كيف دمّرت أجهزة الرقابة والتفتيش الاقتصاد السوري؟

09/02/2026 - 19:11 PM

Your Ad Here

 

 

بركات شاهين

منذ العصور القديمة، أدركت الدول أهمية الرقابة والانضباط في حماية المال العام وضمان كفاءة الإدارة. ويُروى أن الإسكندر المقدوني، خلال حملاته نحو الشرق، اصطحب إلى جانب الشعراء والفنانين والفلاسفة والعلماء أجهزةً ومهامًا للرقابة والانضباط ومتابعة شؤون الجيش والإدارة. وقد شكّل ذلك نموذجًا مبكرًا لفكرة أصبحت لاحقًا ركنًا أساسيًا في بناء الدول: لا يمكن للدولة أن تستقيم من دون رقابة تحمي المال العام وتضبط أداء مؤسساتها.

لكن المشكلة في سورية لم تكن في وجود أجهزة الرقابة والتفتيش، بل في غياب استقلاليتها وتحولها إلى أدوات خاضعة لموازين السلطة والنفوذ.

فعندما تصبح الرقابة انتقائية، تطال الضعيف وتتغاضى عن القوي، فإنها تتحول من وسيلة لحماية الدولة إلى أداة للضغط على الموظفين وتصفية الحسابات وإقصاء الكفاءات التي تعمل باستقلالية وترفض الإملاءات واقتسام المصالح.

وكانت النتيجة استنزافًا مؤسساتيًا خطيرًا؛ فقد جرى تهميش وملاحقة وإبعاد كثير من أصحاب الخبرة، وفرغت الوزارات والمؤسسات من جزء مهم من كوادرها المهنية. ومن لم يجد نفسه مهمشًا أو ملاحقًا، وجد في الهجرة مخرجًا، فخسرت سورية جزءًا كبيرًا من رأسمالها البشري.

وهجرة الكفاءات ليست خسارة بشرية فقط، بل خسارة اقتصادية مباشرة. فالدولة تستثمر سنوات طويلة وأموالًا كبيرة في إعداد الطبيب والمهندس والمحامي والباحث والخبراء، ثم تخسر هذا الاستثمار عندما يغادرون. ومع خروج الخبرات تتراجع جودة الإدارة والإنتاج، يضعف البحث العلمي، تتآكل الذاكرة المؤسسية، وتنخفض القدرة التنافسية، وتتضرر قطاعات حيوية كالصناعة والنفط.

والأخطر أن الرقابة المسيسة تخلق ثقافة الخوف داخل مؤسسات الدولة؛ فيتجنب الموظف اتخاذ القرار، ويخشى المدير التوقيع، وتصبح السلامة الشخصية أهم من المصلحة العامة، فتتعطل المشاريع وتتراجع المبادرة.

لذلك، فإن إصلاح أجهزة الرقابة والتفتيش يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من إعادة بناء الدولة والاقتصاد في سورية.

المطلوب ليس إلغاء الرقابة، بل إعادتها إلى وظيفتها الحقيقية: حماية المال العام، كشف الفساد والمخالفات، ورفع كفاءة الإدارة، مع ضمان استقلالها عن الأجهزة الأمنية والسياسية، وعدم بناء الأحكام على الظن والتخمين، وتأمين حق الدفاع والطعن، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

وأكبر ما تخشاه الكوادر الوظيفية اليوم هو أن تتحول أجهزة الرقابة الجديدة إلى أدوات انتقام، وأن يُعاد إنتاج الأسلوب القديم بأسماء جديدة.

سورية لا تحتاج إلى موظف خائف، بل إلى موظف نزيه يشعر أن القانون يحميه عندما يلتزم به، ويحاسبه عندما يخرقه، مهما كان موقعه.

فالاقتصاد لا ينهار فقط عندما تُنهب موارده، وإنما ينهار أيضًا عندما يُهجَّر عقله، وتُهمَّش كفاءاته، ويُخيف موظفيه، وتُفرَّغ مؤسساته من خبراتها.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment