الدولة تُفرَّغ بصمت... فأين المسيحيون الذين أقسموا على حمايتها؟

09/01/2026 - 04:36 AM

Your Ad Here

 

 

 

 

تقرير إخباري موسع من اعداد الخوري الدكتور نبيل مونس

في لبنان، لا تبدأ التحولات الكبرى دائمًا بانفجار سياسي أو قرار معلن أو مواجهة في الشارع. أحيانًا تبدأ بصمت. شغور هنا، تكليف هناك، إحالة موظف إلى التقاعد من دون تعيين بديل، مركز إداري يبقى فارغًا، وصلاحيات تنتقل تدريجيًا إلى آخرين. وبعد سنوات، يلتفت الجميع إلى المشهد ليكتشفوا أن الخريطة تغيّرت.

هذا هو القلق الذي تثيره اليوم المعلومات والدراسات المتداولة حول تراجع الحضور المسيحي في مؤسسات الدولة اللبنانية، وهي قضية تجاوزت حدود السجال السياسي التقليدي لتطرح سؤالًا أكثر خطورة: هل يجري التعامل مع هذا الملف باعتباره مجرد أرقام إدارية، فيما تتشكل أمام أعين اللبنانيين تحولات عميقة في بنية الدولة والشراكة الوطنية؟

الحديث عن الحضور المسيحي في الدولة لا يجب أن يُفهم بوصفه مطالبة بامتيازات أو دعوة إلى استبدال منطق الكفاءة بالمحاصصة. فالدولة الحديثة لا تُبنى على أساس الهوية الطائفية للموظف، بل على الكفاءة والقانون والشفافية. لكن لبنان ليس دولة عادية في تركيبته السياسية والاجتماعية، ودستوره نفسه يعترف بخصوصية مرحلة انتقالية تحفظ المناصفة والشراكة في مواقع محددة، إلى حين الوصول إلى الدولة المدنية المنشودة.

المشكلة، كما يراها كثيرون ممن يتابعون هذا الملف، ليست في وصول لبناني غير مسيحي إلى موقع رسمي، بل في السؤال الذي يسبق كل تعيين: كيف تم الاختيار؟ هل فُتحت المنافسة؟ هل احترمت الأصول القانونية؟ وهل هناك شفافية حقيقية تسمح للرأي العام بمعرفة ما يحدث داخل مؤسسات الدولة؟ لأن الغموض هو البيئة المثالية لتوليد الشك.

وحين تغيب الأرقام الرسمية الواضحة، تصبح كل طائفة خائفة من الأخرى، بينما تكون المشكلة الحقيقية في مكان آخر: في دولة لا تشرح ما تفعله، وفي إدارات لا تنشر خريطتها الوظيفية، وفي مواقع شاغرة تتحول التكليفات المؤقتة فيها إلى أمر واقع طويل الأمد. وهنا يصبح السؤال الأكثر إحراجًا: أين النواب المسيحيون؟.

أين ممثلو الشعب الذين رفعوا طوال سنوات شعارات الدفاع عن حقوق المسيحيين والشراكة الوطنية؟ أين الأسئلة البرلمانية؟ أين لجان التحقيق؟ أين المطالبة بكشف الأرقام الحقيقية للتعيينات والشواغر والتكليفات؟

لا يكفي أن تتحول القضية المسيحية إلى خطاب انتخابي كل أربع سنوات. ولا يكفي أن يتحدث السياسي عن "الوجود المسيحي" أمام الكاميرات، بينما لا توجد متابعة يومية لواقع المؤسسات التي يُفترض أن تشكل أحد أعمدة هذا الوجود.

فالحقوق لا تضيع دائمًا بقرار كبير. أحيانًا تضيع بالتأجيل. بتوقيع لم يُسأل عنه أحد. بموقع بقي شاغرًا سنوات. بتكليف مؤقت تحول إلى واقع دائم. وبإدارة فقدت تدريجيًا أبناءها من دون أن ينتبه أحد إلى حجم التحول. ثم يأتي يوم يقال فيه إن "الواقع تغيّر". لكن الواقع لم يتغير وحده. وهناك دائمًا قرارات صنعت هذا الواقع، وصمت سمح له بأن يستمر. وهذا الصمت يضع الأحزاب المسيحية أيضًا أمام مسؤولية مباشرة.

فالقضية أكبر بكثير من الدفاع عن منصب أو مركز. الحضور المسيحي الحقيقي في لبنان لا يُقاس فقط بعدد الوزراء والنواب والموظفين. الحضور الحقيقي يبدأ من الإنسان الذي يعيش في قريته ومدينته، ويبحث عن فرصة عمل، ويريد أن يؤسس عائلة، وأن يرسل أبناءه إلى المدرسة، وأن يشعر بأن مستقبله موجود في لبنان وليس من خلال مطار بيروت.

ماذا يفيد أن يبقى الموقع الإداري محفوظًا على الورق إذا كان الشباب يغادرون البلاد؟

ماذا يفيد الحديث عن الحقوق إذا كانت العائلات تبيع منازلها وتهاجر؟ وماذا يبقى من أي مجتمع عندما يصبح أفضل ما يستطيع أن يقدمه لأبنائه هو نصيحة بالرحيل؟

هذه هي القضية التي يجب أن تواجهها الأحزاب بصدق.

فالوجود المسيحي في لبنان ليس شعارًا انتخابيًا ولا مادة للمزايدة السياسية. إنه قضية بشرية ووطنية قبل أن يكون قضية طائفية. إنه مستقبل أجيال كاملة تسأل اليوم: هل نبقى أم نرحل؟ وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور الذي يُنتظر من المرجعيات الروحية، وفي مقدمتها البطريركية المارونية وسائر الكنائس اللبنانية. ولا يعني طرح السؤال توجيه الاتهام إلى أحد، بل لأن حجم المسؤولية التاريخية كبير.

فالكنيسة في لبنان لم تكن يومًا مجرد مؤسسة دينية. كانت مدرسة ومستشفى وجامعة، وملجأ وذاكرة وطنية. وحين يواجه المجتمع المسيحي تحديات ديموغرافية واقتصادية وإدارية بهذا الحجم، يصبح المطلوب أكثر من التعبير عن القلق.

المطلوب متابعة مستمرة. مطلوب مرصد حقيقي للهجرة. مطلوب توثيق علمي لواقع الحضور المسيحي في الدولة. مطلوب أرقام دقيقة. مطلوب معرفة أين تكمن المشكلة، وأين تراجع الحضور، ولماذا، وكيف يمكن معالجة الخلل ضمن القانون ومن دون تحويل القضية إلى مواجهة طائفية. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول القضية إلى صراخ سياسي موسمي، ثم تختفي من جديد.

وفي الجنوب اللبناني، تبدو الصورة أكثر إنسانية وقسوة. فالقرى التي عاشت سنوات من الحروب والقلق والنزوح لا تواجه فقط خطرًا اقتصاديًا أو أمنيًا، بل خطر أن يتحول الغياب المؤقت إلى غياب دائم.

ماذا يعني أن يترك الإنسان منزل أجداده؟ ماذا يعني أن تصبح الكنيسة التي شهدت أفراح القرية وأحزانها فارغة؟ ماذا يعني أن يكبر الأطفال بعيدًا عن الأرض التي وُلد فيها آباؤهم وأجدادهم؟

هذه ليست مجرد أسئلة سياسية. إنها أسئلة وجودية. ولعل الخطر الأكبر ليس أن يغادر المسيحيون لبنان دفعة واحدة، فالتاريخ لا يعمل بهذه الطريقة. الخطر هو أن يصبح الرحيل طبيعيًا. أن يصبح بقاء الشاب في لبنان استثناءً، وأن تصبح الهجرة هي الخطة الواقعية الوحيدة للمستقبل.

عندها يبدأ المجتمع بالتراجع من الداخل. مدرسة يقل عدد طلابها. قرية تقل عائلاتها. مؤسسة تفقد موظفيها. كنيسة يخف حضور أبنائها. ثم بعد سنوات، يصبح السؤال عن أسباب التراجع متأخرًا جدًا. لكن القضية، في جوهرها، لا تخص المسيحيين وحدهم.

قضية لبنان

لأن لبنان لم يُبنَ على فكرة أن يكون وطنًا لمجموعة واحدة. قوته كانت دائمًا في تعدده، وفي قدرة مكوناته المختلفة على الشعور بأن الدولة تخص الجميع. وعندما يشعر أي مكون لبناني بأن الدولة أصبحت بعيدة عنه، فإن الخسارة لا تقع على هذا المكون وحده، بل على الدولة نفسها.

ولهذا، فإن المطلوب اليوم ليس فتح حرب جديدة بين الطوائف، ولا تحويل الوظائف العامة إلى ساحات صراع مذهبي. المطلوب هو العكس تمامًا: دولة شفافة، تحترم القانون، وتعلن الحقائق، وتُخضع التعيينات لمعايير واضحة، وتحمي الشراكة الوطنية بدل أن تتركها رهينة الصفقات والغرف المغلقة.

وإذا كانت التقارير التي تتحدث عن تراجع الحضور المسيحي في مؤسسات الدولة دقيقة، فإن على المسؤولين أن يواجهوا الحقائق. وإذا كانت غير دقيقة، فإن واجب الدولة هو نشر الأرقام التي تثبت ذلك. لكن ما لا يمكن قبوله هو الصمت.

الصمت لم يعد موقفًا محايدًا.

الصمت، في قضية بهذا الحجم، قد يصبح مشاركة غير مباشرة في استمرار المشكلة. ولهذا يجب أن يُطرح السؤال بوضوح على كل نائب مسيحي، وكل حزب، وكل مرجعية روحية، وكل مسؤول لبناني:

ماذا فعلتم؟ ليس ماذا قلتم.

ماذا فعلتم وما هي الدراسات التي أعددتموها؟ وما هي الملفات التي فتحتموها؟ وما هي المواقع التي تابعتموها؟ وما هي الخطط التي وضعتموها لمنع الهجرة؟

كيف تحمون الشباب؟ كيف تساعدون العائلات على البقاء؟ وكيف تحافظون على الشراكة داخل الدولة؟

اللبنانيون لا يحتاجون اليوم إلى مزيد من الخطب. يحتاجون إلى إجابات. والقضية المسيحية لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات.

تحتاج إلى عمل. إلى أرقام. إلى مؤسسات. إلى متابعة. وإلى شجاعة سياسية تقول الحقيقة حتى عندما تكون مؤلمة. ربما لا يكون الخطر الأكبر هو خسارة موقع أو وظيفة.

الخطر الأكبر هو أن يستيقظ اللبنانيون يومًا ليكتشفوا أن جزءًا أساسيًا من التوازن الذي قام عليه وطنهم تراجع بصمت، وأن الجميع كان يعرف، والجميع كان يتحدث، لكن أحدًا لم يتحرك في الوقت المناسب. وعندها، لن يكون السؤال: أين ذهب المسيحيون من الدولة؟

بل سيكون السؤال الأكثر قسوة: أين كان الذين انتُخبوا للدفاع عنهم عندما كانت الدولة تتغير أمام أعينهم؟

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment