حين تصبح الرواية أهم من التلة: علم النفس السياسي لإنكار الهزيمة

09/04/2026 - 21:16 PM

Your Ad Here

 

 

 

 

كيف تحمي الجماعات المسلحة صورتها عن نفسها حين يصطدم الميدان بالسردية؟

 الباحثة سيلفانا سمعان

في السادس والعشرين من حزيران/يونيو ٢٠٢٦، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه أحكم سيطرته الكاملة على مرتفعات علي الطاهر، تلك القمة التي تطل على النبطية ووادي الليطاني. في الدقائق التي تلت، صدر عن حزب الله بيان لا لبس فيه: التلة «خالية من أي وجود لقوات العدو الإسرائيلي، ومقاتلو المقاومة يبسطون سيطرتهم عليها». مرّ أكثر من شهرين. وفي الثالث من أيلول/سبتمبر، عادت إسرائيل لتعلن، هذه المرة بلسان نتنياهو نفسه، أنها أنهت «المنطقة الأمنية» وأن التلة «لم تعد تشكل تهديداً». وفي الرابع من أيلول، أي قبل ساعات من كتابة هذه السطور، خرج النائب إيهاب حمادة، عضو كتلة الوفاء للمقاومة، ليقول إن «المشهد الميداني لا يزال يكتنفه الغموض»، مشككاً في أن إسرائيل «لم تنشر صوراً تؤكد استيلاءها» على الموقع. بين البيانين مسافة شهرين ونصف. لكن البنية النفسية للخطاب لم تتزحزح: ما زال الموقع، في الرواية الرسمية، غير محسوم.

السؤال هنا ليس: من يسيطر فعلاً على علي الطاهر؟ فهذا سؤال ميداني تحسمه الوقائع على الأرض، لا التحليل النفسي. السؤال هو: لماذا تتحول طريقة وصف الخسارة، لا الخسارة نفسها، إلى ساحة المعركة الحقيقية؟ ولماذا يمكن لجماعة سياسية مسلحة أن تحافظ على روايتها حتى حين يصبح الحفاظ عليها أشق من تغييرها؟

الخسارة التي يُمنع أن تُسمّى باسمها

في علم النفس، لا يُحدّث العقل معتقداته بالسرعة نفسها التي تتغير بها الوقائع، خصوصاً حين يكون المعتقد جزءاً من الهوية لا مجرد رأي عابر. حين تصل معلومة تناقض صورة الجماعة عن ذاتها، فهي لا تصل إلى عقل محايد ينتظر تحديث بياناته، بل إلى عقل يشعر بأنه مطالَب بالدفاع عن نفسه. هذا ما تصفه الأدبيات النفسية بـالتفكير المدفوع بحماية الهوية: حين تتحول المعلومة إلى تهديد لانتماء اجتماعي، يصبح تقييمها محكوماً جزئياً بالحاجة إلى حماية ذلك الانتماء، لا بقوة الدليل وحدها.

لكن ما الذي يحدث حين لا تكون الهوية المهددة مجرد رأي سياسي، بل صورة قوة كاملة بُنيت عليها شرعية الجماعة لعقود؟

هنا يصبح مفيداً أن نفصل بين أربعة مستويات مختلفة من الخسارة، غالباً ما تُختزل خطأً في مستوى واحد:

• خسارة ميدانية: سقوط موقع أو تراجع تكتيكي.
• خسارة سياسية: تآكل الموقف التفاوضي أو الحصانة الداخلية.
• خسارة إعلامية: فقدان السيطرة على السردية أمام الرأي العام.
• هزيمة نفسية: قبول الجماعة، أو جزء من جمهورها، بأن ما حدث يقول شيئاً عن هويتها وقوتها وشرعيتها.

قد تقع الأولى من دون أن تليها الثانية. وقد تقع الثلاث الأولى معاً بينما تُؤجَّل الرابعة إلى أجل غير مسمى. وعمليات الإنكار السياسي قد لا تستهدف الوقائع بقدر ما تستهدف تأجيل تلك اللحظة الرابعة: اللحظة التي تصبح فيها الخسارة اعترافاً بتراجع الذات الجماعية.

كيف يحمي الإنكار صورة الجماعة؟

الإنكار لا يغيّر الحقيقة على الأرض. لكنه قد ينجح في مهمة أخرى: كسب الوقت النفسي. وهنا تصبح نظرية الالتزام والاتساق التي طوّرها عالم النفس روبرت تشالديني أداة تفسيرية بالغة الدقة. فالإنسان، والجماعة أيضاً، يميل إلى التصرف بانسجام مع ما قاله وفعله سابقاً، ويشتد هذا الميل حين يكون الموقف قد أُعلن علناً وبصيغة قاطعة. تصريح 26 حزيران لم يكن مجرد كلام عابر، كان التزاماً علنياً أصبح جزءاً من سجل الجماعة، وكل تصريح لاحق اضطر إلى التعامل معه. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين نمطين من الاستجابة لخسارة محتملة.

التراجع الصريح يقول: أخطأنا في تقديرنا.

أما التدرج في إعادة الصياغة فيقول شيئاً مختلفاً تماماً: ربما لم يحدث ما قيل، وربما لا يمكن التحقق منه، وحتى لو حدث فهو لا يحمل المعنى الذي يظنه الخصم. وعند وضع هذه التصريحات جنباً إلى جنب، يظهر نمط يستحق التوقف عنده: من «التلة خالية من أي وجود للعدو» إلى «لم تُنشر صور تثبت الاستيلاء»، ثم إلى «المشهد لا يزال يكتنفه الغموض»، وصولاً، كما صرّح حمادة نفسه، إلى أن سيطرة إسرائيل على الموقع، حتى لو ثبتت، «ليست كارثة في الواقع العسكري» و«ليست آخر المطاف». يمكن قراءة هذا المسار باعتباره انتقالاً من نفي الحدث، إلى التشكيك في الدليل، إلى تعليق الحكم، ثم إلى تفريغ الحدث من معناه. وقد لا يكون هذا التدرج تناقضاً في الخطاب بقدر ما يكون منطقاً داخلياً متماسكاً: أخطر أشكال الإنكار ليس أن تقول «هذا لم يحدث»، بل أن تقول «حتى لو حدث، فهو لا يعني ما تظنون».

من خسارة الموقع إلى إعادة تعريف النصر

في هذه اللحظة بالذات تنتقل المعركة من سؤال ثنائي: هل سقط الموقع أم لا؟ إلى سؤال أكثر مراوغة: هل كان هذا الموقع مهماً أصلاً؟ وهذا فرق مهم، لأن الاعتراف بسقوط موقع عسكري لا يفرض تلقائياً الاعتراف بأن الجماعة هُزمت. من هنا تُصاغ الخسارة على أنها كلفة تحمّلها الخصم لتحقيق مكسب محدود، أو دليل على أن العدو اضطر إلى استخدام قوة هائلة لبضعة أمتار من الأرض.

وفي لحظة ما، لا يعود السؤال هل خسرنا؟ بل يصبح: هل يملك الخصم الحق في أن يقول إننا خسرنا؟

هذه ليست لعبة لغوية بريئة. إنها عملية نفسية دقيقة تفصل الحدث عن دلالته: قد تضطر الجماعة إلى قبول الحدث، لكنها لا تضطر بالضرورة إلى قبول تفسيره. هنا يصبح ضرورياً استحضار مفهوم علمي دقيق لا ينبغي اختزاله في شتيمة سياسية: النرجسية الجماعية. هذا المفهوم يصف اعتقاد جماعة بعظمتها، مقروناً بشعور بأنها لا تحظى بالاعتراف الذي تستحقه. والأبحاث في هذا المجال تربط النرجسية الجماعية بحساسية مرتفعة تجاه أي تهديد لصورة الجماعة، وبأنماط من العداء تجاه الأطراف الخارجية والاستعداد للرد حين تُهدَّد صورة الجماعة.

لكن استدعاء هذا المفهوم هنا لا يعني تشخيص أي جماعة بعينها بأنها نرجسية، فهذا ليس المقصود العلمي منه أصلاً. المقصود هو اختبار ما إذا كانت آليات حماية صورة الجماعة التي تصفها الأدبيات تحت هذا المفهوم، بصرف النظر عن الطرف، تساعد في تفسير نمط الخطاب الذي يظهر عادة حين تتعرض صورة القوة لتهديد مباشر. وهذا يقودنا إلى سلسلة سببية قابلة للاختبار، لا حكماً مسبقاً: تهديد صورة الجماعة قد يولّد شعوراً بالإهانة، فيؤدي إلى إعادة تأكيد للهوية، وقد يزيد الاستعداد لتصعيد المواجهة مع الخصم. هذه السلسلة ليست حتمية، لكنها فرضية تستحق أن تُختبر في كل خطاب سياسي يصدر بعد أي خسارة ميدانية.

ثمة طبقة أخرى غالباً ما تُهمَل في تحليل الدعاية السياسية: الجماعة المسلحة ليست كياناً نفسياً موحداً. ومن المرجح أن تكون الفجوة بين من يملك معرفة مباشرة بالحدث ومن يتلقاه عبر الوسائط إحدى أهم نقاط الضغط داخل أي جماعة تخوض صراعاً سردياً. فمن كان قريباً من الميدان لا يحتاج بالضرورة إلى الرواية نفسها التي يحتاجها المؤيد البعيد. الأول يواجه الوقائع مباشرة، فيما يواجه الثاني تفسيرها فقط.

وهذا يفتح سؤالاً في علم النفس السياسي: هل الخطاب الدفاعي مصمم أصلاً لإقناع من يعرف، أم لطمأنة من لا يعرف؟

وقد تكون وظيفته الأساسية هي الثانية. فالمؤيد البعيد لا يحتاج بالضرورة إلى معرفة الحقيقة كاملة، بل إلى رواية تتيح له البقاء داخل جماعته دون أن ينهار إيمانه بها. يكفي أن تُبقي السؤال مفتوحاً، وأن تجعل التحقق صعباً، وأن تمنحه جملة صغيرة يتعلق بها: «ربما لا نعرف الحقيقة كاملة». وقد تكون هذه الجملة كافية، في بعض الظروف، لتأجيل الانتقال من الشك إلى الاعتراف. لكن هذا لا يكفي لفهم المشهد كاملاً، لأنه يصوّر الجمهور كمتلقٍ سلبي للدعاية فحسب، بينما قد يكون شريكاً فعلياً في إنتاجها.

فالمؤيد الذي استثمر سنوات من هويته وسمعته وعلاقاته الاجتماعية في انتمائه إلى جماعة معينة نادراً ما يكون مجرد متلقٍ سلبي لخطاب يُفرض عليه، بل قد يبدأ، من تلقاء نفسه، بإعادة تفسير المعلومات دفاعاً عن هويته الشخصية لا الجماعية فقط. وهنا تتصل حماية الهوية بالالتزام والاتساق بطريقة أعمق مما يبدو للوهلة الأولى. الجماعة ليست وحدها من أعلن موقفاً علنياً، الأفراد أنفسهم أعلنوا مواقفهم أيضاً، لأصدقائهم وعائلاتهم وعلى وسائل التواصل، وربما بنوا جزءاً من صورتهم الاجتماعية على ذلك الموقف.

الهوية والجمهور والمؤسسة: ثلاث دوائر لحماية الرواية

هنا نصل إلى النقطة الأخطر في هذا التحليل كله. الخسارة العسكرية يمكن تعويضها، الموقع يمكن استعادته، العتاد يمكن تجديده. لكن ماذا يحدث حين تعجز المؤسسة، أمنية كانت أو عسكرية أو سياسية، عن الاعتراف بفشلها ولو داخلياً؟ فالتعلم المؤسسي يقتضي القدرة على طرح أسئلة قاسية: ماذا توقعنا؟ أين أخطأنا؟ ما الذي بالغنا في تقديره، وما الذي قللنا من شأنه؟

لكن حين يتحول الاعتراف بالخطأ إلى تهديد مباشر للشرعية، فإن جلسة مراجعة الفشل قد تتحول من تلقاء نفسها إلى جلسة دفاع عن الصورة الذاتية. عندها لا يعود السؤال لماذا خسرنا؟ بل كيف نثبت أننا لم نخسر؟ وهذا، من منظور دراسات الأمن والاستخبارات، قد يكون أخطر من الخسارة نفسها: المؤسسة التي لا تستطيع تسمية فشلها ليست فقط عرضة لتكراره، بل قد تصبح أقل قدرة على السماح للمعلومات المزعجة بأن تغيّر صورتها عن ذاتها.

إذا أخذنا هذه الآليات النفسية بجدية، فإن أثرها لا يتوقف عند تفسير الخطاب بعد الخسارة، بل يمكن أن يمتد إلى لحظة التفاوض نفسها. فحين تُبنى شرعية جماعة على فكرة المقاومة المسلحة، لا يعود نزع هذا السلاح، في سياق أي تسوية سياسية، مجرد تنازل أمني قابل للتفاوض. إنه يطرح سؤالاً أوسع: ماذا يُطلب من الجماعة أن تصدّقه عن نفسها إذا قبلت الاتفاق؟

إذا كان القبول، يعني ضمنياً أن الصورة التي حملناها عن قوتنا لم تعد صالحة، فإن الاتفاق يتحول من معادلة حسابية بين مكاسب وخسائر إلى مطلب بإعادة تعريف الذات الجماعية بالكامل. وهذا قد يساعد، جزئياً، على فهم لماذا تبقى بعض مفاوضات نزع السلاح، رغم الحوافز الاقتصادية والسياسية لإتمامها، معلّقة بين تقدم تقني، كالاتفاق على آليات تحقق أو قوائم دول مراقبة، وجمود نفسي عميق لا تفكّه التنازلات وحدها.

الإنصاف العلمي يقتضي ألا نحصر هذه الآليات بطرف دون آخر. فالنائب حمادة نفسه أشار إلى أن إسرائيل قد تكون تضخّم قيمة الموقع لتحويله إلى «ورقة انتخابية» لنتنياهو. وهذه بدورها ظاهرة نفسية سياسية تستحق التحليل: توظيف أي مكسب ميداني، مهما كان محدوداً، كرأسمال سياسي فوري أمام جمهور داخلي.

الدولة، مثل الجماعة المسلحة، قد تعيد تأطير نتائج معركة، وقد يضخّم جيشها قيمة موقع سيطر عليه، وقد تحتاج قيادتها السياسية إلى تصوير الخصم أخطر مما هو عليه لتبرير سياسات أمنية بعينها. وهنا يصبح السؤال ليس من يكذب أكثر؟ بل: كيف تعمل النفس السياسية حين تتحول صورة الجماعة عن نفسها إلى جزء من الصراع ذاته؟

في النهاية، قد تكون علي الطاهر تلة، أو منشأة، أو شبكة أنفاق، أو نقطة استراتيجية على خريطة عسكرية. لكنها تحوّلت، في لحظة معينة، إلى اختبار لسؤال يتجاوز البعد الجغرافي: هل يمكن الاعتراف بالواقع من دون أن يعني ذلك الانهيار؟

الخسارة حدث. أما الهزيمة فهي تفسير لهذا الحدث.

ولهذا بالتحديد قد تخسر جماعة موقعاً من دون أن تعتبر نفسها مهزومة، وقد تحوّل انسحاباً إلى مناورة، وقد تحوّل عجزها عن السيطرة إلى دليل على أن خصمها لم يحقق ما أراد. لكن هذه المسافة بين الواقع والرواية لا يمكن أن تتسع إلى ما لا نهاية. وحين تصبح الفجوة بينهما كبيرة جداً، يبرز اختبار يتجاوز حدود الميدان: ماذا يحدث لجماعة حين تصبح روايتها عن ماضيها أقوى من قدرتها على التعلم من واقعها الجديد؟

المشكلة ليست دائماً أن الجماعة لا تعرف أنها خسرت، ربما تكون المشكلة أنها لا تستطيع أن تقول ذلك. وحين يصبح الاعتراف بالخسارة تهديداً للهوية، لا تعود الرواية مجرد وصف للواقع، تصبح وسيلة لحماية الذات منه. وعندها لا تعود القضية: كيف انتصرنا؟ بل: كيف نستطيع أن نعيش مع ما حدث من دون أن نضطر إلى إعادة تعريف من نحن؟ فالهزيمة يمكن مراجعتها. أما الهزيمة التي يستحيل الاعتراف بها، فقد لا يكون ممكناً حتى التعلم منها.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment