بقلم: عزت سلامة *
تأتى زيارة الرئيس الصينى شى جين بينغ لمصر فى فترة شديدة الحساسية ، وفى توقيت بالغ الأهمية وأكبر بكثير من مجرد مناسبة للاحتفال بمرور ٧٠ عاما على العلاقات المصرية الصينية. فالرئيس الصيني وصل إلى القاهرة في وقت تشهد فيه المنطقة حربا مفتوحة مع إيران ، واضطرابا فى الملاحة والطاقة ، وإعادة النظر فى التحالفات الإقليمية والدولية.. الزيارة هى الأولى لشي إلى مصر منذ عشر سنوات ، وأن الملفات الإقليمية ، ومنها إيران وغزة وأمن الملاحة ، ستكون حاضرة بقوة إلى جانب التعاون الاقتصادي.
فليست كل الزيارات الرئاسية سواء ، وهناك زيارات تأتى فى ظروف تجعلها تتجاوز حدود العلاقات الثنائية لتصبح رسالة إلى العالم كله. ومن هذا النوع تأتى زيارة الرئيس الصينى شي جين بينغ إلى مصر ، في توقيت بالغ الحساسية ، تتقاطع فيه الحرب الإيرانية مع أزمة الطاقة والملاحة فى المنطقة ، وتتغير فيه حسابات القوى الكبرى ، بينما تبحث دول الشرق الأوسط عن مساحة أوسع للحركة بعيدا عن سياسة المحاور والاستقطاب.
زيارة شي هي الأولى إلى مصر منذ عشر سنوات وتتزامن مع مرور سبعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين.. لكن الاحتفال بهذه المناسبة ليس سوى العنوان الرسمي ، أما المضمون الحقيقى فيتعلق بمستقبل علاقة استراتيجية بين دولتين تزداد أهميتهما فى النظام الدولي الجديد.
"مصر ليست مجرد شريك اقتصادى" الصين تنظر إلى مصر باعتبارها دولة محورية في الشرق الأوسط وافريقيا ، تمتلك قناة السويس ، وتطل على البحرين المتوسط والأحمر ، وتمتلك تأثيرا سياسيا فى الملفات العربية والأفريقية ، فضلا عن كونها طرفا لا يمكن تجاهله فى قضايا غزة وليبيا والسودان وأمن البحر الأحمر.
ولهذا فإن بكين لا تنظر إلى القاهرة باعتبارها مجرد سوق للمنتجات الصينية ، وإنما باعتبارها نقطة ارتكاز في حركة الصين نحو الشرق الأوسط وأفريقيا..وفي المقابل تدرك القاهرة أن الصين يمكن أن تكون مصدرا مهما للاستثمارات والتكنولوجيا والتصنيع والطاقة والبنية الأساسية، في الوقت الذي تسعى فيه مصر إلى جذب استثمارات منتجة وزيادة الصادرات وتوفير العملة الصعبة.
والأهم أن التعاون الصينى لم يعد محصورا فى المشروعات التقليدية ، وإنما يمتد إلى قطاعات التكنولوجيا والطاقة والصناعة والموانئ والاقتصاد .
"رسالة سياسية أبعد من الاقتصاد"
الزيارة تحمل أيضا رسالة سياسية واضحة : مصر لا تريد أن تكون أسيرة لمحور دولى واحد..القاهرة تحتفظ بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة ، وعلاقات وثيقة مع روسيا ، وفى الوقت نفسه تعمق شراكتها مع الصين ، وهى عضو في تجمع بريكس وتشارك فى مبادرة الحزام والطريق.
هذه السياسة تمنح مصر مساحة للمناورة ، وتسمح لها بأن تقول للقوى الكبرى : مصالحنا الوطنية هي التى تحدد علاقاتنا ، وليس مطلوبا منا اختيار طرف وإغلاق الباب أمام الأطراف الأخرى.
ومن هنا فإن وجود الرئيس الصينى في القاهرة يمثل أيضا تأكيدا على أن مصر أصبحت طرفا مهما في معادلة التوازن الدولى فى الشرق الأوسط.
ماذا تريد الصين ؟
بكين تريد الاستقرار قبل كل شيء..الصين دولة تجارية كبرى ، وأي اضطراب طويل فى الخليج أو البحر الأحمر أو قناة السويس ينعكس على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة..ومن هنا تصبح مصر شريكا طبيعيا للصين فى إدارة تداعيات الأزمات الإقليمية..كما أن بكين تريد توسيع حضورها الاقتصادى والسياسى فى المنطقة ، وتقديم نفسها باعتبارها قوة تستطيع الحوار مع مختلف الأطراف ، بخلاف الولايات المتحدة التى أصبحت طرفا مباشرا في الحرب مع إيران...وهنا تحديدا تكتسب زيارة شي إلى القاهرة قيمة إضافية.
"أمريكا ستراقب.. ولكنها لن تستطيع تجاهل مصر"
واشنطن بالتأكيد ستقرأ الزيارة من زاوية استراتيجية..فأمريكا تدرك أن الصين تحاول توسيع نفوذها فى الشرق الأوسط ، وتدرك أهمية قناة السويس وموقع مصر بالنسبة للتجارة العالمية والأمن الإقليمى .
لكن الولايات المتحدة فى الوقت نفسه لا تستطيع التعامل مع مصر باعتبارها مجرد ساحة للمنافسة مع الصين.
فالقاهرة تظل لاعبا مهما فى الأمن الإقليمي ، وفي القضية الفلسطينية ، وفي أمن البحر الأحمر ، وفى العلاقات العربية والأفريقية..لذلك فإن رد الفعل الأمريكى المرجح لن يكون مواجهة مباشرة مع مصر ، وإنما محاولة للحفاظ على مستوى الشراكة الأمريكية ـ المصرية ومنع تحول التعاون المصرى ـ الصيني إلى تحالف استراتيجى موجّه ضد واشنطن.
وماذا عن روسيا ؟
أما موسكو فمن المرجح أن تنظر إلى الزيارة بارتياح.. فروسيا والصين تتحركان باتجاه تعزيز عالم متعدد الأقطاب ، وقد جاء تحرك شي إلى مصر بعد مشاركته في قمة منظمة شنغهاي وتواصله مع الرئيس الروسى بوتين..لكن روسيا لن تنظر إلى مصر باعتبارها منطقة نفوذ صينية خالصة، فموسكو لديها مصالحها الخاصة فى القاهرة ، وفي مقدمتها التعاون النووي والطاقة والسياحة والتعاون العسكري. وهنا أيضا تستطيع مصر أن تستفيد من التنافس بين القوى الكبرى دون أن تتحول إلى طرف في صراعها.
والسؤال : هل يمكن أن تؤثر الزيارة فى الحرب الإيرانية ؟
هذه هي النقطة الأكثر أهمية فى توقيت الزيارة..فالحرب الإيرانية لم تعد شأنا إيرانيا ـ أمريكيا أو إيرانيا ـ إسرائيليا فقط ، فقد امتدت آثارها إلى الخليج والملاحة والطاقة والأسواق العالمية.
وتشير التقارير إلى تجدد الضربات الأمريكية والإيرانية ، مع مخاوف من اتساع نطاق المواجهة وتهديد الملاحة فى مضيق هرمز..وهنا يمكن لمصر والصين أن تلتقيا عند هدف مشترك هو : منع اتساع الحرب.
الصين لديها علاقات وثيقة مع إيران ، وفى الوقت نفسه تمتلك علاقات قوية مع دول الخليج. ومصر لديها علاقات واتصالات مع مختلف الأطراف العربية والإقليمية..وبالتالي فإن القاهرة يمكن أن تكون الأنسب لبحث أفكار التهدئة ، بينما تستطيع بكين استخدام علاقتها بطهران لإيصال رسائل لا تستطيع واشنطن إيصالها بالطريقة نفسها..ولا يعني ذلك أن زيارة شي ستوقف الحرب أو أن القاهرة ستتحول فجأة إلى وسيط بين واشنطن وطهران ، لكن وجود الرئيس الصينى فى القاهرة يخلق نافذة دبلوماسية مهمة في لحظة شديدة التعقيد. وعن الصدى العالمى للزيارة.. فلا تكمن الأهمية فقط في البيانات التي ستصدر من القاهرة ، وإنما في الصورة التي ستنتقل إلى العالم..بأن الرئيس الصينى لا يزور مصر كثيراً ، وتعد أول زيارة له منذ ٢٠١٦.. كما أن اختيار مصر فى هذا التوقيت ، بالتزامن مع الذكرى السبعين للعلاقات ، يعطيها وزناً سياسياً خاصاً.
* كاتب ومحلل سياسي من مصر














09/02/2026 - 19:25 PM





Comments