجماعة بقوتها عن الدولة ازدادت الدولة ضعفًا.
العراق... حين فتح انهيار الدولة الأبواب
ثم جاء العراق بعد الغزو الأميركي سنة 2003.
سقط النظام ومعه جانب كبير من بنية الدولة، وظهر فراغ سياسي وأمني واسع، ودخل البلد مرحلة من الصراع والإرهاب والانقسام والتدخل الخارجي.
كانت إيران مؤهلة للاستفادة من هذا الفراغ بحكم الجغرافيا والعلاقات القديمة مع قوى عراقية وروابط دينية وسياسية، ثم طورت علاقات مع أحزاب وفصائل مسلحة أصبح لبعضها وزن كبير داخل المشهد العراقي.
لكن اختصار مأساة العراق بالنفوذ الإيراني وحده تزوير للصورة.
فالاحتلال الأميركي، وحل مؤسسات الدولة، وإرث النظام السابق، وأخطاء القوى العراقية، والقاعدة ثم «داعش»، والصراع الداخلي، كلها عوامل أساسية.
إيران دخلت من أبواب فتحها انهيار الدولة، لكنها لم تكن وحدها من صنع الانهيار.
سوريا... المصلحة والعقيدة في ساحة واحدة
وفي سوريا اتخذ الأمر شكلًا آخر.
عندما تحولت احتجاجات 2011 إلى حرب واسعة، وقفت إيران إلى جانب نظام بشار الأسد، حليفها الاستراتيجي والممر الأساسي في اتصالها بحزب الله وشرق المتوسط.
ومع تطور الحرب لم يقتصر الدور الإيراني على الدعم السياسي والمالي، بل شاركت قوى مرتبطة بها، وفي مقدمتها حزب الله، إضافة إلى تشكيلات عراقية وأفغانية وغيرها. ودخلت الرموز المرتبطة بالمقامات وأهل البيت والدفاع عن المقدسات في بعض خطاب التعبئة، إلى جانب الهدف السياسي والعسكري المتمثل في الحفاظ على الحليف السوري ومحور النفوذ الإيراني.
فهل كان تدخل إيران في سوريا مذهبيًا فقط؟
لا.
وهل كان المذهب والرمز الديني غائبين تمامًا عن التعبئة؟
أيضًا لا.
وهنا يتكرر ما رافق رحلتنا منذ البداية: العقيدة موجودة، والمصلحة موجودة، والسياسة تستخدم ما تستطيع من أدوات عندما تخوض صراع القوة.
اليمن... الحركة التي لم تصنعها إيران، واليمن يقدم المثال الأوضح على خطورة التفسير المبسط.
الحوثيون لم تصنعهم إيران.
الحركة ذات جذور يمنية وزيدية وسياسية واجتماعية محلية، وخاضت صراعاتها مع نظام علي عبد الله صالح قبل أن تصل علاقتها بإيران إلى المستوى الذي عرفته لاحقًا.
لكن إيران وجدت في صعود الحوثيين فرصة استراتيجية، وتنامى دعمها لهم، وأسهم في تطوير قدراتهم العسكرية، بما فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر. وفي الوقت نفسه لا يصح اختزال الحوثيين في مجرد قوة تتحكم طهران بكل قراراتها؛ فالدراسات نفسها تشير إلى أن الشبكة الإيرانية تضم قوى متفاوتة في استقلالها وعلاقتها بإيران.
وهذا يعيدنا إلى القاعدة:
الحركة ليست بالضرورة صناعة من يستثمرها.
قد تكون لها قضيتها وأسبابها وقيادتها وقاعدتها الاجتماعية، ثم تلتقي مصالحها مع قوة إقليمية تجد فيها وسيلة لتوسيع مجال تأثيرها.
ومن هنا نقترب من معنى عنواننا:
من كربلاء إلى هرمز
ماذا بقي من كربلاء في كل هذا؟
ليس المقصود، بطبيعة الحال، أن نزاعًا أو صاروخًا أو حربًا معاصرة سببها المباشر مقتل الحسين قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنًا. مثل هذا الربط سيكون عبثًا بالتاريخ.
الذي بقي هو مخزون هائل من الرموز والذاكرة واللغة القادرة على التعبئة: المظلومية، والشهادة، والتضحية، وكربلاء، والحسين، ونصرة المستضعفين. وعندما تمتلك دولة مشروعًا سياسيًا ومؤسسات وقدرات مالية وعسكرية وإعلامية، تستطيع أن تربط هذا المخزون الرمزي بقضايا الحاضر. وهنا تكمن القوة كما يكمن الخطر.
فالمواطن لا يعود مدعوًا فقط إلى تأييد سياسة دولة أو حزب يمكنه أن يوافق عليها اليوم ويعارضها غدًا؛ قد يصبح موقفه السياسي محاطًا بمعنى ديني وأخلاقي أكبر، ويصبح الاختلاف السياسي أكثر صعوبة عندما يُقدَّم باعتباره اختلافًا بين الحق والباطل.
لكن إيران ليست وحدها
وسيكون ظلمًا للحقيقة أن نصور إيران وكأنها وحدها اكتشفت قوة الدين والمذهب في السياسة.
ففي مواجهتها جرى أيضًا استدعاء الهوية السنية، واستخدمت دول وقوى وحركات خطابًا مذهبيًا مضادًا، ووصلت تيارات تكفيرية إلى اعتبار الشيعي خصمًا بسبب هويته، كما شهدنا مع «القاعدة» و«داعش» وأشباههما.
كما استخدمت قوى إقليمية ودولية الانقسامات الطائفية والقومية والمذهبية عندما خدمت مصالحها٠.
ولذلك فالقضية ليست أن الشيعة يستخدمون المذهب والسنة لا يفعلون، ولا أن إيران شر مطلق وخصومها بلا مشاريع ومصالح.
القضية أن المنطقة دفعت ثمن تحويل الهويات الدينية والمذهبية إلى أدوات في صراع الدول على النفوذ. وهنا نصل إلى هرمز.
ليس بوصفه امتدادًا جغرافيًا لكربلاء، بل رمزًا للانتقال الهائل الذي شهدناه: من واقعة في صراع على الشرعية في القرن الأول الهجري، إلى ذاكرة، ثم هوية ومؤسسات، ثم توظيف سياسي للهوية، وصولًا إلى دولة حديثة تجمع في استراتيجيتها المصلحة القومية والعقيدة والجغرافيا والسلاح وشبكات الحلفاء.
لكن السؤال الأهم ليس كيف وصلنا من كربلاء إلى هرمز.
السؤال هو: هل نستطيع العودة من صراعات هرمز إلى بوصلة الرسالة؟ ومن هنا تبدأ الحلقة الأخيرة.











09/08/2026 - 00:31 AM





Comments