اقتصاد المهرجانات والفعاليات الثقافية: حين تتحول الثقافة إلى محرك للتنمية

08/29/2026 - 00:38 AM

Arab American Target

 

 

الصحفي ضياء الدين مرزقي

ما الذي يبقى بعد انطفاء الأضواء؟

لا ينتهي المهرجان الثقافي عند آخر عرض أو حفل موسيقي. خلف الجمهور والتذاكر والمنصات، توجد سلسلة اقتصادية تمتد من الفنادق والمطاعم ووسائل النقل إلى الحرفيين والتقنيين والمترجمين ووكالات الإنتاج. وقد تكون الفعالية في مدينة صغيرة نافذة على فرص عمل جديدة، أو أداة لإعادة تنشيط حي متراجع، أو وسيلة لبناء صورة دولية لمدينة ودولة.

لكن المهرجان ليس مشروعاً رابحاً تلقائياً. فالعائد الذي يُعلن عنه المنظمون قد يكون «نشاطاً اقتصادياً» شمل إنفاق الزوار، لا ربحاً صافياً، وقد تتولى الموازنة العامة دفع تكاليف الأمن والنقل والنظافة والبنية التحتية. لذلك فإن السؤال الصحفي الأهم ليس: كم أنفق المهرجان؟ بل: من دفع، ومن استفاد، ومن تحمل الكلفة؟

رقم يكشف ما وراء العرض

يقدم تقرير لليونسكو عن عشرة مهرجانات للفنون والثقافة في جنوب إفريقيا نموذجاً قابلاً للقياس. فقد ولّدت هذه المهرجانات أكثر من 11.7 مليون دولار من النشاط الاقتصادي خلال عام 2024، وأسهمت في توفير قرابة 3000 وظيفة. وقدّر التقرير أن كل دولار استُثمر في إنتاج المهرجانات أضاف نحو 2.51 دولار إلى الاقتصاد المحلي، عبر السياحة والضيافة والتجزئة والخدمات [1].

هذه الأرقام مهمة، لكنها لا تعني أن الجهة المنظمة استردت 2.51 دولار نقداً عن كل دولار أنفقته. إنها تقدير للأثر المضاعف في الاقتصاد المحلي، وقد يشمل إنفاق الزوار والعاملين والموردين. ولذلك يجب على الصحفي أن يسأل عن طريقة احتساب الرقم، وحدود العينة، وما إذا كان الإنفاق المحلي ناتجاً عن المهرجان فعلاً أم كان سيحدث حتى من دونه.

"من الضروري أن نُظهر بوضوح الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي للفعاليات، من خلال أطر متابعة وتقييم مصممة جيدا"ً. منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي [2]

كيف تتحرك أموال المهرجان؟

تبدأ الدورة المالية عادة بالتمويل العام، أو الخاص أو مبيعات التذاكر أو الرعاية التجارية أو المنح الدولية. ثم تنتقل الأموال إلى أجور الفنانين والفرق التقنية، واستئجار القاعات والمنصات، والنقل والإقامة، والإعلانات، والتأمين، والأمن، والطباعة، والخدمات الرقمية.

 

بعد ذلك ينتقل الإنفاق إلى الاقتصاد المحيط. يشتري الزائر الطعام، ويستخدم سيارة أجرة، ويحجز غرفة، ويزور متجراً أو موقعاً سياحياً. ويستفيد المورد المحلي عندما يكون قادراً على تلبية الطلب. لكن جزءاً من الإنفاق قد يغادر المدينة سريعاً إذا كانت الفنادق وسلاسل المطاعم وشركات التنظيم مملوكة لمجموعات خارجية، أو إذا استقدمت الفعالية معظم عمالتها من خارج المنطقة.

هنا يظهر الفرق بين الأثر الإجمالي والأثر المحلي الصافي. فالأثر الإجمالي يقيس كل الإنفاق المرتبط بالفعالية، بينما يحاول الأثر المحلي الصافي معرفة ما بقي داخل المدينة بعد خصم الواردات، والأرباح الخارجة، والنفقات التي كانت ستحدث أصلاً، والتكاليف العامة التي تحملها السكان.

الوظائف: فرصة حقيقية أم عمل موسمي؟

تخلق المهرجانات وظائف مباشرة مثل الإنتاج، والإضاءة، والصوت، والأمن، والتسويق، والترجمة، والإدارة، إضافة إلى وظائف غير مباشرة في النقل والضيافة والتجزئة. لكنها في كثير من الأحيان وظائف مؤقتة مرتبطة بأيام أو أسابيع الفعالية، وقد تكون غير مستقرة أو ضعيفة الحماية الاجتماعية.

لذلك لا يكفي إعلان عدد الوظائف. يجب معرفة عدد العاملين المحليين، ومتوسط مدة التعاقد، والأجر، وساعات العمل، والتغطية التأمينية، ونسبة النساء والشباب، وما إذا كان العاملون يعودون إلى وظائف أخرى بعد انتهاء الموسم. ويمكن للصحفي أن يطلب كشوفاً إجمالية مجهّلة للأجور والعقود، لا الاكتفاء بتصريحات المنظمين.

وتزداد أهمية هذه الأسئلة في المدن التي تستخدم الثقافة بديلاً عن الاستثمار الصناعي أو بوابة لتشغيل الشباب. فالمهرجان قد يفتح باباً للتدريب ونقل المهارات، لكنه قد يرسخ أيضاً نموذج العمل المؤقت إذا لم يرتبط بمدارس إنتاج وشركات محلية وسوق ثقافي مستمر.

السياحة الثقافية: إنفاق جديد أم إعادة توزيع؟

يستطيع المهرجان جذب زوار لم يكونوا ليأتوا إلى المدينة في الظروف العادية، وهذا هو الأثر الأكثر وضوحاً في الفنادق والنقل والمطاعم. لكن حجم هذا الأثر يتوقف على نسبة الزوار القادمين من خارج المنطقة، ومدة إقامتهم، ومعدل إنفاقهم، وموسم الفعالية، وقدرة المدينة على استيعابهم.

إذا كان معظم الحضور من سكان المدينة، فقد يكون المهرجان مهماً ثقافياً واجتماعياً، لكن لا يصح احتساب كل إنفاقهم على أنه سياحة جديدة. وإذا صادف المهرجان موسماً سياحياً مزدحماً أصلاً، فقد يكون جزء من الإشغال الفندقي سيحدث حتى من دونه. أما إذا دفع الزوار إلى تمديد إقامتهم أو زيارة مواقع أخرى، فهنا يصبح الأثر الإضافي أكثر قابلية للإثبات.

وتحذر منظمة التعاون والتنمية من التعامل مع الفعاليات الكبرى باعتبارها نجاحاً بمجرد ارتفاع أعداد الزوار؛ إذ توصي بقياس المكاسب طويلة الأجل، والاستفادة المحلية، والاستدامة، والقدرة على بناء مؤسسات ومهارات بعد انتهاء الحدث [2].

من يمول الثقافة؟

تتخذ منظومة التمويل أشكالاً مختلفة: دعم حكومي مباشر، منح من مؤسسات ثقافية، رعاية مصرفية وتجارية، تذاكر، منح دولية، شراكات مع الفنادق وشركات الطيران، وموارد عينية مثل توفير المكان أو الخدمات.

لا يمثل التمويل الخاص بالضرورة استقلالاً عن المصالح التجارية. فقد تؤثر الشركات الراعية في اختيار الفنانين، أو هوية الجمهور، أو الرسائل المراد إبرازها. وفي المقابل، لا يضمن التمويل العام وحده العدالة؛ فقد تستفيد عواصم ومهرجانات كبيرة من الموارد بينما تبقى المناطق النائية بلا بنية ثقافية.

وتكمن الزاوية الصحفية في مقارنة الميزانية المعلنة بمصادر التمويل الفعلية، وشروط الرعاية، وأجور الإدارة، وحصة الفنانين، ونفقات الترويج، والتزامات المدينة. فالمهرجان الذي يعلن ملايين الدولارات من النشاط الاقتصادي قد ينفق أيضاً ملايين أخرى من المال العام، ومن حق الجمهور معرفة المعادلة كاملة.

الفعاليات والثقافة المحلية

لا يقاس نجاح المهرجان بعدد النجوم الدوليين فقط. فالمؤشر الأهم هو مدى اندماجه في النسيج المحلي: هل يشارك الفنانون المقيمون؟ هل تفتح المسارح والمدارس أبوابها للمجتمع؟ هل تُعرض الحرف والمأكولات واللغات المحلية باحترام، أم تتحول إلى ديكور استهلاكي؟ وهل يستطيع السكان حضور الفعاليات بأسعار مناسبة؟

قد تصنع الفعالية صورة جديدة للمدينة، لكنها قد ترفع أيضاً أسعار الإيجارات وتزيد الضغط على النقل والخدمات وتدفع الأنشطة التقليدية خارج المركز. ومن هنا يجب أن يتضمن أي تقييم اقتصادي بعداً اجتماعياً: عدد المستفيدين المحليين، وتوزيع النشاط بين الأحياء، وإتاحة التذاكر، وتأثير الفعالية على السكان غير المشاركين فيها.

الكلفة البيئية التي لا تظهر في الملصق

تنتج المهرجانات نفايات من الطعام والتغليف، وتستهلك الطاقة في الإضاءة والتبريد والنقل، وقد تزيد الرحلات الجوية والانبعاثات. كما أن بناء منشآت مؤقتة ثم تفكيكها بعد أيام يطرح سؤالاً عن جدوى المواد المستخدمة.

 

ويمكن للصحافة أن تطلب أرقام استهلاك الكهرباء والمياه، وحجم النفايات، ونسبة إعادة التدوير، وعدد الرحلات، وخطة النقل العام، وإعادة استخدام المنصات والمعدات. فالمهرجان المستدام لا يكتفي بحملة تشجير رمزية؛ بل يقيس دورة الإنتاج كاملة ويكشف البيانات للجمهور.

المثال الجنوب إفريقي: قوة الأثر وحدود التمويل

يفيد مثال اليونسكو في إظهار أن الفعاليات الثقافية قادرة على توليد نشاط اقتصادي ووظائف في مناطق تحتاج إلى فرص جديدة. لكنه يكشف في الوقت نفسه أن هذا القطاع «مؤثر وغير مقدّر بما يكفي» ويحتاج إلى تمويل أكثر استقراراً وقياساً أفضل [1].

وتظهر هنا مفارقة أساسية: كلما أثبتت المهرجانات أثرها الاقتصادي، ازدادت حاجتها إلى تمويل طويل الأجل؛ لأن الفعالية لا تبني جمهوراً ومهارات وشبكات توريد محلية في دورة واحدة. كما أن المنظمين يحتاجون إلى الانتقال من حساب الحضور إلى بناء مؤشرات تشمل الدخل، والمهارات، وحقوق العاملين، والتمثيل الثقافي، والاستدامة.

كيف يحقق الصحفي في اقتصاد مهرجان؟

يمكن بدء التحقيق بطلب الميزانية السنوية والتقرير المالي، ثم مقارنة الأموال العامة مع مبيعات التذاكر والرعاية والمنح. بعد ذلك تُرسم خريطة المستفيدين: الفنانون، شركات الإنتاج، الفنادق، المطاعم، النقل، الباعة، والحرفيون.

ويجب جمع بيانات قبل المهرجان وأثناءه وبعده، بدلاً من الاعتماد على استطلاع واحد. اسأل الفنادق عن الإشغال في الفترة نفسها من السنوات السابقة، وقارن الأسعار، وتحقق من عدد الزوار القادمين من خارج المدينة، وميّز بين الوظائف المباشرة وغير المباشرة. واطلب من الجهة المنظمة توضيح طريقة حساب «المضاعف الاقتصادي» ومجال الخطأ في التقدير.

كما ينبغي منح حق الرد للجهات الممولة والبلدية والمنظمين والفنانين والعاملين والسكان. وفي حال استخدام أرقام الأثر الاقتصادي، يجب وصفها بدقة: هل هي نشاط اقتصادي، أم دخل، أم قيمة مضافة، أم إيرادات عامة، أم ربح؟ فالخلط بين هذه المصطلحات يحول الدعاية إلى رقم يبدو علمياً.

الخلاصة: الثقافة استثمار، لكن ليست كل فاتورة عائداً

تثبت التجارب الدولية أن المهرجانات والفعاليات الثقافية يمكن أن تحرك السياحة، وتخلق وظائف، وتنشط التجارة، وتعيد تقديم المدن إلى العالم. لكن أثرها لا يصبح تنمية حقيقية إلا عندما يتوزع على المجتمع، ويستمر بعد انتهاء الحدث، ويُقاس بشفافية، ولا يترك خلفه ديوناً أو ارتفاعاً في الأسعار أو هدراً بيئياً.

 

المهرجان الناجح ليس الذي يملأ الساحة ليلة واحدة، بل الذي يترك وراءه فنانين أكثر قدرة، وعاملين أكثر حماية، ومؤسسات محلية أقوى، وجمهوراً أوسع، وبيانات يمكن للجميع فحصها. وبينما تسعى المدن إلى تحويل الثقافة إلى محرك اقتصادي، ينبغي أن يبقى السؤال حاضراً: هل تخدم الفعالية المدينة، أم تستخدم المدينة منصة لعرض عابر؟

 

المراجع

[1]: https://www.unesco.org/en/articles/unesco-report-arts-and-culture-festivals-drive-development-yet-remain-underfundedاليونسكو، Arts and Culture Festivals drive development – Yet remain underfunded، 2025.

[2]: https://www.oecd.org/en/about/projects/impacts-of-global-events.htmlمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، Global Cultural, Sports and Business Events and Local Development.

[3]: https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000394908اليونسكو، Creating for the Future: Harnessing Southern Africa’s Arts and Cultural Festivals for Sustainable Development.

[4]: https://www.unesco.org/en/articles/cultural-and-creative-industries-cciاليونسكو، Cultural and Creative Industries.

 

ملاحظة منهجية: أرقام الأثر الاقتصادي للمهرجانات تختلف باختلاف التعريف والمنهج والعينة. لا ينبغي مقارنتها مباشرة قبل معرفة ما إذا كانت تقيس الإنفاق، أو الدخل، أو القيمة المضافة، أو الوظائف، أو الإيرادات العامة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment