السفير فادي عسّاف لـ بيروت تايمز: لبنان رسالةٌ لا تنطفئ ودبلوماسيةٌ تحمل الأمل وسط العواصف

08/24/2026 - 09:29 AM

San Diego

 

 

بيروت، الفاتيكان - حوار خاص من اعداد الإعلامية منى منصور

في مرحلة دقيقة يمرّ بها لبنان، تتعاظم أهمية الدور الدبلوماسي في حماية موقعه ورسالة حضوره على الساحة الدولية. وفي قلب هذا الدور، يبرز اسم الدكتور فادي عسّاف، سفير لبنان لدى الكرسي الرسولي، كشخصية تجمع بين الخبرة الأكاديمية، والمسار المهني الطويل، والرؤية الوطنية الواضحة. فمن الفاتيكان، حيث تتقاطع السياسة مع القيم الروحية، يعمل السفير عسّاف على نقل صوت لبنان إلى واحدة من أهم المرجعيات المعنوية والدبلوماسية في العالم، مستندًا إلى خبرة تتجاوز ثلاثة عقود في العلاقات الدولية والأخطار الجيوسياسية.

هذه المقابلة تأتي لتسلّط الضوء على طبيعة العمل الدبلوماسي في الفاتيكان، وعلى الأولويات اللبنانية في هذه المرحلة، وعلى الدور الذي يمكن أن يلعبه لبنان في تعزيز الحوار، وحماية الوجود المسيحي في الشرق، ودعم الاستقرار في ظل التحديات الراهنة. كما تفتح نافذة على البعد الإنساني في مهمة السفير، وعلى رؤيته لموقع لبنان في وجدان الكرسي الرسولي، وللرسالة التي يحملها وطن الأرز إلى العالم.

السفير الدكتور فادي عسّاف، من مواليد بيروت عام 1966، وينحدر من عائلة متحدرة من بلدة كفرحونة الجنوبية في قضاء جزين. والده طبيب ووالدته ربّة منزل، ولديه أخت طبيبة وأخ طبيب أيضًا. تلقّى تعليمه في مدرسة الفرير في الجمّيزة ثم في مدرسة المون لا سال، قبل أن يتابع دراساته الجامعية في العلوم الاقتصادية في جامعة القديس يوسف للآباء اليسوعيين. وبعدها انتقل إلى فرنسا لمتابعة دراساته العليا في العلاقات الدولية، حيث نال شهادة الدكتوراه من جامعة باريس الثانية (Paris II – Panthéon Assas).

البابا لاوون الرابع عشر يتوسط فخامة الرئيس اللبناني جوزاف عون وسعادة السفير فادي عساف 

 

والى الحوار الشيق:

■ معلومات شخصية عامة تود مشاركتها مع قرّاء بيروت تايمز

كيف كانت طفولتك وشبابك؟ أين تلقيت تعليمك؟ وما هو اختصاصك الأكاديمي؟

 

من مواليد بيروت عام 1966، والعائلة متحدرة من بلدة كفرحونة في قضاء جزين. والدي طبيب ووالدتي ربّة منزل، ولدي أخت طبيبة وأخ طبيب أيضًا. تعلّمت في مدارس الفرير في منطقة الجمّيزة القريبة نت العاصمة اللبنانية بيروت، وبعدها في مدرسة المون لاسال، ومن ثمّ تابعت دراساتي في العلوم الاقتصادية في جامعة القديس يوسف للآباء اليسوعيين، قبل الانتقال إلى فرنسا لمتابعة دراساتي العليا في العلاقات الدولية حيث نلت شهادة الدكتوراه من جامعة باريس 2.

 

■ ما هي أبرز محطاتكم المهنية التي أثّرت في مسيرتكم الديبلوماسية، وكيف انعكست خبرتكم في العلاقات الدولية على دوركم الحالي؟

عملت ما يزيد عن 35 عامًا كمستشار "مخاطر جيوسياسية" لشركات عالمية من قطاعات متعددة، ومنها الطاقة والتكنولوجيات والأمن، وهذا هو أساس مهنتي. كما تبوّأت مركز مدير عام ملتقى الأعمال اللبنانيين، ودرّست العلاقات الدولية في جامعات لبنانية، وأسست وأدرت مراكز أبحاث، منها جامعية متخصصة في شؤون الشرق الأوسط.

وفي موازاة ذلك، عملت في لبنان مستشارًا للرئاسة وللحكومة على عدة ملفات سياسية واقتصادية، ومستشارًا للشؤون الاستراتيجية لصالح دوائر سياسية في فرنسا.

 

■ لماذا اختير السفير فادي عسّاف ليكون سفيرًا للبنان في الفاتيكان؟

شرّفني فخامة الرئيس جوزف عون باختياري، على اقتراح من معالي وزير الخارجية والمغتربين، لمنصب سفير لدى الكرسي الرسولي، وهو من منظور لبناني من المراكز الديبلوماسية الأساسية، بحيث يرى لبنان في الفاتيكان مركز ثقل معنوي وديبلوماسي فاعل ومؤثّر دوليًا وإقليميًا، وبالتالي هو شريك أساسي للدفاع عن مصالح لبنان واللبنانيين بكافة أطيافهم.

وأتى اختياري هذا مبنيًا على ما رُسم من أولويات سياسة الحكومة الخارجية في المرحلة الحالية، والتي تخوّلني خبرتي العملية في العلاقات الدولية كما شهاداتي الجامعية وكذلك التزامي الوطني أن أواكب وأسهم في السعي لتحقيقها.

استلمت منصبي رسميًا كسفير لبنان لدى الكرسي الرسولي في أكتوبر 2025، مما أتاح لي الفرصة لمواكبة الزيارة التاريخية لقداسة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان في نوفمبر - ديسمبر، والعديد من الزيارات لمسؤولين سياسيين وروحيين لبنانيين إلى الفاتيكان، وعلى رأسهم فخامة الرئيس جوزف عون، ودولة الرئيس نواف سلام، ومعالي وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي، وبطريرك الموارنة مار بشارة بطرس الراعي، وبطريرك الأرمن الكاثوليك رفائيل بدروس الحادي والعشرون ميناسيان. كما شاركت بالعديد من النشاطات الديبلوماسية لدى الكرسي الرسولي، ومنها زيارة ملك إنجلترا وزيارة ملك إسبانيا.

 

البطريرك الماروني مار بشارة الراعي وسعادة السفير فادي عساف ​

 

■ كيف تقيّمون الدور الذي يؤديه لبنان داخل الفاتيكان، وما هي أبرز الأولويات التي تعملون على تعزيزها في هذه المرحلة؟

من منظور الفاتيكان، يعتبر لبنان "البلد الرسالة" كما وصفه البابا القديس يوحنا بولس الثاني؛ بلد انفتاح وتسامح ونموذج يمكن أن يُلهم مجتمعات وبلدان مجاورة. فلبنان، البلد الذي يحتضن ثقلًا مسيحيًا وازنًا يجب الحفاظ عليه من أجل عيش مشترك، هو أحد المحاور الفاعلة لحوار الأديان الذي يدعو إليه الكرسي الرسولي.

ومن هنا، يجد اللبنانيون، من مسيحيين كاثوليك أو من غيرهم من الكنائس المسيحية الأخرى ومن أتباع الديانات السماوية الأخرى، مكانة خاصة في وجدان المسؤولين في الكرسي الرسولي، مما يفسّر الديناميكية التي شهدناها عبر التاريخ وما زلنا نراها اليوم في العلاقات بين البلدين.

ديبلوماسيًا وسياسيًا، أولويات لبنان في علاقته مع الكرسي الرسولي متعددة ومتشعبة، ومنها التشاور المستمر والتعاون العملي من أجل إيجاد الظروف الدولية لإحاطة لبنان واحتضانه في ظروفه الصعبة، وللسعي في المحافل الدولية لدعم سياسات السلطات اللبنانية في سعيها لتحقيق الاستقرار والسلام.

 

■ زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون إلى الفاتيكان ولقائه مع قداسة البابا،

ما هي أبرز نتائجها وانعكاساتها على العلاقات اللبنانية - الفاتيكانية؟ وما هي أهم الملفات التي يتم بحثها مع كبار المسؤولين في حاضرة الفاتيكان؟

خلال زيارته الأخيرة للفاتيكان، التقى الرئيس جوزف عون بقداسة البابا لاوون الرابع عشر، كما اجتمع بأمين سر الدولة الكاردينال بيترو بارولين وبوزير الخارجية المونسنيور بول غاليغر. وتركزت المباحثات، في الظروف الحالية، على التطورات في جنوب لبنان خصوصًا، وعلى ضرورة السعي لدى الدول الكبرى والدول المؤثرة على الساحة اللبنانية من أجل فرض تنفيذ التفاهمات التي وصل إليها لبنان وإسرائيل ضمن الاتفاق الاطاري الذي وُقّع بوساطة أميركية، من أجل تحرير الأراضي اللبنانية وإعادة بسط سيطرة الدولة على كافة أراضيها، ومن أجل إعادة الأسرى والشروع بإعادة إعمار ما تهدّم.

 

■ كيف ينظر الفاتيكان إلى الوضع الإنساني والاجتماعي في لبنان؟ وإلى أي مدى يواكب الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب؟

منذ اندلاع الحرب الأخيرة، عمل الفاتيكان على خطين متوازيين من أجل مساعدة اللبنانيين:

على الصعيد الإنساني: عبر مساعدات عينية لأهالي الجنوب خصوصًا، وذلك من خلال إمكانات الفاتيكان الخاصة والمؤسسات التابعة له والمتعاونة معه، ومن خلال أيضًا الكنيسة المحلية.

وعلى الصعيد السياسي والدبلوماسي: عبر السعي الدؤوب مع شركاء إقليميين ودوليين وفي المحافل الدولية من أجل وقف الحرب وإعادة فتح أبواب الحوار البنّاء من أجل استقرار دائم يحفظ حقوق لبنان واللبنانيين.

 

البابا لاوون الرابع عشر والسفير اللبناني فادي عساف واولاده

 

■ ما هو الدور الذي يمكن للبنان أن يلعبه في حماية الوجود المسيحي في الشرق؟ وكيف ينظر الفاتيكان إلى هذه القضية؟

يسعى لبنان أن يعود منارة ثقافية واجتماعية وساحة حريات وتسامح في منطقة أهلكتها الحروب، وهذا بحد ذاته يحمل الأمل للبنانيين أولًا وللشعوب المحيطة التي عانت هي أيضًا من المآسي والعنف.

وإن استعاد لبنان دوره هذا، يعطي تلقائيًا الأمل للشعوب المجاورة، ومنها الأقليات المسيحية التي تتطلّع إلى وطن الأرز كنموذج للعيش بتناغم بين المواطنين من دون تمييز ديني.

فدور لبنان تجاه مسيحيي الشرق هو أولًا بإعطاء الأمل والمثل، وثانيًا بإعادة تفعيل مكانته الثقافية في محيطه من أجل التفاعل الإيجابي بين المجتمعات.

 

■ ما هي التحديات التي تواجه العمل الدبلوماسي اللبناني في الخارج، وكيف يمكن للسفارات أن تساهم في دعم خلال الأزمات؟

التحديات قد تكون مادية، ولكنها لن تعيق عمل سفاراتنا عبر العالم. فالتزام الديبلوماسيين اللبنانيين وموظفي البعثات كافٍ لتسيير الأمور ولخدمة المواطنين.

ويبقى الأهم اندفاع والتزام المغتربين الذين لم يترددوا أبدًا، كما هي الحال اليوم أيضًا، في تقديم المساعدات للبنان وللمتضررين، كما وأنهم صوت لبنان في بلاد الانتشار وضميره الحي المدافع دائمًا عن حقوق الوطن الأم.

 

■ ما هي رسالتكم الى البنانيين في الوطن والاغتراب في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان اليوم؟

رسالتي أن لا ييأسوا وأن لا يفقدوا الأمل في نهوض لبنان، وأن عليهم أن يبقوا إلى جانبه قدر إمكاناتهم وفي مجال اختصاصهم وعملهم. لبنان الجديد قادم لا محالة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment