عادل صوما
أصبح طبيعياً أن نقرأ في وسائل الإعلام الرسمي اسبوعياً عن "مشاغبون" في بريطانيا، أو غيرها في دول الاتحاد الأوروبي، يهاجمون مهاجرين أو مساكنهم أو محلاتهم، وتتدخل الشرطة للحماية أو لتسجيل محاضر بما حدث.
كما أصبح أمراً روتينياً أيضاً تجاهل الليبراليين الغربيين ومعظم كُتّاب الأعمدة أو التحاليل الناطقين بالعربية وغيرها من لغات في وسائل الإعلام الرسمية، لأسباب أعمال الشغب، والنفور من المهاجرين خصوصاً المسلمين، بعدما كانت الحكومات الغربية كافة تفتح لهم باب الهجرة والعمل والارتقاء في الوظائف، بل إعالتهم مالياً حتى يتعلموا أو يجدوا وظائف.
بإذن الله
أعمال الشغب والنفور لم تأت من فراغ، بل جاءت بعد عقود في الغرب من ثمار جهود القيميين على المسلمين بدس فكرة تكفيره، ومن ثمة العداء معه وعدم الانتماء له، بل وعدم الاعتراف بما قدمه الغرب لهم.
كان المسلمون حتى ستينات القرن العشرين يسافرون إلى الغرب طلباً للعلم والتقدم وجلب مقومات أسباب تقدمه إلى دولهم، وكان الذين يقررون البقاء، ينتمون إلى الغرب وأزيائه وأفكاره وحضارته، مع الحفاظ على تقاليدهم وثقافتهم داخل نطاق أسرهم كنوع من الحنين للوطن الأم.
ومنذ نصف قرن يهاجر المسلمون إلى الغرب هرباً مما يحدث في بلادهم وقلة فرص العمل والتخلف العلمي ومحسوبيات رجال الانقلابات والتزمت المستشري يوماً بعد يوم وتدهور الخدمات الحياتية وانهيار قيمة المعلات وبالتالي الغلاء المستمر، لكن يتلقفهم في دول الغرب القيمون على المسلمين المهاجرين (وكأنهم أطفال غير ناضجين) ويلقنوهم في المساجد كراهية الغرب الواجبة المقدسة وأهليتهم (المسلمون) لأستاذيته، ورد الصاع لفترة الاستعمار التي نهب الغرب فيها دول المسلمين، وكأن المسلمين أنفسهم لم يستعمروا وينهبوا ويسبوا النساء ويبيعوا العبيد في أسواق النخاسة حين كانوا أقوياء، أو أن الخلافة العثمانية نفسها لم تنهب ثروات دول المسلمين وتعدم حكامهم وتأسر خليفة من القاهرة، وتجبر الحرفيين المهرة على السفر للعمل في الآستانة، إضافة إلى حكام الإنقلابات المسلمين وأهل الثقة الذين نهبوا ثروات البلاد، ووضعوها في بنوك الغرب، ووضعوا المعارضين في السجون أو أعواد المشانق.
وسائل ودول
وفقاً لبراهين وأدلة وأحاديث من مسلمين غير مؤدلجين عقائدياً، تُلقن المساجد المُسيسة في الغرب التي يسيطر على معظمها الاخوان المسلمون، رغبة القرضاوي رؤية العلم الأسود فوق الڤاتيكان "لا بد أن يأتي اليوم الذي يُرفع فيه علم الإسلام على سقف الڤاتيكان بإذن الله"، كما قال القرضاوي، ووردت عبارته في شهادة عن شيخ آخر. "عن.. عن .. عن ... كما جرت العادة".
طالما لم ينفها رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين طوال عقود، فهو قائلها! لكن الأمر المثير هو سماح مكتبة الڤاتيكان لباحثين مسلمين باستخدام غرفة للصلاة داخل المكتبة بناءً على طلبهم منذ شهور أثناء دراسة قاموا بها.
لا يوجد أي مبرر للاستجابة لمماحكات دارسين في الظروف التي نمر بها وتسمح للسوشيال ميديا بتداول خبر سماح البابا ليون الرابع عشر بتخصيص جزء من مكتبة الڤاتيكان لجامع، كما هو واضح في الصورة المرفقة للمقال.
لقد نجحت المماحكات في خلق كذبة لا أساس لها من الصحة، لدرجة أن رجال دين نشروا ڤيديوهات تدين التصرف، والمماحكات والنبوءات ذاتية التحقيق أمر معروف ومتكرر في التاريخ الإسلامي، ما يخلق بلبلة تحقق النبوءة التي توصف بأنها ذاتية التحقيق!
القيمون على المسلمين في الغرب يلقنوهم ما هم ليسوا أهلا له حالياً، فليس لديهم القوة العسكرية، أو التقنية، أو العلم أو العقول المفكرة، ولأن القيميين يدركون ذلك الأمر، ركّز وعاظهم على ترويج القنبلة السكانية العددية وحث المسلمين على الانجاب، وصاحب هذه الفكرة القرضاوي نفسه.
فبعد أن كان المسلم المتأثر بالغربيين ينجب مثلهم طفلين أو ثلاثة على أكثر تقدير ليعلمهم ويجعلهم يعيشون برفاهية، أصبحت ظاهرة إنجاب خمسة أطفال أو أكثر منتشرة، حتى بالنسبة للذين يتلقون إعاشات ومساعدات عينية ومالية حكومية في الدول الكافرة ولا يعملون!
وحتى تحقيق التفوق العددي بدأت استراتيجيه التفجيرات الجهادية والاغتيالات بفتاوى، والاعتداء التخريبي الممنهج على كنائس المسيحيين ودور العبادة اليهودية أو تدنيسها، وحوادث الطعن ضد السافرات الأوروبيات وآلاف الاغتصابات لبعضهن، والدهس والهجوم بالسيارات على أسواق الكريسماس والاحتفالات الغربية، واحتلال الميادين كما رأينا بعد طوفان "حماس" وحروب مسانديها في أكتوبر إياه وما بعده، في محاولات فرض الرعب أو التسليم والتعايش مع ثقافة صحراء الأقليات المهاجرة على سكان مدن القرن الواحد والعشرين، سواء في المدارس أو الاعمال أو الشوارع أو شواطئ البحر أو في المتاجر حيث يُباع ما هو غير حلال، وحتى في المستشفيات حيث يوجد صلبان في غرفها لأنها مملوكة من رهبانيات.
صحيح أن ورقة التخويف بالمهاجرين أصبحت رابحة سياسياً في الغرب بشكل عام، لكن مَنْ جعلها كذلك في العقدين الأخيرين هم المواطنون الغربيون العاديون سواء بالاحتكاك العنيف المباشر مع المهاجرين أو على وسائل التواصل الاجتماعي، طالما الحكومات لا تحسم الأمر، والكرسي الرسولي بغض النظر عمن يجلس عليه، يحث أوروبا على استقبال المزيد من المهاجرين غير الشرعيين بدافع الإنسانية وإغاثة المحتاجين.
المواطن الغربي العادي يدفع ضرائبه وكل خدماته، ولا يدفع المهاجر الذي له حتى الأولوية في العلاج، بينما المواطن ينتظر دوره على قائمة الانتظار في العلاج حتى لو كان من السرطان. بل وصل تدليل جو بايدن، شفيع المهاجرين غير الشرعيين في أميركا، إلى حد إقامتهم في فنادق فخمة وتسديد فواتير هواتفهم وطعامهم وعلاجهم من دافعي الضرائب. هكذا صعد اليمين القومي بعدما كان الناس لا يصدقون ما يقوله منذ سنوات.
مرض وراثي
المفارقة الانفصامية هي شعور المسلم بتخلّف بلاده ومعاناته من نسبة ارتفاع البطالة فيها وحرمانه من حرية التعبير بكل أشكالها وسوء الخدمات وأشكال الحكم القمعية.
لكن حين يحصل على تأشيرة دخول لبلد آخر، ويهرب بسبب كل ما ذُكر علاوة على الحروب المذهبية أو السياسية من بلاده، يبدأ في تشرّب أقوال الأئمة المسيسيين والتأفف من الدول التي آوته، ويتعاظم الشعور عنده بأنه أرقى من المواطنين الذين يعيشون حوله، لأن الله سخرهم وسخّر علومهم وقوتهم وتفوقهم لخدمته، حسب ما يفسر الراسخون في العلم في مساجد الغرب تخلف المسلمين عن كل دول العالم.
التعديل أو الإلغاء
الحرية والتحمّل لهما حدود، ويبدو أن معاهدة اللاجئين في سنة 1951، قد بدأ يتزايد حولها إجماع أوروبي بتعديلها أو إلغائها، قبل انهيار دول أوروبا أمام طوفان هجرة أناس يستحيل أن يتأقلموا فيها أو ينتموا إليها أو على أقل تقدير يظهرون الامتنان لما تقدمه الشعوب.
هل قال أي من السياسيين المسلمين الذين وصلوا إلى مناصب كبيرة في الغرب أي عبارة امتنان؟
التعليقات مفتوحة، وأرجو كتابة عبارة موّثقة قالها صادق خان أو إلهان عمر أو رشيدة طليب أو زهران ممداني أو عبد الرحمن السيد أو حتى باراك أوباما عرفاناً بالمساواة!
بعد عقود طويلة من فصل الدين عن السياسة في الغرب، بدأت تُرفع راية الثقافة المسيحية والقيم المسيحية التي بُني عليها الغرب في مجالس النواب، وضرورة التماسك الاجتماعي وحماية الثقافة والقيم والتماسك ممن لا يحترموها، وتُفتح لهم الأبواب باسم الحرية وحقوق الانسان والتعددية.
كما بدأ المواطنون الغربيون دافعو الضرائب الضغط على الحكومات لحرمان اللاجئين من حق السكن المجاني وتضييق حق الحصول على الإقامة والانسحاب من معاهدة حقوق الإنسان الأوروبية، ووصل الامر إلى تسويق فكرة عدم أحقية المتجنسين منهم في الوصول لمجالس النواب والمناصب السياسية السيادية.
تحت بند "التعددية قوة" كان يُسمح للمهاجرين ويتم تشجيعهم على عدم التخلي عن هويتهم وثقافاتهم، لأن تعدد الثقافات غنى وقوة، واليوم يميل الجو الأوروبي العام خصوصاً البريطاني، إلى إجبار المتجنس من أصل غير بريطاني على التخلي عن هويته واعتناق الهوية البريطانية حتى لا يُصنف غير مواطن.
بركان القوميات
الفكر اليميني القومي ينتشر بسرعة في الغرب، ومن الواضح أن هناك مصادر تموله. مصادر أدركت خطورة التمادي في التعددية والافراط في الحرية وعواقب تلقين جلد الذات على ماض الأمم الأوروبية الاستعماري.
أحد الممولين إيلون ماسك الذي فُجع بتضرر أحد أولاده بشكل لا يمكن إصلاحه، بسبب الافراط في الليبرالية والتمادي السمج في تشجيع الاطفال على اختيار الجنس الذي يفضلونه (بسبب الايحاء في المدارس) بدلا من الجنس الذي ولدوا به.
الخيول التي تجر عربة الفكر القومي هم السياسيون اليمينيون، الذين يؤيدهم ويسوّق أفكارهم أدباء ومفكرين يرفعون السقف ويطالبون بعودة غير الأوروبيين إلى بلادهم لحماية العنصر الأبيض من التلاشي.
إذا نظرنا إلى الدعوة نفسها من منظور أقوال الذين يقتدي المهاجرون بهم سنجد على سبيل المثال: "لا يجتمع في أرض الجزيرة دينان"، وشعار "مصر للمصريين" قبل انقلاب 1952، ثم تطبيق عبد الناصر حرفياً للشعار بطرد الجاليات المتمصرة في مصر وليس الاستعمار. مع عدم نسيان الخليجيين الذين يخشون على ثقافاتهم من تعداد المهاجرين الذين لا أطماع لديهم لحكم دولهم، أو فرض ثقافاتهم.
إذا تأملنا ما سبق، سنجد عذراً للجنس الأبيض الخائف من التلاشي، فكل شيء له حدود حتى قبول الآخر.
غرد إيلون ماسك "الخونة قبل الغزاة"، وقصد من تغريدته الليبراليين وكل المتعاطفين مع الهجرة والتعددية والنفوس الضعيفة التي اشترتها الأموال الحلال.
مظاهر الهوية القومية التي بدأت تستفحل ظاهرة صحية، لأنها تعبير عن الانتماء والايمان بشيء، بدلا من تفاهة قيمة "الاستمتاع بالحياة الشخصية" التي ستُدمر الأوطان الغربية. هي ظاهرة صحية تماماً طالما لم تناد بالاعتداء على هويات أخرى مجاورة، أو احتلال أراض الغير، وأمر منطقي أن يخاف منها الذين يعيشون بهويات مزيفة ولا يعترفون حتى بالشكر لمن فتح أبواب بلاده لهم.
الحرية والليبرالية والتعددية لها حدود، وكل شيء يمارس بدون حدود يقتل، حتى استنشاق الأكسجين وهو سبب الحياة.











09/04/2026 - 21:27 PM





Comments