رشيد ج. مينا
ليست الغاية من العودة إلى واقعة كربلاء بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنًا إعادة فتح جراح التاريخ، ولا الدخول في جدل مذهبي حول الحسين بن علي ويزيد بن معاوية، ولا إصدار أحكام على إيمان هذا أو ذاك. فما جرى قد جرى، وأصحابه أصبحوا في ذمة التاريخ ورب العالمين. لكن ما لم ينته هو أثر ذلك الحدث، وما تراكم فوقه من روايات وتأويلات، وما جرى من استثمار له عبر القرون، حتى أصبح جزءًا من انقسام لا تزال الأمة تدفع ثمنه إلى يومنا هذا. من هنا تصبح العودة إلى كربلاء ضرورة للفهم، لا مناسبة لاستحضار الخصومة.
فعندما نقرأ البدايات بعيدًا، قدر الإمكان، عن الروايات التي اكتسبت لاحقًا طابعًا مذهبيًا، نجد أن المسلمين بعد وفاة الرسول محمد لم يرثوا نظامًا دستوريًا محدد الآليات لانتقال السلطة بالمعنى الذي نعرفه اليوم. اختلفت طرق انتقال الخلافة: من اجتماع السقيفة والبيعة لأبي بكر، إلى عهد أبي بكر لعمر، ثم الشورى التي حددها عمر وانتهت إلى عثمان، وبعد مقتله بيعة علي، وما تلاها من صراعات وحروب انتهت باستقرار الحكم لمعاوية. أي أن المسألة منذ البداية كانت، إلى جانب أبعادها الدينية والأخلاقية والاجتماعية، مسألة حكم وشرعية وسلطة وإدارة مجتمع ودولة آخذة في الاتساع.
ومع معاوية حدث تحول بالغ الأهمية عندما أخذ البيعة لابنه يزيد وليًا للعهد. لم تكن هناك مادة دستورية تمنع ذلك، لأن دستورًا بهذا المعنى لم يكن موجودًا أصلًا، لكن جعل انتقال الحكم من الأب إلى الابن ترتيبًا مسبقًا كان تحولًا مهمًا عن تجارب انتقال الخلافة السابقة، وأثار اعتراض شخصيات لها وزنها ومكانتها، وفي مقدمتها الحسين بن علي. وهنا ينبغي أن نضع الأمور في إطارها التاريخي قبل أن نلبسها أثواب القرون التالية.
الحسين لم يكن يمثل آنذاك «مذهبًا شيعيًا» مكتمل البناء العقدي والمؤسساتي بالصورة التي تبلورت في مراحل لاحقة، كما أن يزيد لم يكن يمثل «المذهب السني» بصورته التي استقرت لاحقًا. إسقاط الانقسام المذهبي اللاحق بكامل مفاهيمه على سنة 61 للهجرة يجعلنا نقرأ التاريخ من نهايته بدل أن نقرأه من بدايته.
كان الحسين صاحب مكانة استثنائية؛ حفيد الرسول وابن علي وفاطمة، وله من الرصيد الديني والأخلاقي والاجتماعي ما جعل اعتراضه على انتقال الحكم إلى يزيد ذا وزن بالغ. وكان رفضه البيعة موقفًا من شرعية الحكم وطريقة انتقاله، لا مجرد اختلاف شخصي مع يزيد.
وفي المقابل، لم يكن يزيد رجلًا ظهر فجأة وأعلن نفسه حاكمًا بلا سند. فقد ورث دولة قائمة وجهاز حكم وولاة وجيشًا وشبكة واسعة من الولاءات، وكانت البيعة له قد أخذت في حياة معاوية، وإن لم تكن موضع إجماع. وهذا ما يجعل اختزال الحدث في مواجهة بين «الإيمان والكفر» غير كافٍ لفهم ما جرى. نحن أمام نزاع على الحكم والشرعية، في مجتمع لم يكن يفصل السياسة عن الدين والأخلاق بالصورة التي تفعلها الدولة الحديثة.
ولم يتحرك الحسين نحو العراق من فراغ. وصلته رسائل من الكوفة تدعوه إلى القدوم، فأرسل مسلم بن عقيل لاستطلاع الواقع، وكانت المؤشرات الأولى توحي بوجود قاعدة تأييد يمكن البناء عليها. لكن السلطة تحركت سريعًا، وتمكن عبيد الله بن زياد من تفكيك ذلك التأييد بالضغط والترهيب والسيطرة على مفاصل القوة في الكوفة، وقُتل مسلم بن عقيل بينما كان الحسين قد أصبح في طريقه إلى العراق. ومن هنا يمكن أن نقرأ تحرك الحسين أيضًا قراءة سياسية من دون أن ينتقص ذلك شيئًا من مكانته أو من البعد الأخلاقي والديني لموقفه.
لقد تحرك في ظل اعتقاد بوجود تأييد في العراق يمكن أن يشكل سندًا لمعارضته، لكن ذلك الاحتمال انهار قبل وصوله. وحين اتضحت حقيقة ما جرى في الكوفة، كان ميزان القوى قد تغير جذريًا، ثم ضاقت خياراته أكثر مع اعتراض قوة الحر بن يزيد لمسيره وانتهاء الطريق به إلى كربلاء. وهنا يجب أن نتوقف.
فالقول إن الحسين خرج منذ البداية باحثًا عن الموت والشهادة وحدهما لا يفسر كامل تسلسل الأحداث، كما أن تصويره رجلًا اندفع طلبًا للسلطة بلا حساب يختزل واقعة أكثر تعقيدًا. الأقرب إلى ما تسمح به الوقائع أن تحركًا سياسيًا قائمًا على رفض شرعية انتقال الحكم، ومستندًا إلى دعوات من الكوفة، اصطدم بسلطة أكثر تنظيمًا وقدرة على استعمال أدوات الدولة والقوة، ثم انتهى بعد انهيار التأييد الكوفي إلى مواجهة شديدة الاختلال في ميزانها.
وفي العاشر من محرم سنة 61 للهجرة، الموافق للعاشر من أكتوبر/تشرين الأول سنة 680، وقعت كربلاء وانتهت بمقتل الحسين ومعظم الرجال الذين كانوا معه. وهذه النواة التاريخية ثابتة، بينما ينبغي التعامل بحذر أكبر مع كثير من الخطب المطولة والتفاصيل الدقيقة والمشاهد التي توسعت فيها الروايات اللاحقة، لأن أخبار كربلاء انتقلت عبر طبقات من الرواية والتدوين والذاكرة الدينية والأدبية.
كان يمكن لكربلاء أن تبقى واحدة من الوقائع الدموية الكثيرة التي عرفها التاريخ في الصراع على السلطة، لكنها لم تبق كذلك.
فشخصية الحسين ومكانته وطريقة مقتله وما أصاب أهل بيته منحت الحدث قوة أخلاقية وعاطفية استثنائية. وبعد كربلاء ظهرت حركة التوابين من أوساط كوفية شعرت بالذنب لعدم نصرة الحسين، ثم جاءت حركة المختار الثقفي وغيرها، وأصبح الثأر للحسين والولاء لأهل البيت عنصرًا في التعبئة السياسية. وهنا بدأ تحول بالغ الأهمية: لم يعد الدم نتيجة للصراع السياسي فقط؛ أصبح الدم نفسه مصدرًا للذاكرة والشرعية والتعبئة.
لكن علينا ألا نقفز من هنا إلى القول إن التشيع وُلد في كربلاء. فالولاء لعلي وأهل البيت والجذور السياسية المبكرة للتشيع أسبق منها. الذي حدث أن كربلاء أصبحت، عبر مسار طويل، واحدًا من أكثر المكونات مركزية في الذاكرة والهوية الشيعية، ونمت حولها الزيارة والمراثي ومفاهيم المظلومية والشهادة وشعائر عاشوراء عبر مراحل تاريخية متعاقبة. وهنا تبدأ المسألة التي تعنينا اليوم.
فليس السؤال: هل كان الحسين مظلومًا؟ إن مأساة مقتله لا تحتاج منا إلى اختراع رواية كي ندرك فداحتها. وليس السؤال إن كان من حق الناس أن يحبوه ويجلّوه ويستلهموا من موقفه رفض الظلم.
السؤال هو: كيف انتقلنا من الوفاء لذكرى رجل قُتل في نزاع على الحكم والشرعية إلى حدود مذهبية استمرت تفصل بين المسلمين قرونًا؟ ومن حول الجرح إلى ذاكرة، والذاكرة إلى هوية، والهوية إلى مؤسسة؟ ومن اكتشف لاحقًا أن المؤسسة والهوية والذاكرة جميعها يمكن أن تصبح أدوات في الصراع على السلطة والنفوذ؟
لا توجد يد واحدة فعلت ذلك في لحظة واحدة. إنها عملية تاريخية طويلة تداخل فيها الصادق بالمصلحي، والديني بالسياسي، والمظلومية الحقيقية باستثمار المظلومية، وشاركت فيها حركات ودول وسلالات ومؤسسات ومجتمعات.
ولعل المفارقة الكبرى أن الرسالة التي جاءت لتواجه العصبية وتدعو إلى التوحيد والعدل والرحمة وكرامة الإنسان، وجد بعض أبنائها بعد أجيال أنفسهم يتوارثون خصومات سياسية لم يصنعوها، ويحاكم بعضهم بعضًا على مواقف من أحداث وقعت قبل ولادتهم بقرون.
ليس المطلوب أن ننسى كربلاء.
المطلوب أن نعيدها إلى التاريخ لكي نتعلم منها، لا أن نستدعي التاريخ إلى حاضرنا لكي نعيد خوض معاركه. فالحسين لا يحتاج إلى أن يبقى المسلمون منقسمين كي تبقى له مكانته، وكربلاء لا تحتاج إلى خصومة مذهبية دائمة كي تبقى مأساة تستحق التأمل. لكن التاريخ لم يتوقف عند كربلاء.
فالجرح الذي تحول إلى ذاكرة، والذاكرة التي أخذت تتحول إلى هوية، سيدخلان في القرون التالية أبواب الدول والسلطنات والصراع على النفوذ. ومن هنا تبدأ الحلقة الثانية: حين لبست السياسة ثوب المذهب.













09/04/2026 - 15:25 PM





Comments