التغيير في لبنان… حين يصبح الشعار جزءًا من المشكلة

09/02/2026 - 18:40 PM

San diego

 

 

 

 

رشيد ج. مينا

أصبح "التغيير" في لبنان عنوانًا مودرنًا لكل متنطّح إلى العمل السياسي، ولكل من يعمل للوصول إلى المناصب والمواقع، لا لخدمة الوطن، حتى باتت كلمة التغيير تُستهلك في الخطاب السياسي والانتخابي أكثر مما تُترجم إلى مشروع حقيقي قادر على تغيير الواقع.

فالتغيير الديمقراطي الحقيقي في ظل الواقع اللبناني، بتركيبته الشبيهة بالموزاييك، لا يمكن أن يتحقق بمجرد تبديل بعض الوجوه أو إدخال أسماء جديدة إلى الحياة السياسية. كما أنه لا يمكن أن يتحقق في ظل قانون انتخاب حقق ويحقق، إذا استمر بصيغته وآلياته الحالية، ديمقراطية المحاصصة واستمرار الواقع القائم، ولو تغيرت بعض الوجوه حفاظًا على تجديد ديكور السلطة الحقيقية الحاكمة في لبنان؛ وهي تحالف القوى الطائفية والمذهبية، وقوى التبعية والارتهان للخارج، مع كارتيلات الاقتصاد والاحتكارات ومراكز النفوذ والمصالح.

ومبكرًا بدأ البعض في تلميع بعض الأسماء، وبدأت الإطلالات والمواقف والتحركات استعدادًا للاستحقاقات الانتخابية، وكأن المشكلة تكمن في هذا الشخص أو ذاك، أو في استبدال اسم باسم ووجه بوجه، لا في النظام السياسي والانتخابي الذي يعيد إنتاج القوى نفسها، ويحافظ على موازين القوى نفسها، ويجعل التغيير، في كثير من الأحيان، مجرد انتقال بين أشخاص داخل المنظومة نفسها.

ويحدث كل ذلك فيما الطريق التي تتجه إليها أمور لبنان وأوضاعه لا تزال غير واضحة، والتجاذبات الداخلية والإقليميمية والدولية على أشدها، وكذلك العدوان الإسرائيلي المستمر، والاحتلال الجاثم على أجزاء من الأرض اللبنانية وما يرافقه من تهديدات وتطورات. وهذا كله يجعل الحديث عن الاستحقاقات الانتخابية والتغيير بمعزل عن مستقبل الدولة وسيادتها وأمنها واستقرارها حديثًا ناقصًا.

لا تغيير حقيقيًا في لبنان ممكنًا في ظل استمرار الواقع السياسي والقانوني القائم. كما أن التغيير يحتاج إلى ظروف ملائمة، لكنه يحتاج أيضًا، وقبل كل شيء، إلى وعي وإرادة شعبية، وإلى قانون انتخاب يضمن ممارسة ديمقراطية حقيقية، لا ديمقراطية تحاصصية، ولا انتخابات تتحكم فيها مراكز النفوذ والمال السياسي والعصبيات الطائفية والمذهبية. قانون يحمل في طياته ضمانات حقيقية لحرية اختيار الناخب، ويوفر تكافؤ الفرص، ويجعل الانتخابات وسيلة للمحاسبة والتغيير، لا مناسبة دورية لإعادة إنتاج السلطة نفسها.

لكن الوعي والإرادة الشعبية، مهما بلغت قوتهما، يحتاجان إلى إطار قادر على تحويلهما إلى فعل سياسي ووطني منظم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى حركة شعبية وطنية، لا حزبية ولا فئوية، رابطها الانتماء الوطني، وهدفها استكمال مشروع بناء الدولة الذي لم يكتمل منذ إعلان دولة لبنان الكبير، وتحقيق إرادة الشعب في التغيير الحقيقي، وإرساء مفاهيم وآليات ديمقراطية للحكم.

حركة تنطلق من الناس ومن حاجاتهم وتطلعاتهم، وتتجاوز الاصطفافات الطائفية والمذهبية والمصالح الفئوية، وتستطيع اختراق جدران هذا الحال والأمر الواقع من دون أن تدخل إليه ثم تتحول إلى جزء منه. حركة قادرة على الوصول إلى مختلف شرائح المجتمع وبناء ائتلاف وطني واسع يشكل أكثرية سياسية وشعبية تستطيع أن تحمل مشروعًا واضحًا، وأن تحول مطالب الشعب العادلة من حالة اعتراض واحتجاج إلى برنامج حكم وإنجاز.

نعم، التغيير يحتاج إلى ظروف، وإلى وعي وإرادة شعبية، وإلى قانون انتخاب ديمقراطي عادل، وإلى حركة شعبية وطنية قادرة على جمع هذه العناصر وترجمتها إلى مشروع. فلا يكفي أن يعرف الناس ما لا يريدونه، بل يجب أن تتكون لديهم إرادة واضحة لما يريدونه، وأن تتوفر الأداة الديمقراطية والوطنية القادرة على تحويل هذه الإرادة إلى سلطة مسؤولة ومؤسسات فاعلة.

والتغيير الذي يحتاجه لبنان ليس تغييرًا في الأسماء والمقاعد والمواقع، بل استكمال بناء دولة المؤسسات على أسس العدل والمساواة وتكافؤ الفرص، ومعالجة الواقع الاقتصادي والاجتماعي، واستعادة القرار الوطني، وترسيخ سيادة الدولة وسلطتها على كامل أراضيها، وبناء الثقة بين الشعب والدولة من خلال ما تنجزه وتحققه على الأرض، لا من خلال ما تعد به في الخطب والبرامج والمواسم الانتخابية.

دولة توفر لمواطنيها السيادة والأمن والاستقرار والاطمئنان، وتعيد بناء العلاقة بينهم وبين مؤسساتها، وتؤسس لعلاقات تشاركية حقيقية مع اللبنانيين في الوطن والاغتراب، وتستفيد من طاقاتهم وخبراتهم وإمكاناتهم في عملية النهوض والبناء، بدل أن يبقى الاغتراب بالنسبة إلى الدولة مجرد مصدر للتحويلات المالية أو مورد يُستدعى عند الحاجة.

كما أن استعادة القرار الوطني لا تعني عزل لبنان عن محيطه أو عن العالم. على العكس، فإن لبنان القوي بدولته ومؤسساته يحتاج إلى أعلى درجات التنسيق والتكامل مع أشقائه العرب، ولا سيما سوريا العربية، وإلى علاقات متوازنة ومنفتحة مع أصدقاء لبنان في العالم، تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وتحكمها أولًا وأخيرًا المصلحة الوطنية اللبنانية، بعيدًا عن سياسة المحاور والتبعية والارتهان.

التغيير الحقيقي في لبنان، إذًا، ليس شعارًا انتخابيًا، ولا عنوانًا مودرنًا، ولا وسيلة للوصول إلى المناصب، ولا طريقًا جديدًا إلى المقاعد القديمة. إنه وعي وإرادة شعبية، وقانون ديمقراطي، وحركة شعبية وطنية، ومشروع لاستكمال بناء الدولة. وما لم تجتمع هذه العناصر، سنبقى أمام تغيير للوجوه وتجديد للديكور، فيما تبقى القواعد نفسها، ومراكز النفوذ نفسها، والسلطة الفعلية نفسها، ويستمر اللبنانيون في انتظار تغيير لا يأتي.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment