رشيد ج. مينا
سبق أن تناولت في أكثر من مقال موضوع المطاعم، لا من باب الحديث عن الطعام وحده، وإنما لما أصبح يمثله هذا القطاع من ظاهرة اقتصادية واجتماعية تتداخل فيها الحاجة والرفاهية، والمذاق والجودة، ومساحات اللقاء والراحة، ومتطلبات العصر وسرعته وتحولاته.
أما حديثي اليوم فينطلق مما أشاهده من هذا الكم الهائل من الدعاية والإعلان والحراك الإعلامي الذي يحيط بالمطاعم والطعام، والذي أراه يأخذ وجهين مختلفين في الشكل، لكنهما يلتقيان أحيانًا في الابتعاد عن جوهر المطعم ووظيفته الحقيقية.
الوجه الأول يمثله ذلك العدد المتزايد ممن يقدمون أنفسهم باعتبارهم خبراء في المطاعم، عارفين بأسرار نجاحها وآليات عملها وإدارتها، إلى جانب سيل لا ينتهي من أصحاب الوصفات وتركيبات الطعام، ومن يسمون أنفسهم متذوقين ومقيمين، يمنحون هذا المطعم شهادة نجاح ويحكمون على ذاك بالفشل، ويرفعون طبقًا إلى مصاف الإبداع ويهدمون آخر، حتى أصبح الرأي في الطعام عند البعض صناعة إعلامية قائمة بذاتها.
وليس الاعتراض هنا على النقد أو التقييم أو تبادل الخبرة، فذلك كله يمكن أن يكون مفيدًا للمستهلك ولصاحب المطعم معًا، وإنما على تحول جزء منه إلى استعراض تحكمه المشاهدة والإعلان والمصلحة أكثر مما تحكمه المعرفة والمهنية والذوق.
بل إن طريقة تناول الطعام أمام الكاميرات لدى بعض هؤلاء أصبحت جزءًا من العرض نفسه؛ لقمة أكبر، وصوت أعلى، وحركات ومبالغات يراد منها إثارة المشاهد، حتى يبدو الطعام أحيانًا وكأنه فقد شيئًا من ثقافته وذوقه وآدابه، وعدنا في طريقة تناوله إلى مشاهد تستحضر زمنًا سحيقًا سبق المطاعم وآداب المائدة، بدل أن نكون أمام إنسان يتذوق طعامًا ويحاول أن ينقل تجربته بموضوعية.
وهنا تصبح المشكلة أكبر من تقييم مطعم أو طبق. فما يراه المشاهد ليس بالضرورة الحقيقة، وما يتصدر الشاشات ليس بالضرورة الأفضل. قد تصنع الكاميرا والإضاءة والمونتاج والإعلان من طبق عادي حدثًا، وقد يمر طبق مميز من دون أن يسمع به أحد. وبين الإعلان المدفوع والتقييم الحقيقي مساحة ينبغي ألا تضيع فيها ثقة المستهلك.
أما الوجه الثاني، فهو ذلك الاندفاع المتزايد لربط نجاح المطعم وتفوقه بقدر ما يستخدمه من التكنولوجيا والوسائل الحديثة والذكاء الاصطناعي:
شاشات وأجهزة ذكية، وقوائم إلكترونية، وتطبيقات للطلب والدفع، وأنظمة للحجز والتوصيل، ولوحات رقمية، وإعلانات وصور وأفلام وفيديوهات يولد بعضها الذكاء الاصطناعي، وكأن كثرة هذه الوسائل أصبحت في ذاتها دليلًا على تطور المطعم وجودته ونجاحه.
ولا شك في أن بعض هذه التقنيات يمكن أن يكون مفيدًا في التنظيم والإدارة واختصار الوقت وتسهيل الطلب والدفع والتوصيل، لكن علينا ألا نخلط بين الأداة وبين الأصل. فهذه وسائل مساعدة يمكن للمطعم أن يستفيد منها بقدر حاجته إليها، لكنها ليست ما يصنع المطعم ولا ما يمنحه قيمته، ولا ينبغي أن تصبح معيارًا نقيس به جودة التجربة أو نجاحها.
فالمطعم كان موجودًا قبل هذه التكنولوجيا وسيبقى جوهره بعدها: طعام جيد، مذاق يشتهيه الإنسان، جودة ونظافة، خدمة حسنة، ومكان يجد فيه الزبون ما يحتاج إليه من راحة ولقاء ومتعة. ومن هنا فإن السؤال ليس: كم من التكنولوجيا يستخدم المطعم؟ ولا إلى أي حد دخل الذكاء الاصطناعي إلى عملياته؟
السؤال الأبسط والأهم هو: ماذا يقدم للإنسان عندما يجلس إلى مائدته؟ فالإنسان لماذا ذهب إلى المطعم أصلًا؟
المطعم مساحة للقاء والراحة والترفيه وتناول ما هو لذيذ وجيد. وهو كذلك حاجة وضرورة لشرائح واسعة من الناس فرضها تطور نمط الحياة. فهناك من يعمل بعيدًا عن منزله، وهناك الطالب والعامل والمسافر، وهناك من يقضي يومه بين الأعمال والارتباطات، في زمن أصبح استثمار الوقت فيه ضرورة لا ترفًا. وهناك من يذهب إلى المطعم مع أسرته أو أصدقائه، ومن يبحث عن ساعة راحة، ومن يريد تجربة مذاق مختلف، ومن يرغب في تناول طبق يحبه ولا يستطيع أو لا يريد إعداده في منزله.
أي إن الإنسان لا يدخل المطعم لكي «يشحن» جسده بالطعام ثم يغادر. وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن نتوقف عندها. فالسرعة مطلوبة، وتسهيل الخدمة أمر محمود، لكن هل يعني ذلك أن يتحول المطعم إلى مجرد روبوت، والزبون إلى مجرد شاحن له؟
هل المطلوب أن يدخل الإنسان، يضغط شاشة، ويدفع إلى شاشة، ويتلقى رقمًا من شاشة، ثم يأخذ وجبته ويخرج، وكلما قل التواصل الإنساني اعتبرنا ذلك تقدمًا؟
قد يناسب هذا النموذج بعض الأماكن وبعض الظروف، وقد يحتاج إليه من يريد وجبته بأسرع وقت ممكن، لكن تحويله إلى النموذج الذي ينبغي أن تسير إليه المطاعم جميعها يعني أننا نختزل تجربة إنسانية واجتماعية في عملية تقنية.
فالضيافة ليست زرًا. والابتسامة ليست تطبيقًا. والراحة لا تصنعها الشاشة. والطعم لا يولده الذكاء الاصطناعي.
قد تساعد الوسائل الحديثة صاحب المطعم في معرفة حجم مبيعاته، وتنظيم مخزونه، ومتابعة الطلب، وتخفيض الهدر، أو تسهيل بعض جوانب الإدارة والخدمة، لكن كل ذلك يبقى خلف الكواليس، حيث ينبغي له أن يكون:
في خدمة المطعم، لا بديلًا من المطعم.
فلا التكنولوجيا ولا الذكاء الاصطناعي يستطيعان أن يجعلا المادة الرديئة جيدة، أو الخبز غير الطازج طازجًا، أو الطبق عديم النكهة شهيًا، أو العامل غير المدرب محترفًا، أو الخدمة السيئة ضيافة. كما أن أجمل صورة يولدها الذكاء الاصطناعي لا تستطيع أن تمنح الطعام الحقيقي طعمًا أفضل. وهنا تظهر مشكلة أخرى لا تقل أهمية: أن يصبح الطعام نفسه مصنوعًا للصورة قبل أن يكون مصنوعًا للإنسان.
نرى اليوم صورًا وأفلامًا إعلانية لمنتجات تكاد تجعل المشاهد يشم رائحتها ويتذوقها من خلف الشاشة. ألوان محسنة، وأحجام مثالية، ومكونات مرتبة بدقة، ولقطات تجعل الجبن أكثر ذوبانًا والخبز أكثر لمعانًا واللحم أكثر عصارة. لكن ماذا يحدث عندما يصل المنتج الحقيقي إلى الزبون؟
هذه هي لحظة الحقيقة.
فإذا وجد أمامه ما يقترب مما وعدته به الصورة، أدت وسائل الإعلان وظيفتها. أما إذا وجد شيئًا آخر، تكون التكنولوجيا قد تحولت من وسيلة لتعريفه بالمنتج إلى وسيلة لتزيين حقيقة غير موجودة. ولذلك، مهما تطورت وسائل الإعلان والتصوير والذكاء الاصطناعي، تبقى للمطعم حقيقة لا يمكن تصنيعها رقميًا: الجودة والطعم والرائحة والنظافة والخدمة والراحة.
الرائحة لا تزال تصل إلى الإنسان قبل الصورة أحيانًا، والطعم يبقى في ذاكرته بعد أن ينسى الإعلان، والمعاملة الجيدة قد تعيده إلى المكان أكثر مما تعيده شاشة ضخمة أو ديكور باهظ الثمن.
وهذا لا يعني أن نبقى أسرى الماضي، أو أن نرفض ما يقدمه العصر من وسائل يمكن أن تسهّل العمل والخدمة. فالتطور سمة الحياة، ومن الطبيعي أن يستفيد المطعم، كغيره من القطاعات، مما يناسبه من التكنولوجيا. لكن علينا أن نضع كل شيء في حجمه ومكانه: التكنولوجيا وسيلة، والذكاء الاصطناعي أداة، أما المطعم فيقوم أولًا على ما يقدمه للإنسان من طعام ومذاق وجودة وخدمة وتجربة. وقد يملك مطعم أحدث الشاشات والأنظمة والتطبيقات والروبوتات ولا يجد الزبون سببًا للعودة إليه بعد تجربته الأولى، بينما ينجح مطعم بسيط في إمكاناته التقنية، لأن الناس أحبوا طعامه ووجدوا فيه الجودة والنظافة والخدمة والراحة.
فالزبون قد ينبهر بالتكنولوجيا في زيارته الأولى، لكن الطعم والجودة هما ما يعيدانه في الزيارة الثانية.
ولذلك ليس المطلوب أن نجعل المطعم معرضًا للأجهزة، ولا الطعام مادة لإنتاج الصور والفيديوهات والمشاهدات، ولا الزبون رقمًا في قاعدة بيانات. المطلوب أن نستفيد مما يخدم العمل والإنسان، من دون أن نسمح للوسيلة بأن تتقدم على الغاية أو أن تغير جوهر الأشياء.
ستتطور التكنولوجيا، وسيتطور معها الذكاء الاصطناعي، وستتغير وسائل الإعلان والطلب والدفع والإدارة، وربما نشهد ما هو أبعد بكثير مما نراه اليوم. ولا مشكلة في ذلك ما دمنا نعرف من يخدم من.
أما حين يصبح شكل الطعام أهم من طعمه، والإعلان أهم من الجودة، والمشاهدة أهم من الحقيقة، والشاشة أهم من الإنسان، فعندها علينا أن نسأل: وسط كل هذا الذكاء الاصطناعي... أين بقي الطعم؟











09/04/2026 - 21:37 PM





Comments