زهير قصير لـ«بيروت تايمز»: «هم الشهود وهم الشهداء»… الصورة شاهدة على الحقيقة ودليل على الجريمة

08/23/2026 - 07:18 AM

Jonathan Amireh

 

 

* عضو مجلس نقابة الصحافة والمصورين: حماية الإعلاميين تبدأ بتطبيق القانون الدولي الإنساني… والمطلوب تدريب ومعدات أكثر للمصورين في مناطق النزاع.

* زهير قصير: المصور والصحافي يوثّقان الحقيقة… وقد يدفعان حياتهما ثمناً لها

 

بيروت -بيروت تايمز - حوار منى حسن 

في زمن الحروب، لا تكتفي الصورة بنقل المشهد، بل تتحول إلى شاهد حيّ على ما جرى، وإلى وثيقة تحفظ الحقيقة من النسيان والتزوير. وفي لبنان، دفع عدد من الصحافيين والمصورين حياتهم ثمناً لقيامهم بواجبهم المهني، فكانوا شهوداً على الأحداث وشهداء في سبيل نقلها إلى العالم.

وفي مناسبة تكريم شهداء الكلمة والصورة، تفتح «بيروت تايمز» هذا الملف مع عضو مجلس نقابة الصحافة والمصورين في لبنان زهير قصير، الذي يتحدث عن أهمية تكريم الإعلاميين الذين فقدوا حياتهم، وعن المخاطر التي يواجهها الصحافي والمصور في الميدان، ودور النقابة في حماية الزملاء، كما يتناول أهمية الصورة الصحافية في توثيق الحروب والجرائم، مؤكداً أن الصورة الصادقة قد تكون أقوى من مئات الكلمات.

قصير يشدد على أن المصور لا ينقل الحدث فحسب، بل يصنع ذاكرة جماعية تحفظ تفاصيله للأجيال، وأنه في كثير من الأحيان يجد نفسه أمام خيار صعب بين توثيق المشهد ومساعدة الضحايا. ومن هنا، يختصر رسالته بالقول: «هم الشهود… وهم الشهداء».

وإلى تفاصيل الحوار :

س: ما أهمية تكريم الشهداء الإعلاميين اليوم، وما الرسالة التي تريدون إيصالها من خلال هذا التكريم؟

ج: ببساطة، أن نقول لهم إنهم ما زالوا موجودين معنا، في وجداننا وذاكرتنا، ولن ننساهم.

س: كيف تنظرون إلى تضحيات الصحافيين والمصورين الذين فقدوا حياتهم أثناء قيامهم بواجبهم المهني؟

ج: هي نظرة إكبار وتعظيم لدورهم. حملوا دمهم على أكفهم من أجل إظهار الحقيقة ومنع تزوير السردية، ونقل حكاية شعب يدافع عن أرضه. لذلك، مهما بلغت التضحيات، سنبقى مؤمنين بضرورة إكمال مسيرتهم.

 

س: هل يحصل الإعلاميون في لبنان على الحماية التي يستحقونها، خصوصاً أثناء تغطية الحروب والأحداث الأمنية؟

ج: للأسف، لا، وبـ«لا» كبيرة، سواء على المستوى الرسمي أو المؤسسات الخاصة. هناك زملاء استشهدوا وهم لا يملكون حتى تأميناً على الحياة، بحجة أن شركات التأمين لا تؤمّن خلال الحروب. وهذا أمر مؤسف وغير مقبول.

 

س: إلى أي مدى يشكّل استشهاد الصحافي أو المصور خسارة للسلطة الرابعة وللمجتمع؟

ج: هي أولاً خسارة لأهله وعائلته وزملائه، وهي أيضاً خسارة معنوية للإعلام، فلكل صحافي ومصور أسلوبه وبراعته في نقل الأحداث. لكن رحيلهم يزيدنا إيماناً بضرورة متابعة الطريق وإكمال رسالتهم.

 

س: ما الذي يمكن أن تقوم به نقابة المصورين والصحافة لحماية الإعلاميين أثناء الأحداث الخطرة؟

ج: النقابة تهتم بالزملاء وتسأل عنهم، وتعمل، ضمن إمكانياتها المتواضعة، على تأمين الدروع الواقية للبعض منهم، كما تتابع المشاكل التي يتعرضون لها مع الأجهزة المعنية. وفي هذا الإطار يمكن للزميل الاتصال بنقيب المصورين علي علوش، الذي يتابع الموضوع مع الجهات المختصة ويعمل على إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي.

 

س: هل أصبح الصحافي والمصور اليوم جزءاً من المشهد الميداني، أم أنه لا يزال ناقلاً مستقلاً للحقيقة؟

ج: هو جزء أساسي من المشهد، فلولاه لا تكتمل الصورة ولا يكتمل الخبر.

 

س: برأيكم، هل نحتاج إلى تشريعات وإجراءات أكثر صرامة لضمان سلامة الصحافيين في مناطق النزاع؟

ج: المطلوب قبل كل شيء هو تطبيق القوانين الموجودة. فالقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف تنص على حماية الصحافيين والمراسلين باعتبارهم مدنيين، ولا يجوز استهدافهم في مناطق النزاعات.

س: ما الرسالة التي توجهونها إلى عائلات الشهداء الإعلاميين؟

ج: نشد على أياديهم، وهم يعلمون أننا نتألم مثلهم لفقدان زملائنا في الميدان. نحاول قدر الإمكان أن نبقى إلى جانبهم، لأن الفراق صعب، والجمرة لا تحرق إلا موضعها، كما يقول المثل الشعبي.

دور المصور في تغطية الخبر

س: ما أهمية الصورة الصحافية في صناعة الخبر ونقل الحقيقة إلى الرأي العام؟

ج: ما زالت الصورة أساساً في صدقية الخبر، ولعل مجزرة قانا عام 2006 خير مثال. ففظاعة الصور التي نقلها المصورون إلى العالم ساهمت في كشف الجريمة والضغط لوقف العدوان.

 

س: هل يمكن للصورة أحياناً أن تكون أقوى من مئات الكلمات؟

ج: بالتأكيد. أحياناً لا تحتاج الصورة إلى أي تعليق؛ فهي تنطق بالحقيقة المجردة، خصوصاً عندما توثق استهداف المسعفين والأطفال والنساء والإعلاميين.

 

س: كيف يوازن المصور بين واجبه المهني والإنساني أمام مشهد مؤلم أو خطير؟

ج: الأمر يعود إلى خلفية كل زميل الفكرية والثقافية والإنسانية، لكن المصور يوثق اللحظة أولاً، ثم يبدأ بمساعدة من يحتاج إلى المساعدة. وهذا ما حصل مثلاً في بنت جبيل عندما انهار منزل فوق رؤوس سكانه من كبار السن؛ إذ بادر المصورون إلى نقلهم على ظهورهم والاتصال بالإسعاف لتأمين نقلهم إلى المستشفيات.

 

س: ما المسؤولية الأخلاقية التي تقع على عاتق المصور عند تصوير الضحايا والأطفال والمصابين؟

ج: إنها مسؤولية أخلاقية بالدرجة الأولى. عليه أن يوازن بين حق الناس في معرفة الحقيقة وبين احترام مشاعر الضحايا وعائلاتهم، وألا تتحول الصورة إلى انتهاك لكرامتهم.

 

س: في زمن الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي، هل تراجع دور المصور الصحافي المحترف؟

ج: لا، لم يتراجع، بل ربما ازدادت أهميته. لكن قد يقع حدث في مكان لا يستطيع المراسلون الوصول إليه، وهنا يأتي دور المواطن الموجود في المكان، الذي يستطيع توثيق الحدث وإرسال المادة إلى الإعلاميين للتحقق منها ونشرها.

 

س: كيف يمكن التمييز بين الصورة الصحافية المهنية والصور المتداولة من دون تحقق؟

ج: التحقق أصبح ضرورة، وهناك اليوم تطبيقات وأدوات تقنية تساعد على كشف الصور الحقيقية من الصور المتلاعب بها أو المركبة. لكن تبقى مسؤولية الإعلامي الأساسية هي التحقق من المصدر والسياق قبل النشر.

 

س: هل أصبحت الصورة اليوم وثيقة تاريخية يمكن الاعتماد عليها لتوثيق الحروب والأحداث اللبنانية؟

ج: بالتأكيد. الصورة الصادقة تتحول مع مرور الوقت إلى وثيقة وشاهد على مرحلة كاملة، ولذلك فإن مسؤولية المصور لا تنتهي عند لحظة النشر، بل تمتد إلى حفظ الذاكرة الجماعية.

 

س: ما أبرز المخاطر التي يواجهها المصور الصحافي أثناء تغطية الأحداث في الجنوب والمناطق الساخنة؟

ج: المخاطر كثيرة، وأخطرها الاستهداف المتعمد الذي قد يودي بحياة المصور، كما حصل مع أكثر من زميل وزميلة. وهناك مخاطر أخرى ميدانية وأمنية، يحاول الزملاء التعامل معها بالخبرة والاحتياط والإمكانات المتاحة.

 

س: هل يحصل المصورون الميدانيون على التدريب والمعدات اللازمة لحماية أنفسهم أثناء تغطية الحروب؟

ج: ما زال هناك نقص كبير في هذا المجال، خصوصاً لجهة المعدات الواقية والتدريب المتخصص. والنقابة تحاول، ضمن إمكانياتها، المساهمة في تأمين بعض وسائل الحماية للزملاء، لكن المطلوب هو جهد أكبر من المؤسسات الرسمية والإعلامية.

سؤال ختامي

س: بعد تكريم شهداء الكلمة والصورة، ماذا تقولون للجيل الجديد من الصحافيين والمصورين الذين يواصلون العمل في الميدان رغم المخاطر؟

ج: أقول لهم إن تكريم شهداء الإعلام هو حفظ للذاكرة والوفاء لمن دفعوا الثمن. والجميل أن مبادرات أهلية كثيرة تتداعى لتكريمهم، كما حصل مؤخراً عندما بادر مؤسس المسرح الوطني، الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي، إلى تكريم 11 مصوراً ومراسلاً ارتقوا خلال الحرب. وكان التكريم لائقاً بالشهداء وأهلهم وزملائهم. المطلوب من الجيل الجديد أن يعرف أن هذه المهنة ليست مجرد نقل خبر، بل مسؤولية ورسالة وحفظ للحقيقة.

 

س: وهل أصبحت الصورة شاهداً على الحقيقة ودليلاً على الجريمة؟ وما الثمن الذي يدفعه المصور الصحافي لنقلها إلى العالم؟

ج: كانت وستبقى الصورة شاهداً على الحقيقة ودليلاً على الجريمة، رغم فداحة المغامرة التي قد تصل أحياناً إلى حد التضحية بالحياة. وفي حالتنا في لبنان، يصبح المصور والصحافي في الوقت نفسه شاهداً وشهيداً؛ يوثق ما يحدث لكي تصل الحقيقة المجردة إلى العالم، ويدفع أحياناً حياته ثمناً لها.

هم الشهود… وهم الشهداء.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment