الجواب صحّ، والسؤال غلط!

09/02/2026 - 17:24 PM

San diego

 

 

مفيد خطَّار

نعرف أنَّ لكلِّ سؤالٍ جوابًا، في المبدأ. ولكن إذا طرحنا سؤالًا خاطئًا، فكيف يمكن أن نحصل على جوابٍ صحيح؟

قد يكون الجواب صحيحًا في ذاته، لكنه يظلّ جوابًا خاطئًا عن السؤال المطروح؛ لأنَّ صحة الجواب لا تُقاس في ذاتها فقط، بل بمدى مطابقته للسؤال الذي أُريدت الإجابة عنه. وليس كلُّ جوابٍ صحيحٍ جوابًا عن سؤالٍ صحيح، كما أنَّ الوصول إلى جوابٍ مقنع لا يعني بالضرورة أننا وصلنا إلى الحقيقة.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: هل أخطأنا في الجواب، أم أخطأنا قبل ذلك في السؤال؟

فكم من إنسانٍ أمضى عمره يبحث عن إجابة، ولم يخطر له أن يتساءل إن كان قد طرح السؤال الصحيح أصلًا؟

ولعلّ لبنان أحد أكثر الأمثلة وضوحًا على هذه المفارقة. فأسئلةٌ كثيرةٌ خاطئة أفرزت أجوبةً صحيحةً في ظاهرها، وأسئلةٌ صحيحةٌ قوبلت بأجوبةٍ خاطئة.

كيف يمكن لوطنٍ أن يزدهر ويتطوّر إذا كان يفتقد إلى المواطنة الحقيقية؟

وكيف يمكن أن نتحدّث عن بناء وطن، فيما لا يزال بعضنا ينظر إلى الوطن من زاوية الطائفة أو الحزب أو الزعيم أو المصلحة الخاصة؟

قد يحقّق الوطن نموًّا، وترتفع فيه الأبنية، وتتّسع الطرق، وتزداد الأرقام، وتتحسّن بعض المؤشّرات.

لكن هل كلُّ نموٍّ ازدهار؟

وهل كلُّ تطوّرٍ تقدّم؟

السؤال هنا صحيح، لكن الجواب محيّر؛ لأننا نرى وطنًا يمكن أن ينمو من دون أن يزدهر، ويتقدّم في بعض مظاهره من دون أن يتقدّم الإنسان فيه.

وربما كان علينا، قبل أن نسأل:

كيف نُنمّي لبنان؟

أن نسأل أولًا:

أيُّ لبنان نريد أن ننمّي؟ ولأيِّ إنسان؟

فإذا كان الإنسان نفسه لم يصبح مواطنًا حقيقيًا، فماذا يعني أن نبني له وطنًا متطوّرًا؟

في لبنان، الذي عانى ويعاني من حروبٍ عبثيةٍ متتالية، ومن أزماتٍ كثيرةٍ جاءت نتائجَ لتلك الحروب، ما زال هناك مَن يؤمن بالعيش المشترك، وبوطنٍ حرٍّ مستقلٍّ سيّدِ قراره.

وفي المقابل، هناك مَن لا يزال يتصرّف وكأن الوطن لم يعد يتّسع للجميع، فيسعى، بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة، إلى إنشاء كياناتٍ طائفيةٍ بديلةٍ عن الوطن.

وهنا يعود السؤال إلى مكانه:

أيُّ سؤالٍ نطرح؟ وأيُّ جوابٍ نريد؟

فإذا كان السؤال هو:

كيف نحمي طائفتنا؟

فقد نجد أجوبةً كثيرة، وربما كانت صحيحةً ضمن هذا السؤال.

أما إذا كان السؤال هو:

كيف نحمي لبنان؟

فإنَّ الإجابة لا يمكن أن تبدأ من الطائفة، بل من الوطن؛ ولا من الانقسام، بل من المواطنة؛ ولا من الخوف من الآخر، بل من الإيمان بأن لبنان لا يكون وطنًا حقيقيًا إلا لجميع أبنائه.

المشكلة، إذًا، ليست دائمًا في غياب الأجوبة، بل أحيانًا في أننا نطرح السؤال الخطأ.

وقد يكون أخطر ما يحدث في لبنان أن نعثر على أجوبةٍ تبدو صحيحةً لأسئلةٍ خاطئة، ثم نستخدم تلك الأجوبة لبناء واقعٍ أكثر خطأً.

فالوطن لا يُبنى بسؤال:

ماذا نربح نحن؟

بل بسؤال:

ماذا يبقى لنا جميعًا؟

عندما تصبح الغريزة الطائفية أقوى من فكرة المواطنة، يصبح الوطن مجرّد مساحةٍ تتنافس عليها الجماعات، بدل أن يكون مساحةً تجمع المواطنين.

وهنا لا تعود المشكلة في كيفية إدارة الوطن فقط، بل في السؤال الذي نريد أن ننطلق منه أصلًا.

هل نريد لبنان لأنفسنا، أم نريد أن نكون نحن للبنان؟

هل الوطن هو ما نحصل عليه منه، أم ما نستطيع أن نعطيه له؟

وهل يمكن أن يكون لنا وطنٌ حقيقي، إذا ظلّ كلٌّ منا يعرّف نفسه قبل لبنان بانتمائه الطائفي أو الحزبي أو الفئوي؟

هاجر لبنان من لبنان، واستقرّ في هجرته في قلوب محبّيه، وبقي هناك، حيًّا رغم الغياب، ينتظر من أبنائه جوابًا صحيحًا عن سؤالٍ صحيح.

فربما لم يعد لبنان يحتاج إلى مزيدٍ من الأجوبة، بقدر ما يحتاج إلى أن يتعلّم من جديد كيف يطرح السؤال الصحيح.

وعندما يصبح السؤال:

أيُّ لبنان نريد؟

وتكون الإجابة:

لبنان الذي يتّسع للجميع، لا لبنان الذي يُختزل في جماعة؛ لبنان الوطن، لا لبنان الكيان الطائفي؛ لبنان السيّد الحرّ المستقلّ، لا لبنان الساحة.

عندها فقط، قد يعود لبنان من هجرته؛ لا من الخارج إلى الداخل، بل من القلوب إلى الوطن، ويستعيد شرف رسالته للشرق والغرب.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment