بقلم: أكرم مندامي زين الدين *
هناك أخبار نقرأها ثم نطوي الصفحة، وهناك أخبار يجب أن نتوقف عندها، لا لأنها كبيرة في حجمها الآني، بل لأنها تكشف لنا حجم ما يمكن أن نصنعه غدًا. ومن بين هذه الأخبار، يبرز اليوم اسم فتاة غابونية في السابعة عشرة من عمرها:Sephora Maganga Nziengui سيفورا ماغانغا نزينغي.
وجود سيفورا ضمن Mission ShakthiSAT ليس بالنسبة إليّ مجرد خبر عن فتاة غابونية وصلت إلى برنامج دولي يرتبط بعلوم الفضاء. الخبر جميل، لكن الجمال ليس سؤالي. إنني أرى خلف هذا الاسم سؤالًا أكبر بكثير من عمر صاحبته: ماذا فعلنا خلال ستة وستين عامًا بأحلام أطفال الغابون، وماذا نستطيع أن نفعل بها في الستة والستين عامًا المقبلة؟
السؤال ليس عاطفيًا، ولا أطرحه لمقارنة عهد بعهد، أو رئيس برئيس. فالدول لا تُقرأ بهذه البساطة، والتاريخ لا يُختصر في أسماء الرجال الذين حكموا، بل في المراحل التي عبرتها الدولة وفي التحديات التي فرضها كل زمن عليها.
من ليون مبا، أب الاستقلال وأول رئيس للجمهورية الغابونية، بدأت معركة تأسيس الدولة وبناء مؤسساتها وترسيخ سيادتها بعد الاستقلال. ثم جاء عمر بونغو أونديمبا، الذي قاد الغابون لعقود طويلة شهدت بناء مؤسسات الدولة وتوسع حضورها الإقليمي والدولي، كما شهدت البلاد خلالها تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة. وبعد رحيله، حملت روز فرانسين روغومبي مسؤولية مرحلة انتقالية دقيقة، فكانت حارسة للدستور ولانتقال السلطة في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الجمهورية.
ثم جاء علي بونغو أونديمبا بمقاربة اقتصادية أرادت نقل الغابون تدريجيًا من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على تصدير المواد الخام إلى اقتصاد يسعى إلى التصنيع المحلي وخلق القيمة المضافة. وفي قلب هذه المرحلة ظهرت تجربة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، PPP، وتقدمت مشاريع البنية التحتية والمنصات الصناعية والموانئ والخدمات اللوجستية، وأصبحت منطقة نكوك الاقتصادية الخاصة واحدة من أبرز رموز محاولة تحويل الموارد الغابونية داخل الغابون بدل الاكتفاء بإرسالها خامًا إلى الخارج.
واليوم يقود الرئيس بريس كلوتير أوليغي نغيما مرحلة جديدة. رجل ترعرع داخل مؤسسات الدولة ومركز القرار، ثم وجد نفسه أمام مسؤولية قيادة المرحلة الانتقالية وإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة، قبل أن تنتقل البلاد إلى مرحلة سياسية جديدة. وقد رافق ذلك حضور ميداني واسع في أقاليم الغابون، واندفاع واضح نحو البنية التحتية، وإعادة طرح أسئلة السيادة الاقتصادية والإنتاج الوطني ودور الدولة في التنمية.
لكن التاريخ، مهما كان مهمًا، لا يجوز أن يتحول إلى متحف نعيش داخله.
الغابون الذي احتاج بالأمس إلى الطرق والموانئ والمطارات والمناطق الصناعية، يحتاج اليوم إلى شيء إضافي: اقتصاد المعرفة.
وهنا تعود سيفورا.
لا أريد أن نجعل من Sephora Maganga Nziengui قصة جميلة نحتفل بها أيامًا، نرفع صورها، نصفق لها، ثم نعود إلى أعمالنا وكأن شيئًا لم يحدث. فالقصص الفردية تنتهي بانتهاء التصفيق، أما المؤشرات فتُقرأ ثم تُترجم إلى قرارات. وسيفورا مؤشر. وسواء اكتملت هذه المهمة في موعدها أو تأخرت، فإن السؤال الذي فتحته يبقى قائمًا: النجاح الحقيقي ليس أن تصل فتاة غابونية واحدة إلى برنامج فضائي دولي، بل أن نسأل فورًا: كيف نجعل بعدها عشر فتيات؟ ثم مئة؟ ثم ألف شاب وفتاة غابونية في علوم الفضاء، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والأقمار الصناعية، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والهندسة المتقدمة؟
هنا بالضبط يبدأ السؤال الاقتصادي، وهنا أيضًا يجب أن نكون دقيقين: الغابون لا يبدأ من الصفر.
فمنذ سنوات يمتلك الغابون وكالته الوطنية للدراسات والرصد الفضائي، AGEOS، التي تستقبل وتحلل صور الأقمار الصناعية لمراقبة الغابات والأراضي. هذه الوكالة هي رأس الجسر. والسؤال الحقيقي ليس إنشاء شيء من العدم، بل البناء على ما هو قائم وتوسيعه: من وكالة تراقب، إلى منظومة تُعلّم وتُدرّب وتحتضن وتُنتج.
إذا استطاع الغابون أن يستخدم نموذج الـPPP لبناء منطقة اقتصادية، أو ميناء، أو منصة صناعية، فلماذا لا يستخدم المنطق نفسه لبناء منظومة وطنية للتكنولوجيا والفضاء؟
لا أتحدث عن أن يستيقظ الغابون غدًا ويقرر بناء صاروخ. هذا سيكون اختزالًا ساذجًا لمفهوم الاقتصاد الفضائي. فالفضاء اليوم منظومة اقتصادية واسعة تبدأ من التعليم والبرمجيات والبيانات والاتصالات والاستشعار عن بُعد، وتمر بالأقمار الصناعية الصغيرة ومحطات الاستقبال الأرضية، وتصل إلى تطبيقات شديدة العملية في الزراعة والمناجم والغابات والموانئ والأرصاد الجوية وإدارة الحدود والكوارث والتخطيط العمراني.
والغابون تحديدًا يملك أسبابًا عملية للدخول إلى هذه المنظومة.
بلد تغطي الغابات معظم أراضيه يحتاج إلى مراقبة دقيقة للغطاء الحرجي والكربون والتغيرات البيئية. بلد غني بالموارد المعدنية يحتاج إلى أدوات متقدمة للاستكشاف ورسم الخرائط. بلد يمتلك واجهة بحرية وموانئ وطموحات لوجستية يحتاج إلى تقنيات مراقبة الملاحة والسواحل. وبلد يريد تطوير الزراعة يحتاج إلى بيانات تساعد على مراقبة التربة والمياه والمحاصيل والطقس.
أي أن الاستثمار في الفضاء بالنسبة إلى الغابون لا ينبغي أن يبدأ من الفضاء، بل من مشكلات الأرض الغابونية نفسها.
ومن هنا أرى إمكانية التفكير في PPP جديد، مختلف هذه المرة: الدولة تضع الرؤية والإطار التنظيمي والأهداف السيادية، AGEOS والجامعات تبني رأس المال البشري والبحث العلمي، القطاع الخاص يوفر التكنولوجيا والاستثمار والخبرة التشغيلية، والشركاء الدوليون يفتحون أبواب التدريب ونقل المعرفة والأسواق.
ويمكن أن تبدأ المنظومة متواضعة ولكن ذكية: برنامج وطني للعلوم والتكنولوجيا والفضاء، منح دراسية متخصصة، مختبرات للروبوتات والذكاء الاصطناعي، شراكات جامعية دولية، مركز موسّع لتحليل بيانات الأقمار الصناعية، حاضنة للشركات الناشئة، ثم الانتقال تدريجيًا إلى مشاريع أكثر تقدمًا عندما تتوافر الكفاءات والجدوى الاقتصادية.
لقد تعلمنا من تجربة نكوك درسًا مهمًا: القيمة الحقيقية لا تكمن فقط فيما تملكه الأرض، بل فيما يستطيع الإنسان أن يضيفه إليه قبل أن يغادرها.
بالأمس كان السؤال: لماذا نُصدر الخشب خامًا بينما نستطيع تحويله داخل الغابون؟
واليوم يجب أن نضيف سؤالًا آخر: لماذا نُصدر أبناءنا بحثًا عن المعرفة، ثم نكتفي بالفخر عندما ينجح أحدهم في الخارج، بينما نستطيع أن نبني جزءًا من منظومة المعرفة داخل الغابون نفسها؟
ويصبح السؤال الحقيقي ليس أين وصلت سيفورا ماغانغا نزينغي، بل ماذا ستفعل الدولة والجامعة والقطاع الخاص بعد أن وصلت؟
تغيرت تحديات الغابون من جيل إلى جيل، لكن جوهر المسؤولية بقي واحدًا: أن يترك كل جيل للجيل الذي يليه دولة أكثر قدرة مما استلمها. لقد بنينا المؤسسات، وشققنا الطرق، وأقمنا الموانئ، وأنشأنا المناطق الاقتصادية، وبدأنا معركة التصنيع والقيمة المضافة.
أما المعركة المقبلة، فهي معركة العقل الغابوني.
لهذا أقول: لا تجعلوا سيفورا نهاية الخبر، ولا صورة عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
اجعلوها بداية السؤال.
ثم اجعلوا السؤال مشروعًا.
والمشروع مؤسسة.
والمؤسسة منظومة.
ثم اجعلوا المنظومة قصة وطنية تشبه صباح الثلاثين من آب، حين يلتحم شعب بأكمله في نظرة واحدة إلى المستقبل.
فقد تكون Sephora Maganga Nziengui اليوم فتاة غابونية واحدة تنظر إلى السماء، لكن مسؤوليتنا أن نجعل خلفها جيلًا كاملًا يعرف أن السماء ليست سقفًا لطموحه، وأن طموحه يليق بألوانه الثلاثة: الأخضر، والأصفر، والأزرق.














09/02/2026 - 16:17 PM





Comments