صيف المتوسط 2026: حين اجتمع اللهيب والجفاف والبحر الساخن

08/31/2026 - 16:20 PM

Your Ad Here

 

 

مقال صحفي تحليلي من اعداد: ضياء الدين مرزقي

 

موجة لم تكن حدثاً واحداً

لم يكن صيف 2026 في حوض المتوسط مجرد أيام حارة متفرقة، بل سلسلة متعاقبة من موجات الحر بدأت مبكراً في مايو، ثم تصاعدت خلال يونيو ويوليو، وترافقت مع جفاف واسع وحرائق قياسية في أجزاء من أوروبا المتوسطية. وتُظهر البيانات المتاحة أن الصورة لم تكن متطابقة في كل بلدان الحوض؛ فقد كانت أشد وضوحاً في غرب أوروبا والساحل المتوسطي الأوروبي، بينما سجلت أجزاء من المغرب العربي أيضاً ظروفاً أكثر جفافاً من المعتاد. لذلك، فإن وصف الحدث بدقة يقتضي التمييز بين نطاق حوض المتوسط وبين المؤشرات التي تغطي الاتحاد الأوروبي أو غرب أوروبا فقط.[1] [2]

 

في غرب أوروبا، سجل يونيو 2026 أعلى متوسط حراري منذ بدء السجلات، عند 20.74 درجة مئوية، أي أعلى بـ 3.05 درجات من متوسط الفترة 1991–2020. ثم جاءت فترة يونيو–يوليو كأحر فترة من شهرين في المنطقة نفسها، بمتوسط 21.62 درجة مئوية، وبانحراف بلغ +2.79 درجة عن المعتاد.[1] أما يوليو، فكان عالمياً ثاني أحر يوليو بالتساوي مع يوليو 2024، بمتوسط حرارة سطحية بلغ 16.90 درجة مئوية، أي +0.67 درجة مقارنة بمتوسط 1991–2020.[1]

 

مؤشرات الحرارة الاستثنائية في صيف 2026

 

إنفوغرافيك 1: مؤشرات مختارة للحرارة في صيف 2026. مصدر الأرقام: كوبيرنيكوس/ECMWF والمنظمة العالمية للأرصاد.[1] [2]

 

من مايو المبكر إلى يونيو القياسي

بدأت الإشارة الأولى إلى صيف استثنائي خلال موجة مبكرة امتدت تقريباً بين 21 و30 مايو. ففي أجزاء من غرب فرنسا وإنجلترا وويلز تجاوزت الانحرافات اليومية 10 درجات مئوية فوق المتوسط.[2] وفي يونيو، اتسعت رقعة السجلات: فقد بلغت الحرارة 43.8 درجة مئوية في بلدة بولو قرب الساحل الأطلسي الفرنسي وفق بيان المنظمة العالمية للأرصاد، وسجلت بلباو الإسبانية 42.7 درجة، بينما بلغت في كوشن بشرق ألمانيا 41.7 درجة في 28 يونيو.[3]

 

وفي 8 يوليو، سجل مرصد فابرا في برشلونة 40.5 درجة مئوية، وهي أعلى حرارة في أكثر من قرن من الرصد في المحطة. ولا تعني هذه الأرقام أن كل مدن المتوسط سجلت المستوى نفسه، لكنها توضح اتساع موجة الهواء الحار وتنوع السجلات المحلية التي رافقتها.[3]

 

البحر لم يعد ملاذاً بارداً

أحد أكثر وجوه صيف 2026 إثارة للقلق كان ارتفاع حرارة البحر. فقد بلغت حرارة سطح المحيطات خارج المناطق القطبية في يوليو 20.96 درجة مئوية، متجاوزة الرقم القياسي السابق لشهر يوليو، البالغ 20.89 درجة والمسجل في 2023.[1] وفي محيط أوروبا، سجلت سواحل الأطلسي والمتوسط الغربي قيماً قياسية لشهر يوليو، مع انتشار موجات حر بحرية قوية أو شديدة.[1]

 

وتشير دراسة إسناد سريعة أجرتها مبادرة World Weather Attribution إلى أن حرارة سطح المتوسط في يونيو وصلت في بعض المناطق إلى نحو 6 درجات فوق المعتاد. كما وجدت الدراسة أن الاحترار المرصود في أحداث الحرارة البحرية القصوى بلغ نحو 3.1 درجات في المتوسط الغربي و2.6 درجة في المتوسط الشرقي مقارنة بماضي السجل، مع تقدير محافظ بأن نحو درجتين من الاحترار في المنطقتين المتوسطيّتين ترتبطان بتغير المناخ الناجم عن الإنسان.[4] وهذه نتائج تخص مناطق وفترات تعريفية محددة، وليست متوسطاً لكل سطح البحر المتوسط.

 

البحر الساخن يغيّر بدوره شروط الحياة على الساحل. فالأنواع البحرية تتحرك نحو مياه أبرد، وتتعرض الكائنات المؤسسة مثل الإسفنج والطحالب الكبيرة والشعاب لإجهاد حراري قد يقود إلى نفوق جماعي، بما ينعكس على الأسماك وسلاسل الغذاء والصيد وتربية الأحياء المائية.[4] كما أن المياه الأدفأ تزيد الرطوبة قرب السواحل، ما يجعل الحرارة الليلية أكثر إنهاكاً للإنسان، وقد ترفع مخاطر بعض الأمراض المنقولة بالمياه خلال فترات الحرارة المستمرة.[4]

 

الجفاف: الحلقة التي تضاعف الخطر

لم تكن الحرارة وحدها المشكلة. فقد تراكم نقص الأمطار منذ الربيع، وجفت التربة، وتراجعت قدرة الأرض على تبريد الهواء عبر التبخر. وحين تصبح التربة جافة، يتحول جزء أكبر من الطاقة الشمسية إلى تسخين مباشر للهواء، فتتقوى الحلقة بين الحرارة والجفاف. ووفق المركز المشترك للبحوث التابع للمفوضية الأوروبية، كانت 50% من أراضي الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة تحت مستوى من مستويات الجفاف في أواخر يوليو، فيما بلغت المساحة عند مستوى الإنذار 9%.[5]

 

وطالت الضغوط أربعة أنهار أوروبية كبرى، هي اللوار وبو والراين والدانوب، التي وصلت مناسيبها إلى مستويات شديدة الانخفاض أو قياسية خلال أغسطس. ويدفع انخفاض التدفق المائي ثمناً متعدد القطاعات: تقل مياه الري، يتعطل النقل النهري، تتضرر إمدادات المدن، وتتعرض محطات الطاقة، بما فيها النووية والكهرومائية، لقيود تشغيلية.[1] [5]

 

الحرائق: رقم يترجم الجفاف إلى خسارة

حتى 5 أغسطس، بلغت المساحة المحروقة في الاتحاد الأوروبي 505,683 هكتاراً منذ بداية 2026، مقابل 379,392 هكتاراً في التاريخ نفسه من 2025، أي بزيادة تقارب 33% وفق الحساب المبني على الرقمين المنشورين من المركز المشترك للبحوث. ومع أن موسم 2025 ظل الأسوأ في الحصيلة السنوية، بمساحة بلغت 1,034,552 هكتاراً، فإن موسم 2026 تجاوز 2025 في المقارنة حتى التاريخ نفسه.[5]

 

المساحة المحروقة في الاتحاد الأوروبي خلال موسم 2025–2026

 

إنفوغرافيك 2: المساحة المحروقة حتى 5 أغسطس من كل عام. لا تشمل الأرقام كامل حوض المتوسط.[5]

 

تركزت الحرائق الكبيرة في يوليو في جنوب غرب أوروبا، ولا سيما إسبانيا وفرنسا، غير أن تسجيل حرائق مهمة في المملكة المتحدة وشمال فرنسا يوضح أن موسم الخطر لم يعد محصوراً في البؤر الجنوبية التقليدية. فالوقود الجاف، والحرارة، والرياح، وتراجع رطوبة التربة تعمل معاً على زيادة سرعة انتشار النيران وشدتها، بينما ينقل الدخان الملوثات لمسافات بعيدة.[1] [5]

 

فاتورة بشرية تتكشف تدريجياً

الحر الشديد «قاتل صامت» لأن الوفيات لا تُسجل دائماً بوصفها ناجمة مباشرة عن الحرارة؛ فقد تظهر في صورة أزمات قلبية أو تنفسية أو تفاقم أمراض مزمنة. وفي 16 يوليو، قالت منظمة الصحة العالمية في أوروبا إن بيانات أولية من خمس دول أظهرت قرابة 10,000 وفاة زائدة مرتبطة بالحر خلال صيف 2026، مع استمرار جمع البيانات.[6] لذلك لا يجوز تقديم الرقم كحصيلة نهائية لكل أوروبا أو المتوسط.

 

وفي ذروة موجة يونيو، أفادت المنظمة بأن نظام مراقبة الوفيات الإسباني قدّر أكثر من 300 وفاة زائدة مرتبطة بالحر خلال بضعة أيام، فيما سجلت إيطاليا خمس وفيات خلال 24 ساعة في الفترة التي تناولها بيان المنظمة. كما ارتفعت الاتصالات الطبية الطارئة في بعض المدن الفرنسية بما يصل إلى 50%، وشكل الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 75 عاماً فأكثر نحو 60% من حالات الإدخال إلى المستشفيات بعد زيارات الطوارئ في تلك الموجة.[7]

 

وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن أوروبا هي أسرع القارات احتراراً، وأنها تسخن بنحو ضعف المعدل العالمي تقريباً. وبينما لا يمكن رد كل وفاة فردية إلى موجة الحر من دون دراسة سريرية، فإن التراكم الإحصائي للوفيات الزائدة يبين حجم الخطر العام، خصوصاً على المسنين والأطفال والحوامل والعمال في الهواء الطلق وذوي الأمراض المزمنة والأشخاص الذين يفتقرون إلى سكن آمن أو تبريد مناسب.[6] [7]

 

لماذا حدث ذلك؟ ثلاثة عوامل متداخلة

العامل الأول هو الاحترار العالمي الناتج عن انبعاثات غازات الدفيئة، الذي يرفع خط الأساس الحراري ويجعل موجات الحر المتطرفة أكثر تكراراً وشدة ومدداً. وتقول المنظمة العالمية للأرصاد إن أوروبا ارتفعت حرارتها بنحو درجتين خلال الخمسين عاماً الماضية، وإن موجات من هذا النوع تتفق مع ما يتوقعه العلم في مناخ متغير.[3]

 

العامل الثاني هو استمرار أنظمة الضغط المرتفع التي تحبس الهواء الساخن فوق مناطق واسعة وتمنع التجدد السريع للكتل الهوائية. أما العامل الثالث فهو تفاعل اليابسة والبحر: أرض جافة تفقد قدرتها على التبريد، وبحر دافئ يضيف رطوبة وحرارة إلى المناطق الساحلية. وقد تزامن ذلك في 2026 مع تطور ظروف إل نينيو في المحيط الهادئ، وهو عامل مناخي عالمي ساهم في الخلفية الحرارية، لكنه لا يلغي الدور الأساسي للاحترار طويل الأمد.[1]

 

الحلول: من الطوارئ إلى تغيير المدينة والطاقة

لا توجد استجابة واحدة قادرة على حل المشكلة. فالوقاية الفورية تبدأ بإنذارات حرارية مرتبطة بإجراءات قابلة للتنفيذ، وفتح مراكز تبريد عامة، وتفقد كبار السن، وتعديل ساعات العمل في الهواء الطلق، وضمان المياه في الأحياء والمواقع المهنية. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن خطط العمل الخاصة بالصحة والحر تنقذ الأرواح؛ وتشير تقديراتها إلى أن الوفيات المرتبطة بالحر في الإقليم الأوروبي عام 2023 كانت ستزيد بنحو 80% من دون إجراءات التكيف القائمة، وقد تتضاعف لدى من هم في سن الثمانين أو أكثر.[7]

 

أما على المدى المتوسط، فتحتاج المدن إلى أشجار وظلال وممرات هوائية وأسقف وواجهات أقل امتصاصاً للحرارة، مع حماية الفئات التي لا تستطيع تحمل كلفة التبريد. وينبغي للمستشفيات أن تقيّم قدرتها على الاستمرار أثناء موجات الحر، بما في ذلك التبريد والكهرباء والمياه وتراكم المرضى.[6]

 

وفي إدارة المياه، تتطلب المرحلة المقبلة تقليل التسرب، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وتوجيه الري إلى المحاصيل الأقل استهلاكاً للماء، وتحسين إدارة الأحواض والأنهار العابرة للحدود. وفي الزراعة والغابات، يصبح تنويع المحاصيل، واستعادة رطوبة التربة، وإدارة الغطاء النباتي، وتوسيع الرصد بالأقمار الصناعية، عناصر وقاية لا ترفاً بيئياً.

 

وبالنسبة إلى البحر، يجب تقليل الضغوط المحلية التي تضعف قدرة النظم البيئية على التعافي، مثل الصيد الجائر والتلوث وتدمير الموائل، مع حماية المناطق الحساسة وتحديث إدارة المصايد والاستزراع المائي. لكن هذه الإجراءات لا تستطيع وحدها إلغاء أثر ارتفاع حرارة البحر؛ فالحل الجذري يظل خفض الانبعاثات والانتقال السريع بعيداً عن الوقود الأحفوري.[4]

 

نطاق الجفاف في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة

 

إنفوغرافيك 3: الجفاف ليس نتيجة ثانوية للحر فقط، بل عامل يضاعف الحرائق والضغط على المياه والطاقة.[5]

 

الخلاصة: صيف إنذار لا صيف استثناء

تكشف أرقام 2026 أن موجة الحر لا تُقاس بذروة الحرارة وحدها. فالمؤشر الحقيقي هو تزامن الحرارة القياسية مع ليالٍ حارة، وبحر دافئ، وتربة جافة، وأنهار منخفضة، وحرائق واسعة، وضغط على المستشفيات والطاقة والغذاء. وفي الوقت نفسه، تُظهر التجربة أن الوقاية فعالة: الإنذار المبكر، ومراكز التبريد، وحماية العمال، والتواصل مع الفئات الهشة، وتخطيط المدن يمكن أن تقلل الخسائر.

 

الرسالة السياسية والعلمية الأوضح هي أن التكيف أصبح ضرورة فورية، لكنه لن يكون كافياً إذا استمر الاحترار بالمعدل نفسه. فكل درجة إضافية تعني صيفاً أطول، وبحراً أدفأ، وتربة أكثر جفافاً، ومساحة أضيق للمناورة. وما بدا في السابق موجة استثنائية، يتحول تدريجياً إلى اختبار متكرر لقدرة بلدان المتوسط على حماية سكانها واقتصاداتها ونظمها البيئية.

 

ملاحظة منهجية

تعتمد هذه المادة على آخر ما كان منشوراً حتى 31 أغسطس 2026. بعض أرقام الوفيات والحرائق والقياسات الحرارية الأولية قابلة للمراجعة. كما أن الأرقام الخاصة بالاتحاد الأوروبي أو غرب أوروبا لا تمثل تلقائياً كامل دول حوض المتوسط، ولذلك جرى تحديد نطاق كل رقم داخل النص.

 

المراجع

[1] Copernicus Climate Change Service/ECMWF، «أعلى حرارة سطحية للمحيطات في يوليو 2026 وظروف حارة وجافة تغذي حرائق أوروبا»، 10 أغسطس 2026

[2] Copernicus Climate Bulletins، ملخص يوليو 2026 وقصة موجة مايو المبكرة

[3] المنظمة العالمية للأرصاد، «غرب أوروبا يسجل أحر يونيو على الإطلاق»، 9 يوليو 2026

[4] World Weather Attribution، «تغير المناخ يقود إلى درجات حرارة بحرية أوروبية غير مسبوقة مع آثار شديدة على الحياة البحرية»، 19 أغسطس 2026

[5] المركز المشترك للبحوث في المفوضية الأوروبية، «تفاقم الجفاف والحر القياسي في أوروبا يغذيان حرائق استثنائية وانخفاضاً شديداً في تدفقات الأنهار»، 12 أغسطس 2026

[6] منظمة الصحة العالمية/المكتب الإقليمي لأوروبا، «التخطيط لعالم أكثر دفئاً»، 16 يوليو 2026

[7] منظمة الصحة العالمية/المكتب الإقليمي لأوروبا، «استعدوا: موجات الحر الحالية تمرين على ما سيأتي»، 30 يونيو 2026

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment