إسماعيل مسلماني *
لا تبدو الانتخابات الإسرائيلية المقبلة مجرد محطة انتخابية لتغيير حكومة أو تجديد الثقة بها، وإنما تمثل اختباراً سياسياً عميقاً لمستقبل النظام الحزبي الإسرائيلي ولقدرة بنيامين نتنياهو على الاستمرار في قيادة المشهد. فإسرائيل تدخل الانتخابات في ظل أزمة ثقة متراكمة، وانقسامات داخلية حادة، وتداعيات أمنية واقتصادية وسياسية للحرب، إلى جانب خلافات متزايدة داخل معسكر اليمين نفسه. ولذلك فإن السؤال المركزي لا يتعلق فقط بعدد المقاعد التي سيحصل عليها كل حزب، بل بالقدرة على ترجمة هذه المقاعد إلى ائتلاف حكومي مستقر.
يدخل نتنياهو السباق الانتخابي وهو في وضع أكثر تعقيداً من الانتخابات السابقة. صحيح أن الليكود لا يزال قوة سياسية رئيسية، وأن نتنياهو يمتلك قاعدة انتخابية صلبة وخبرة استثنائية في إدارة الحملات والتحالفات، إلا أن هذه العناصر لم تعد كافية وحدها لضمان بقائه. فقد أصبحت صورته السياسية مرتبطة بصورة مباشرة بنتائج الحرب، وبإدارة الحكومة للملفات الأمنية، وبالأزمات التي انفجرت بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية والأمنية. وفي المقابل، يدرك نتنياهو أن أي تراجع كبير لليمين قد يفتح الباب أمام محاولة تشكيل ائتلاف بديل.
المشكلة الأكثر خطورة بالنسبة لنتنياهو تكمن داخل معسكره وليس خارجه فقط. فالحريديم يريدون الحفاظ على إعفاءاتهم من الخدمة العسكرية، بينما تتزايد الضغوط من قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي لتوسيع دائرة التجنيد، خصوصاً بعد سنوات الحرب. وبين هذين الاتجاهين يحاول نتنياهو الحفاظ على ائتلافه. لكن كل تنازل لأحد الطرفين قد يؤدي إلى خسارة الطرف الآخر، الأمر الذي يجعل قضية التجنيد واحدة من مفاتيح مستقبل الائتلاف اليميني.
أما المعارضة، فقد نجحت خلال الفترة الأخيرة في تحويل جزء من الاستياء الشعبي إلى قوة انتخابية، لكنها لم تحسم حتى الآن مشكلة البديل. فإسقاط نتنياهو انتخابياً أسهل من تشكيل حكومة بديلة عنه. المعارضة تضم قوى مختلفة في توجهاتها السياسية والأمنية والاجتماعية، وقد تتفق على معارضة نتنياهو، لكنها قد تواجه صعوبة في الاتفاق على مشروع حكومي موحد. وهذا يعني أن نتائج الانتخابات قد تفتح باباً واسعاً للمفاوضات حتى لو تراجع الليكود.
السيناريو الأول: استمرار نتنياهو.
يتمكن الليكود وحلفاؤه من الوصول إلى 61 مقعداً أو أكثر، فيعيد نتنياهو تشكيل حكومة يمينية، ربما مع تقديم تنازلات أكبر للأحزاب الدينية أو إدخال ترتيبات جديدة داخل الائتلاف. هذا السيناريو يبقى ممكناً طالما بقي اليمين متماسكاً انتخابياً.
السيناريو الثاني: حكومة بديلة.
تحقق أحزاب المعارضة تقدماً كافياً يسمح لها ببناء ائتلاف يتجاوز الانقسام السياسي التقليدي. وفي هذه الحالة قد تظهر حكومة وسطية أو ائتلاف واسع يضم أحزاباً من اليمين والوسط، ويكون هدفه الأساسي إنهاء حقبة نتنياهو وإعادة ترتيب الأولويات الداخلية والخارجية.
السيناريو الثالث: انتخابات بلا حسم.
وهو السيناريو الذي يجب عدم استبعاده. فقد لا يحصل أي معسكر على الأغلبية المطلوبة، فتبدأ مفاوضات طويلة لتشكيل ائتلاف. وفي حال فشل الجميع، قد تعود إسرائيل إلى أزمة سياسية جديدة وربما إلى انتخابات إضافية. وهذا السيناريو يعكس مشكلة أعمق في النظام الحزبي الإسرائيلي تتمثل في صعوبة إنتاج أغلبية مستقرة في ظل تعدد الأحزاب والاستقطاب الحاد.
وسيكون العامل الأمني حاسماً في تحديد اتجاه الناخبين. فأي تطور كبير في غزة أو لبنان أو إيران قبل الانتخابات يمكن أن يعيد ترتيب الخريطة السياسية خلال أيام. وإذا شعر الجمهور الإسرائيلي بأن الحكومة نجحت في تحقيق إنجاز أمني، فقد يستفيد نتنياهو واليمين. أما إذا استمرت حالة عدم الاستقرار أو ارتفعت كلفة الحرب السياسية والاقتصادية، فقد يتحول الأمن نفسه إلى عامل ضد الحكومة.
في النهاية، الانتخابات المقبلة ليست استفتاءً بسيطاً على شخص نتنياهو، بل صراع على هوية إسرائيل السياسية في المرحلة القادمة. نتنياهو يقاتل للحفاظ على معسكره ومنع تشكل بديل عنه، بينما تحاول المعارضة تحويل تراجع الثقة بالحكومة إلى تغيير سياسي فعلي. وبينهما يبقى العامل الحاسم هو قدرة كل معسكر على بناء ائتلاف يملك 61 مقعداً.
وعليه، فإن احتمال سقوط نتنياهو لا يعني تلقائياً وصول المعارضة إلى الحكم، كما أن تراجع الليكود لا يعني بالضرورة نهاية نتنياهو السياسية. المعركة الحقيقية تبدأ في اليوم التالي لإعلان النتائج؛ هناك ستظهر قيمة التحالفات، وقدرة الأحزاب الصغيرة على ترجيح الكفة، ومدى استعداد القوى السياسية لتجاوز خلافاتها. ولذلك قد تكون انتخابات 2026 بداية نهاية حقبة نتنياهو، وقد تكون في الوقت نفسه بداية مرحلة جديدة من حكمه، لكن المؤكد أنها ستكون اختباراً حاسماً لمستقبل اليمين الإسرائيلي ولشكل النظام السياسي في السنوات المقبلة.
* مختص بالشان الإسرائيلي











09/01/2026 - 04:53 AM





Comments